Month: April 2018

  • لماذا مازلت أشاهد المصارعة الحرة رغم أنها تمثيل؟

    مثلي مثل البقية من متابعي المصارعة الحرة (WWE) منذ أكثر من عشرين سنة. لم يكن لطيفًا إدراكي المتردد بأنها مشاهد تمثيلية، معروفة السيناريو مسبقًا، ومعروف من هو الفائز في كل مباراة فيها. حتى جاء ذلك اليوم الذي تحول فيه اسمها من WWF إلى WWE أو «المصارعة الحُرة الترفيهية» ليحسم هذا التردد.

    ربما يعلم المقربين منّي، أنني كنت (وربما لازلت) من أكثر المولعين بهذه الرياضة. كانت تستهويني حركات المصارعين، ومسكات الإنهاء، وموسيقى دخولهم إلى الحلبة. وعندما زاد وعيي قليلًا، تقبّلت حقيقة أن الجزء الأكبر منها مجرد تمثيل. ولكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه: لماذا استمريت في المتابعة بعد هذه الحقيقة؟ ببساطة، لأنها بمثابة «شو استعراضي مسلي من الدرجة الأولى».

    فأنا عندما أشاهد إحدى مبارياتها، فكأنني أشاهد فيلم، أو مسرحية، والفارق فقط أنها أقرب قليلًا إلى الواقع من ناحية تقنية عن المسرحية فوق خشبة المسرح، أو الفيلم في السينما.

    استطاع كُتّاب سيناريوهات المصارعة الحرة إنجاحها، باختلاق قصص شيقة بين المصارعين خلف الكواليس، ويعلم المتابع أن هناك حركات صعبة (وخطِرة) يتوجب على المصارعين القيام بها، لإعطاء المشاهد المزيد من حِس الإثارة. يقوم قبلها المصارعين بالتدرب عليها لأيام عديدة حتى يتقنوها بأقل مخاطر ممكنة.

    تنقلب أحيانًا الحالة لنزاع حقيقي بين المتصارعين أثناء المباراة، مما يحتم على المنظمين التدخل وإرسال مصارعين آخرين إلى أرض الحلبة لفض الاشتباك، الذي قد يتحول في بعض الحالات إلى ضرب حقيقي دون رحمة لأسباب عِدة. طبعًا ناهيك عن الخلافات الحقيقية التي تؤزم علاقات المصاريع بأصحاب القرار والتي قد تُضيف جزءً غير مُعلن من الإثارة بالنسبة للمتابعين، كحادثة «خيانة مونتريال» ما بين المصارع الشهير «بريت هارت» وبين رئيس اتحاد المصارعة «ڤينس مكماهون».

    وطالما أن المشاهد لم يتعدى تجربة هذه الحركات في منزله، فإنها في رأيي تظل رياضة ترفيهية لا بأس بها. وجودة السيناريوهات، هي التي جعلت ملعب الجوهرة يمتلئ على آخره في مناسبة «أعظم رويال رامبل» الأخيرة في مدينة جدة.

    القصة .. والتمثيل المتقن .. والإثارة .. وصُنع الشخصيات .. والحركات الاستثنائية، هي باختصار ما خلقت منها رياضة ذات شعبية كبيرة.

    أعتبرها إلى حدٍ كبير صناعة فن.

  • في حبنا لاقتباسات المشاهير

     من أكثر الأمور سعادة بالنسبة لي، مشاهدة أكثر من ١،٠٠٠ مشاركة من القراء الأفاضل، لاقتباسات من كتاب «ثورة الفن: كيف يعمل الفنان وكيف يعمل الآخرون» على الإنستقرام وحده. ولكن؛ معظمها كانت اقتباسات، لاقتباسات قد قمت بتوثيقها عن فنانين ناجحين في الكتاب.

    ولسببٍ أجهله، وجدت أن الأحبة القراء يعشقون الاقتباسات من لسان المشاهير/الناجحين أكثر من المواضيع التي حافت حول الاقتباس. وهذا الأمر في الحقيقة، مدعاة للغيرة قليلًا بالنسبة لشخص يمارس الكتابة، فيتجاهله القراء، ليقتبسوا من ألسنة الآخرين على لسانه، عوضًا عما كتبه هو نفسه.

