إيمانويل كانط والحياة الكاملة

إيمانويل كانط كان واحدًا من أهم المفكرين والمؤثرين في التاريخ الحديث. فعل الكثير لتوجيه وتغيير العالم من شقته الصغيرة في «بروسيا».. أكثر مما فعله معظم الملوك والجيوش من قبل.

لأكثر من أربعين عامًا، كان يستيقظ كل صباح الساعة الخامسة يكتب لمدة ثلاث ساعات بالضبط. ثم يحاضر في نفس الجامعة لمدة أربع ساعات. يتابع يومه مع تناول الغداء في المطعم نفسه كل يوم. وبعد ذلك في فترة ما بعد الظهر، كان يمضي وقته في نزهة طويلة في نفس الحديقة، على نفس الطريق، ليعود إلى المنزل في نفس الوقت كل يوم.

ربما يُخيل للبعض أن هذا النمط من الحياة مُملًا أكثر من كونه مثيرًا وشديد الإنتاجية والانضباط، ولكن في المقابل [tweet_dis]عندما نستوعب أن هذا الروتين قد ساهم بتغيير البشرية ليحول صاحبه لأهم فيلسوف قد وُجِد على هذه الأرض في المبادئ الأخلاقية، قد يتغير حُكمنا قليلًا[/tweet_dis]، مع العلم أيضًا أنه لم يترك في حياته أبدًا مدينته «كونيكسبيرج» في بروسيا، ولم يهتم بفكرة قُرب البحر بضعة كيلومترات من منزله ليستمتع به. كان كل التركيز على أفكاره وتوثيقها والتأمل بها، حتى أثرت ما أثّرت به.

[tweet_dis]«إذا كنت تعيش في مجتمع ديمقراطي يحمي الحقوق الفردية، فيجب أن تشكر كانط على هذا الأمر» يعلق مارك مانسون[/tweet_dis]، «لقد كان أول شخص يتصور على الإطلاق وجود هيئة حاكمة عالمية يمكن أن تضمن السلام عبر معظم أنحاء العالم [وربما تعتبر نسبيًا الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان نِتاجًا لهذا الفِكر]. وقد وصف الفضاء والوقت بطريقة استلهم منها آينشتاين نظرية النسبية.

توصل إلى فكرة أن الحيوانات يمكن أن يكون لها حقوق، وقد اخترع للبشر فلسفة الجماليات والجمال (Aesthetics and Beauty)، وحسم نقاشات فلسفية كان عمرها أكثر من مئتي عام تجاوز محتواها مئات الصفحات. أعاد اختراع الفلسفة الأخلاقية من القمة إلى القاع، وقد أطاح بالأفكار التي كانت أساس الحضارة الغربية منذ أرسطو.

هذه المقدمة هي مدخل بسيط لشخص تناول مفهوم «الغاية والوسيلة» لمستوًا جديد قد يغير حياة من يقرأه للأبد.

فلسفة كانط الأخلاقية فريدة ومتناقضة، فهو يعتقد أن الشيء الجيد، يجب أن يكون جيدًا في كل العالم (تحت أي حضارة ودين وفي كل مكان)، أي أنه لا يمكن أن يكون «صحيحًا» في وقتٍ أو مكانٍ ما، وغير صحيح في آخر.

ونأخذ الكذب على سبيل المثال.. فإن كان الكذب خطأ؛ فهو خطأ طيلة الوقت، وهو خطأ جماعي ومتراكم عندما يفعل الجميع ذلك، هذا باختصار.

إذًا.. فإن أي سلوك إن لم يكن بشكلٍ دائم صحيحًا أو خطأ، فلا يمكن اعتباره مبدأ أخلاقي صحيح.

وهنا نأتي لقلب ما أريد لفت النظر إليه في أحد أهم اقتباساته:

«تصرف دومًا مستخدمًا حِس الإنسانية، سواء مع نفسك أو في تعاملك مع شخصٍ آخر كطرف في المعادلة، وليس مجرد وسيلة.»

بمعنى.. أنك عندما تريد مصلحة من شخصٍ ما، تواصل معه وأطلب المصلحة مباشرًة دون تحذلق أو مقدمات أو دعوات للغداء.. لا تجعله «وسيلة» لـ «غاية».

يرى كانط أن حياتنا تسير بشكل كبير في فُلك «الوسيلة» و«الغاية»، ويجد أن اتخاذ الإنسان للآخر كوسيلة لغايات خاصة تصرُف «لا أخلاقي».

أختصِر هذه الفكرة بالوصف التالي وهو: أهمية وجود الوعي الكامل تجاه أنفسنا واتجاه الآخرين في كل تصرف.

مهلًا، سأحاول التبسيط..

يرى كانط أن الشيء الوحيد الذي يميزنا عن بقية المخلوقات في هذا الكون هو قدرتنا على معالجة المعلومات والتصرف بوعي. وهذا الأمر بالنسبة له، مميز.. بل ومميز جدًا!

يجد أننا نحن (البشر) الوحيدين الذين يملكون قدرة التنظيم الذاتي المعتمد على الذكاء والعقل، لذلك، يجب أن نتعامل مع هذا الأمر بجدية قصوة، وبالتالي فإن العقلانية وحماية الخيار الواعي يجب أن يكونا الأساس لكل منطقنا الأخلاقي.

