عندما تكون المرأة صاحبة شخصية واقعية

«أتعرف من هؤلاء؟» تسألني جارتنا العزيزة «مارينا» ٥٥ سنة، وهي أمريكية/سيلڤادورية عاشت معظم حياتها في نيويورك.

«توقعت أن تسألني عن هذه السيدة وهذا الطفل اللذان تراهما يوميًا هنا».

ولأعطي فكرة أفضل، مارينا تسكن مع ابنها بنجامين وابنتها ناتالي (مدربة بناتي في السباحة)، في الشقة المباشرة تحت منزلي، هنا بجانب ميامي. تعرفت عليها من سياق الحياة، أصبحت الجَمعة – شبه اليومية – للجيران لديها في البلكونة، لا يكاد يمر يوم إلا وأراها وأُسلم عليها، ولا يمر يومين دون وجود جمعة عشاء أو شاهي عدني عندها. وقبل يومين انضمت معنا أنا وعائلتي وإحدى الجارات الأخريات في زيارتنا للشاطئ، ثم لتناول عشاءً فخم.

«هذه السيدة هي طليقة طليقي الذي انفصل عنها مؤخرًا، وهذا الولد هو الأخ غير الشقيق لأبنائي» شرحت حالهم.

«وددت بشدة أن أتعرف عليها – قبل انفصالهما – فقد كبُرت قليلًا على حركات النساء، وجدت من وجودهم هنا معي فرصة لك لتتعرف عليَ وعلى طريقة تفكيري أكثر، ورغم حبي – المستمر للآن – لطليقي، إلا أنني فضّلت أن أتعرف على أخو أبنائي وهذه السيدة، التي قد تصبح بمثابة الأم لهم. وربما لم أخبرك أنني أُصبت منذ فترة طويلة بورم في الدماغ، أتناول ١٣٠ حبة علاج يوميًا.. كل يوم، حتى الماء سئمت منه، إلا أنني ما زلت أحب الحياة».

صمتت للحظات.

وأبديت إعجابي بهذا الترتيب! ولكن كيف حصل هذا الأمر؟ سألتها.

«استوعبت هذه السيدة فجأة أنها انفصلت من زوجها، لا تعرف ماذا تريد، لا تعرف ماذا تفعل، ما هي الخطوة التالية؟ كيف هو شكل الحياة بعد أن توقعت أن تكون ربة منزل يُصرف عليها من رجل مرتاح نسبيًا؟ وبعد أن استوعَبت المسكينة حالة الضياع، قررت أن تتصل بي لتطلب المساعدة.. وها هي الآن تعيش معنا في بيتنا الصغير مؤقتًا، وفي الحقيقة أنا لا أمانع ذلك، فهي مثل ابنتي.. والأهم أن لا ذنب لها في ارتباطها. آه.. نسيت أن أخبرك أنني أكبر من طليقي بثلاثة عشر سنة»

كانت الفقرة الأخيرة مثارًا للدهشة بصراحة، وأضافت «لو تعلم ماذا فعل لكي نتزوج! قصة طويلة، لكن سأختصرها بموقف واحد؛ عندما أتاني في أحد الأيام قبل أن يفقد الأمل في زواجنا كليًا بيد ملفوفة بشاش، ليكشفها أمامي.. ومرسوم عليها وشم كبير (ستراه ربما قريبًا) مكتوب فيه «مارينا حب حياتي».. تصور!

وفي ذلك اليوم ربما، علمت أننا سنتزوج. بالمناسبة، كان قد علِم بإصابتي بالورم»

سكتت للحظات.. لتكمل هي «بالمناسبة، هو لبناني الأصل ويتحدث العربية بطلاقة، إلا أنه للأسف لا يعرف القراءة وإلا لاقترحت عليك أن تهديه كتبك».

وانتهى هذا الجزء من القصة.

ولو أخبرت القارئ الكريم الأمور الأخرى عن مارينا، ربما سيتفاجأ الضعفين.

وعدتها أنني سأكتب عنها. وها أنا الآن.

كان الله في عون الجميع.