    روعة الاقتباسات تنبع من بلاغتها في كثير من الحالات، ومن خلال ملامستها لأحاسيس داخلية لدينا أو لواقعنا الذي نعيشه. وهناك الآلاف منها كان قد كُتب منذ سنوات لتُنسب لأصحابها، وتجعل منهم خالدين. خالدين بأفعالهم، أو بمعاناتهم التي ولدت الاقتباسات.

    والزاوية المظلمة الأخرى في مفهوم نقل الاقتباسات، هي أنها غالبًا ما تكون رنانة ومؤثرة، لكن لفترة محدودة قد لا تطول إلى مستوىً يتعدى كتابتها على صاحبها. ولذا، أعتبرها إلى حدٍ ما، رائعة النُطقْ وصعبة التطبيق. وهذا ما استدعى فكرة صياغة اقتباس، اعتقدت أنه يستحق المشاركة …

    «هنا اقتباس سهل الكتابة، صعب التطبيق» – أحمد مشرف

    على كل حال، تظل مشاركة الاقتباسات مع الآخرين، أفضل من مشاركة الكثير من الأمور التي تأخذ انتباه المراقب، دون أي قيمة. وربما لا أحبذ، فكرة اقتباس الشخص لنفسه!

  • العلاج بما نؤمن به

    … لم أفضل أن أسميه «العلاج بالوهم».

    في أحد الأيام، أخبرت صديقي أن قريبه يعيش حالة وهم في إيمانه بصحة تصرفٍ ما مستمر. ليرد عليَ مباشرًة «اتركه، فهذا ما يجعله يستمر في هذه الحياة!».

    يميل العقل للإيمان كثيرًا بالخرافات (والأوهام) في محاولة منه لخلق علاجات لمشاكلنا ومصائبنا في هذه الحياة. أكثر من إيمانه بالحقائق بالدرجة الأولى.

    وأصبحت -بعد كلمة صديقي- أميل لرأي مفاده: أن الأوهام وإن كانت هي السبيل للتعاطي مع المصائب، فهي قد تكون الحل.

    الحل وإن كان مؤقتًا، فهو في النهاية حل. وإن كان سيُظهِر لاحقًا تبعات سيئة، فسيعلم وقتها المتوهم أن اقتناعه كان وهم، ووقتها لكل حدثٍ حديث.

    الإيمان بما نؤمن به دومًا (خصوصًا في محاولاتنا لعلاج مشاكل الحياة) يحمل في رأيي جانبين متضادين، الأول، إيمان صاحبه المطلق أنه الحل الوحيد للتعايش. والثاني، الصدمة التي ستأتينا إن اكتشفنا أنه لم يكن حل، بل وهم!

    طوال سنوات، كان يؤمن غالبية العامة من الناس مثلًا، أن الجِن يتلبس الإنسان، ولا توجد طُرق جذرية لعلاج هذا التلبس، سوى الرجوع لبعض المشائخ. وإن اعتبرنا هذا الأمر أحد الأوهام، فالجانب الاخر من الحقيقة يقول، أن المتلبَسين ما هم سوى أشخاص يعانون من أمراض نفسية، تحتاج لعلاجات من قِبل أشخاص مهنيين (في علم الأعصاب أو العِلم النفسي). والسؤال هنا: ماذا إن كان عمل «تُجار الوهم» يأتي بمفعوله؟ .. هل يصح التشجيع على استمرار التعامل مع الوهم؟ .. سؤال على الرغم من بساطته، إلا أنه عمليًا ليس سؤالًا سهل.

    أعلق على الفقرة الأخيرة، أن الوهم حتى وإن كان يأتي بنتائج حقيقية ملموسة، إلا أن هناك حدودًا له. فلا يجب أن تستمر الحياة كلها .. (وأقول كلها)، في العيش مع الأوهام.

    إلا أن بعض أجزاء الحياة، ربما يجب عليها أن تتعايش قليلًا مع بعض الأوهام حتى نستمر فيها.

    شخصيًا، أوهِم نفسي كل يوم أنني أعيش حياة كاتب جيد، إلا أن واقع الأمر يتذبذب. وبصراحة … أنا الآخر، أعتبر هذا الأمر أحد الوسائل التي تجعلني أستمر في حياتي.