بمعنى.. أنك يجب أن تدرك أنك إنسان ذو عقل وذكي وتستطيع اتخاذ القرارات من أجل حياة أفضل، وبعد أن تدرك هذا الأمر.. حاول أن تحميه وتحافظ عليه.

نعود لموضوع الغاية والوسيلة..

[tweet_dis]يقول كانط: «يجب ألا يتم التعامل مع كل شخص على أنه وسيلة لطرف آخر، بل يجب معاملته أيضًا كغاية بحد ذاتها.»[/tweet_dis]

الترجمة العملية.. عندما تقرر أن تخرج مع صديق، فإن الغاية يجب أن تكون الخروج معه والاستمتاع برفقته. لكن إن قررت أن تخرج معه من أجل غاية (مصلحة) وإذا احتجنا منه لمساعدة فيجب إعلامه فورًا أن تواصلك معه لغاية من أجل هدف أكبر.

الوعي وتنويه الطرف الآخر مطلب أخلاقي هنا حسب مدرسة كانط.

وربما يصح القول كتعليق.. أن مجاملة الآخرين مثلًا واعتبارهم جسر عبور (أو وسيلة) من أجل غايات أخرى، يعتبر شكلًا من أشكال التصرفات اللاأخلاقية تجاههم واتجاه أنفسنا. فإن كان هناك رغبة جدية بعدم المجاملة.. ببساطة لا يجب أن نجامل!

ماذا يعني هذا الأمر؟.. يعني أنك عندما تفعل شيء بكامل قواك العقلية برضاك ورضى الطرف الآخر بشكلٍ كامل.. فإن هذا الفِعل أخلاقي (آخذين في عين الاعتبار فكرة القبول العالمي لهذا الفِعل).

لكن ماذا عن التعامل مع أنفسنا دون وجود أطراف خارجية؟.. ماذا عن المبدأ الأخلاقي تجاه أنفسنا؟

يعتقد كانط أن علينا جميعًا واجبٌ أخلاقي، وهو بذل قصارى جهدنا في جميع الأوقات، لكنه لم يشير في حياته أن بذل قُصارى الجهد يجب أن ينبُع بسبب احترام الذات أو من أجل الحصول على الاحترام من قِبل الآخرين أو تحقق المنفعة الشخصية أو المساهمة في المجتمع أو أي شيء آخر. بل ذهب أبعد من ذلك بكثير!.. وجادل بأنك كإنسان أخلاقي يجب أن تبذل قصارى جهدك في تأديتك لعملٍ ما أو محاولتك لإنجاز شيءٍ ما، لأن أي شيء أقل من هذا الجُهد هو تعامل واضح مع أنفسنا كـ«وسيلة» وليس «غاية».

وأقصد.. [tweet_dis]أنك عندما تكون على يقين عالٍ بقدرتك على فِعل شيء ما، ولا تلتزم بالإحسان والاتقان فيه، فإنك قد تصرفت تصرفًا لا أخلاقي تجاه نفسك.[/tweet_dis]

تدعو أيضًا مدرسة كانط إلى فكرة مفادها: أن كل إنسان لكي يعيش حياة سوية (وربما ناجحة)؛ فإنه يجب عليه أن يحاول طيلة الوقت بأن يقوم بأعماله أو سلوكه أو محاولاته وتقديم خدماته على أكمل وجه، دون اتخاذ النفس والآخرين كوسائل مؤقتة.. وبالتالي فإن تحقق هذا الأمر؛ فسيتحقق معها تطبيقًا مبدأ الأخلاق بشكل أسهل.

بالبلدي.. إن كان اسمي أحمد وأنا أُحب الكتابة، وأعلم يقينًا أنني أستطيع إنجاز كتابة خمسمئة كلمة كل يوم، وأعلم يقينًا أن الكتابة من أهم الأمور في حياتي، وهي مصدر التأثير والسعادة، ولكنني أصبحت أستيقظ دون الاكتراث لإنجاز هذا العمل.. فإنني بذلك لستُ أخلاقيًا تجاه نفسي. لماذا؟.. لأنني اتخذت عقلي وجسدي كوسيلة لغاية تتعارض مع أهدافي وطموحاتي!.. وهي: الكسل.

الوضوح والالتزام وبذل مجهود منتظم.. والابتعاد عن اتخاذ الآخرين وأنفسنا كوسائل لا نرضى غاياتها وأهدافها لأنفسنا.. عمل غير أخلاقي.

كانط.. يشجع على مفهوم الحياة الكاملة، الحياة ذات المعنى التي تحدث عنها «ڤيكتور فرانكل» بعده بمئتي سنة. يشجع باختصار أن تكون غاياتنا (وقبلها أهدافنا) سامية.. وبوضوحها.. ستسُهل الوسائل، وسيرضى الآخرين بأن يساهموا في تحقيق هذا الأمر.

وبالطبع.. سيقتنع الإنسان مع نفسه أن عمله ومجهوده وسيلة لغاية أسمى.


* جزء كبير من هذه المقالة مستلهم ومنقول (بتصرّف) من مقالة بعنوان: The One Rule of Life للكاتب مارك مانسون.