  • مرة أخرى، الفرق بين العازف والفنان

    تأمل أي تجمعات في أي مناسبة اجتماعية حول أحد العازفين الجيدين لأي آلة موسيقية -وصاحب صوت جميل- خصوصًا آلة «العود». ستجد التالي:

    • سيغني العازف (أو المغني) ثلاثة أو أربعة أغاني خليجية «أيقونية» مثل: «قالوا ترى» أو «دنيا الوله» أو «من بعد مزح ولعب» وغيرها من الأغاني القديمة المعروفة.
    • سيتوقف لدقائق بعدها، ويسأل من حوله: «ماذا تريدون أن تسمعوا أيضًا؟»، ليقوم أحدهم بمحاولة تغيير الموجة إلى «سواح» و«أغاني فيروز» وأحيانًا بعض الأغاني الطربية باللغة الفصحى مثل «مُضناك» أو «هل عندكِ شك» … وإن حالف الحظ بعض أصحاب الذوق الأجنبي فسيغني لهم بالتأكيد «هوتيل كاليفورنيا».
    • سيستمر التصفيق بعد كل أغنية، ويردد أحدهم «طرب .. طرب!».
    • بعد انتهاء الجلسة، سيُقر معظم الحضور بأن العازف «فنان» وقد أبدع في هذه الليلة. وسيتناول البعض الاخر حال مستقبل هذا الشاب المبدع.

    سألت أحد الشباب الرائعين في العزف مؤخرًا: «أين أغانيك أنت؟ .. أريد أن أسمع فنك، وليس عزفك!» .. وأخبرني بتردد أنه اشتغل على أحد الأغاني مع قريبته (كتابًة وتلحينًا) ولكنها ليست جاهزة ١٠٠٪ بعد. وقد وعدني أنه سيحاول غناءها في هذه الليلة، والتي انتهت مع الأسف دون غناءها.

    وددت بصدق تشجيعه على تجربة أدائها أمام الناس حتى وإن لم تكن جاهزة ١٠٠٪، والسبب ببساطة أن الفنون هكذا، لا تتحمل أن تكون جاهزة ومتقنة دائمًا. فالإتقان التام عدو الإبداع. أمّا تِكرار ما قام به الاخرون فبالتأكيد أضمن، وأسهل، وأقل مخاطرة. ولا يحتاج لطاقة كبيرة من التضحية النفسية.

    العازف، الذي لا يود أن يتحدى الوضع الراهن أو نفسه أو فنه. يمنعه أحد أمرين: الكسل بالطبع أو الخوف. وهما لا يتواجدان أثناء تأدية الأغاني الأيقونية المعروفة والمحبوبة مسبقًا.

    يوجد في مدينة جدة على الأقل أكثر من ثلاثين عازف على آلة العود، معظمهم أصحاب أصوات لا بأس بها. لكن القليل، والقليل جدًا من توقف منهم ليقول للآخرين: «تفضلوا، هذا عمل حاولت أن أبدع فيه.. ربما فيه بعض الأخطاء، لكنه في النهاية عمل صادق. وإن لم ينجح، سأحاول مرة أخرى».

    الفرق بين الكثيرين والقليل منهم: هو «الإبداع».

    الإبداع والذي إن استمر، سيحق لصاحبه أن يقول لنفسه أنه «فنان».

    العازف مختلف.

    العازف «مؤدٍ للعمل» .. يعرف مسبقًا ماذا يجب أن يلحن أو يغني. لأنه الخيار الأسهل، والأكثر أمانًا أمام الآخرين. وهو مع الأسف لا يقوى أن يخرج من نظرة الاخرين بسهولة.

    تمامًا مثل مؤدي العمل خلف المكتب، تمامًَا مثل الرسام الذي يرسم الأشياء التي لا يرغب أن يتحدى نفسه بعيدًا عنها ليخلق شيء من العدم. تمامًَا مثل الذي ينتظر طلبات رئيسه قبل أن يبدأ بالعمل!

    جمعة «الشاليهات» واللقاءات الاجتماعية، هي المدير. مدير العازف.

    ينتهي أمر العزف كإبرة مهدئ للمشاعر لكل المتفرجين.

    أما الإبداع، فيستمر (ربما).

    الإبداع لا يصاحبه الأمان، ولا يصاحبه الكسل. يصاحبه المحاولة المتواصلة.

  • الفرق بين العقل الفكري والعقل الشخصي لدى العامة من الناس

    يجادل لوبون حول الفكرة التي تقول: أن العقل الجمعي أو العامة من الناس يتشابهون كثيرًا في قناعاتهم ووجهات نظرهم الشخصية، حتى وإن اختلفوا كثيرًا في قناعاتهم الفكرية (كأعمالهم ومِهنهم).

    ويعلق على ذلك: «البشر شديدي الاختلاف في مسألة ذكائهم الغريزي والشغف، ومتشابهين جدًا في كل ما ينتمي إلى عالم المشاعر مثل الدين والأخلاق والعواطف والكراهية، وما إلى ذلك. ونادرًا ما يتجاوز الناس البارزين (أو المتطورين) مستوى أغلب الأفراد العاديين في هذا التشابه … قد يوجد فرق شاسع بين عالم رياضيات كبير وعامل يدوي، ولكن من وجهة النظر الشخصية، يكون الفرق في معظم الأحيان بسيط أو غير موجود».

    وهنا قد لا يكون من المنطقي أن نبدي الاستغراب في هذا الأمر الذي يمثل مفهوم «العقل الجمعي»، فتجد الدكتور المتطور فكريًا والموظف البسيط يشجعون «نادي الإتحاد»، ويكررون إرسال الرسائل على الواتساب، وذلك في سبيل تلبية الحاجات وتطبيق القناعات العاطفية بالنسبة لهم.

    الإنسان المتطور الذي ذكرناه، قد يعلم بشكل واضح السُبل التي تجعله أكثر نجاحًا وتطورًا في عمله وحياته المهنية أو الفكرية، بينما لا يظهر له هذا الوضوح بشكل كبير في الإنجازات العاطفية.

    ولا يجب أن نستغرب، إن رأينا أحد كِبار مدراء المستشفيات أو البنوك، يمارس باستمرار سلوك إرسال الرسائل الوعظية، أو مقاطع الڤيديو الدارجة إلى أصدقائه وأهله مع «صور صباحات ومساءات خير!»، فهو متطور وصاحب فِكر في مهنته ومنصبه فقط. وهو متشابه كالعامة في الأمور (والطموحات) العاطفية.

    فِهم السلوك الإنساني والتفريق بين العاطفة والعقل، يعتبر أحد أهم الأمور التي نستطيع من خلالها استيعاب المحركات غير المعلنة في تصرفاتنا. ومع هذا الوعي، نستطيع بعدها اتخاذ القرارات المستقلة نحو إنجاز الأمور ذات القيمة الحقيقية.

    العاطفة تظل مع الأسف دومًا هي سيدة المواقف والتصرفات، وقد نطرح سؤالاً منطقي هنا: ما هي النتائج التي نصل إليها في حياتنا إن سُلمت كل تصرفاتنا إلى العاطفة، وأبعدناها عن «فيلتر» العقل؟

    «العامة يمتلكون في صفاتهم العادية المشتركة فيها، ما يفسر، لماذا لا يمكن أبدًا إنجاز الأعمال التي تتطلب درجة عالية من الذكاء.» يعلق لوبون، «في العامة، كل المشاعر والأفعال معدية؛ ومعدية لدرجة أن الأفراد على استعداد للتضحية بسهولة بمصالحهم الخاصة للمصلحة العامة، هذه القدرة تتناقض تمامًا مع الطبيعة الشخصية للفرد، والتي من الصعب أن يكون فيها الفرد قادرًا على تجاوزها، إلا عندما يُصبح جزءًا من العامة.»[i]


    [هذا الجزء من كتابي القادم، وهم الإنجاز: كيف يتحرك العامة وماذا يحفزهم]

    [i]. Bon, Gustave le. Psychology of Crowds. Sparkling Books Limited. (Kindle Locations 272-300).

  • ما تبحث عنه

    ما تبحث عنه، يبحث عنك

    — جلال الدين الرومي

    ما تبحث عنه، لا يبحث عنك

    — أحمد مشرف

    هنا القصة باختصار، اختفى في أحد الأيام ريموت Apple TV الخاص بي. مشكلته صِغر حجمه المتناهي ورُفعه اللذان يجعلاه طيلة الوقت تحت تهديد الضياع. وهذا ما حصل معي في النهاية.

    قلبت الصالة رأسًا على عقب، ولم أجده. قررت أن أستخدم تطبيقًا بديلً على الجوال للتحكم بالجهاز، ومشى الحال لأسابيع، حتى قررت تغيير مزود خدمة الإنترنت من «موبايلي» إلى «الاتصالات السعودية». ليتوقف جهاز الآبل عن العمل تمامًا (لأسباب تقنية يطول شرحها). مما اضطرني للاستسلام وإعادة البحث عنه مرة ثانية.

    قلبتها رأسًا على عقب مرة أخرى. قسّمت البحث على عدة مراحل، ساعة ما بين الكتب المتناثرة، ودقائق بين حواف الكنب، ودقائق تحته، ودقائق في الأدراج وهكذا …

    لم أجده، بل أنني كلفت شخصين آخرين للبحث معي، ولكن دون جدوى أيضًا .. هكذا ببساطة، تبخر ريموت الآبل من وجه الكرة الأرضية! .. اختفى من غرفة لا تتجاوز مساحتها خمسة عشر متر.

    مشكلتي أن الجهاز + الريموت يكلفوا سويًة حوالي الثمنمئة ريال، والريموت لوحده يكلف ثلاثمئة وعشرة ريال. وهو بالطبع لا يستحق هذا السعر المرتفع، إلا أن الحاجة دفعتني بطبيعة الحال للقيام بخطوة شراءه، بعد مرة ثالثة من البحث.

    اشتريت الريموت الجديد … وبعد بضعة أيام، وجدته عاملتنا المنزلية في مكان لعين داخل إحدى الكنبات التي بحثت فيها في المرات الثلاثة.

    شاهدي، أنني أغبط أحيانًا أحبتي المتصوفين، الذين يرون الحياة بمنظور لا نستطيع نحن الغلابة أن نراه به. فهم يستشعرون ما قاله الرومي عن أمر البحث؛ في تلك الأثناء التي يغرق فيها إنسانا مثلي في البحث عن جهاز طوله عشرة سم، عوضًا عن البحث عن ذاته في هذا الكون الفسيح!

    وطبعًا، دون ذِكر من لا يعرفون أصلًا أن عليهم البحث عن ذاتهم قبل قرار البحث!

    أو دون تذكير الآخرين الذين يعيشون حياتهم وهم سعداء، بأن عليهم البحث عن أمر ما، هم لا يشعرون بالنقص فيه.

    ما تبحث عنه .. استمر في البحث عنه، كل يوم ودون توقف.

    أو ابحث عنه بطرُق أخرى، لكن دعنّا نتساءل قبلها إن كان يبحث عنّا أصلًا!

    ورحم الله جلال الدين الرومي.

  • كيف تتعامل مع الأيام التي لا تملك فيها المال؟

    طبيعة الحياة تضطرنا أحيانًا للتعامل مع أزمات مختلفة، وأكثرها تأثيرًا هو: نقص المال.

    لا يتحرك الرجل بقوة من مكانه عندما يُظلَم. بل عندما لا يملك المال.

    مشكلة نقص المال، أنه يقود الرجل للاتجاه بالتفكير إلى طُرق مختلفة قصيرة للكسب. فإن لم يكن بحثه السريع وتضحيته في قبول أي عمل أو مشروع، أو أي شيء يشعِره بالإكراه من أجل الحصول على المال؛ فإنه سيتجه فورًا للطريق المختصر الآخر الذي يحل به أزمته، وهو: طلب المال من الآخرين. يكون ذلك بشكل سُلفة، أو هبة، أو حتى الاكتفاء بالتلميح أمام المقربين أنه بحاجة للمال.

    تزداد وتيرة هذه الخطوة، عندما يكون الرجل مسؤولًا في حياته عن رعاية أبناء أو عائلة. يميل بسرعة للبحث عما يبرر هذا الأمر، ويميل أحيانًا مع المزيد من الضغط لجلب التعاطف، والذي لا يُشعِر الآخرين بالراحة. حتى المقربين.

    ومشكلة التعاطف إن حصل عليه ذلك الرجل، فإنه سيكسر به حواجز كثيرة للمرة الأولى. حاجز الطلب، وحاجز التأقلم مع تعاطف الآخرين بعدها. خصوصًا إن لم يكن يسعى للبحث عن سُلفة أو دين، بل لهدية أو هِبة خالصة ممن حوله.

    أكبر مطبْ يصطدم به الرجل حينها عندما يصبح التعاطف «الزائد عن الحد» تجاهه، هو الأمر الذي يقوده ببساطة إلى التكاسل والتبلد، وأحيانًا شعور حقيقي بالاستحقاق لهذا التعاطف. قسوة محاولة جلب تعاطف الآخرين من أجل المال في نظري، مثل محاولة المراهق في مرته الأولى لتدخين سيجارة. سينظر حوله في البداية خوفًا من الأعين، يشم رائحته طيلة الوقت، ويكتشف بعد السيجارة الخامسة أن ليس هناك شيء قد تأثر في هذا العالم؛ مجرد شخص آخر قرر أن يدخن. ليبدأ مسيرًة جديدة من نمط حياة يأقلم نفسه معها كمدخن، ليتناسى بذلك كيف كان طعم السيجارة الأولى مرير ومخيف.

    الطلب في المرة الأولى صعب، وربما في المرة الثانية … لكن سيتساهل الطالب مع نفسه في الثالثة، ويبدأ في الاستمتاع بنشوة الحصول على طلبه في الرابعة.

    ما أخشاه في جلب التعاطف، هو الاقتناع أنه الطريق المختصر والوحيد بعد مدة من المحاولات الناجحة. ولذا، ربما أجيب على السؤال الذي طرحته في البداية «كيف تتعامل مع الأيام التي لا تملك فيها المال؟» وأقول دون تحذلق: تحدى الوضع الراهن، وابحث عنه بهدوء، بعيدًا عن التعاطف.

    ولكن؛ ماذا يحدث في النسخة الأخرى التي اعتادت على جلب المال بسرعة، وبطرق غير مشروعة ومختصرة؟ .. كيف أصبحت «فتاة الليل» تعيش حياتها في المجتمعات الغربية بعد أن امتهنت الدعارة مثلًا؟ رغم أنها لم تطلب التعاطف!

    يجيب على ذلك «باولو كويلو» في روايته «Eleven minutes»، بأن ماريا (فتاة الليل وبطلة القصة) قد امتهنت الدعارة في البداية لحاجتها الماسة إلى المال وهي تعيش في دولتها البرازيل، لتسافر من أجل مهنتها الجديدة إلى سويسرا. لكن سرعان ما تغير الأمر.

    الأمر الذي كان صعباً في البداية، وشديد الإرهاق على صحتها النفسية، في قيامها بالنوم يوميًا مع رجال غرباء. حتى تحول إلى أمر طبيعي، لتبدأ بالاستمتاع به. ليس الاستمتاع بالتجربة نفسها قدر الاستمتاع بالمال غير المشروع. فهي قد اقتنعت (وتأقلمت) أنه لا توجد وظيفة في العالم قد تعطيها آلاف اليوروهات خلال أسبوع واحد، واقتنعت أنه لا مشكلة في القليل من التضحيات التي لا تتجاوز بضع ساعات كل يوم! .. من أجل المال.

    فهي تتقاضاه كعمل، وليس كصدقة، وبالطبع ليس كتعاطف.

    أدمنت بعدها هذا الكسب وهذا النمط من الحياة، ولم تعد الحاجة الماسة للمال هي المحرك، إنما الحاجة الماسة لإبقاء قدرتها على شراء ملابسها الفاخرة، وإلكترونياتها الحديثة، وقدرتها على الخروج كل يوم إلى مطاعم جديدة. تناست كيف كانت قسوتها في اليوم الأول في توديعها لوالدتها ومدينتها في البرازيل. نسيت الحلم الأكبر في البداية (والذي كان متمثلًا في شراء مزرعة من أموال هذه المهنة) لتكتفي بنمط الحياة الحديث، ثم لتتجه إلى حرصها على البحث عن أمرٍ آخر أهم من المال، وهو الحب. والذي كان طريقها الوحيد لكي تأقلم حياتها المستقبلية، بالمال أو دونه.

    نقص المال المستمر في الحياة، لا يقابله الثراء كما نعتقد. إنما يقابله ازدياد مفاجئ فيه، يغير التركيبة النفسية تجاهه لدى من يحصل عليه. عكس رجل الأعمال الثري الذي اعتاد على ازدياد ثروته درجة بدرجة وببطء، حتى اعتاد بهدوء على كل مرحلة في حياته يزداد فيها المال.

    التحدي الأصعب الذي يواجه الرجال –تحديدًا في نقص المال، أن التعاطف إن رافقه أثناء الوصول، سيخرب عليه جوانبًا كثيرة. سيعتاد عليه دون السعي والجهد والمثابرة. وإن قبِل الرجل في المرة الأولى ذلك التعاطف، فإنني أشد عليه بأن يتعامل معه بحذر، وبقسوة، ويستثمره في البحث عن طرق أخرى غير مختصرة لجلب المال.

    بارك الله لكم في أموالكم.

  • ماذا يحصل عندما لا يكون للكاتب أفكار؟

    … سيكتب مباشرًة عن الكتابة. وبأنها وسيلة التعبير الخلاقة لحياته، وبأنه وجد نفسه فيها، ولسان حاله يقول: «أنا أعيش نعمة، لا يعيشها الكثيرين، لأنهم لا يكتبون». وإن وصل الكاتب إلى حالة انتهاء تام لأفكاره (بسبب الكسل أو الخوف)، فإنه سيقوم بمحاولة إعطاء دورات تدريبية عن الكتابة!

    أو كما قال صديقي أيمن باجابر واصفًا هذه الحالة «الكتابة عن الكتابة، فكرة لامن فكرة له».

    وربما أعزي نفسي قليلًا عندما أكتب (القليل) عن الكتابة، لأنه السؤال الأكثر رواجًا لمن يمارسون هذه المهنة (حتى لأشخاص مبتدئين مثلي) ولذا قررت أختصر كل الإجابات التي أدعي معرفتها، بدعوة السائل بالتكرم والدخول على مقالات بتصنيف «عن الكتابة» في المدونة.

    وربما تكون الكتابة عن «القراءة» هي أسهل ثاني شيء يقوم به الكاتب عندما تخف أفكاره (وهي بالطبع لا تنضب). وعندما أقول الكتابة عن القراءة أقصد الاكتفاء بتلخيص كتابٍ ما، بعيدًا عن وجهة نظر المُلخِص.

    في كثير من الحالات، يتناسى القارئ أن كل فكرة يطرحها الكاتب في كتبه تستحق الرهان على جودتها أو صحتها، وتستحق التشكيك فيها، أو حتى عدم قبولها بشكل مطلق. وهنا أشجع فكرة مفادها: أن كل قارئ يجب أن يتوقف قليلًا بعد الانتهاء من قراءته ليسأل نفسه: أين أنا من هذا الكلام؟ .. وما هو التصريح الذي أود أعلق به.

    بالنسبة لي، لا تهم الكتابة ككتابة، بقدر أهمية التعبير، وطبعًا خلق الأثر على الآخرين. ولا يتحقق التعبير عن الذات وعن الأفكار غالبًا إلا من خلال الفنون أو من خلال جلسات الاعتراف، كالتي يفعلها المدمنين، ومحبي لعبة الصراحة.

    عمومًا، اخترت الكتابة (كفن) بكل صراحة، لأنه الأسهل، والأكثر هضمًا لي وللآخرين على ما أعتقد، وهي بالنسبة لي أبسط من ناحية التطبيق. فقد جربت نفسي في الرسم مثلًا، ولا أعتقد أنني سأصبح مخرجًا أو منتج أفلام في المستقبل القريب. وكم أتمنى أن أُلحِن شيئًا في يوم من الأيام.

    وهنا، يمكن ملاحظة القارئ الكريم أن الأفكار بالطبع لم تنضب! .. إلا أنني مشغول بمشاريع كتابية أخرى، وها أنا أقتنص بعض الوقت لكتابة مقالة عن الكتابة!

  • السعر ما تدفعه، القيمة هي ما تحصل عليه

     … كما كان يقول دومًا عملاق الاستثمار «بينجامين جراهم» وأستاذ الملياردير المعروف «وورن بافيت».

    طبيعة البشر تقودهم دومًا للتركيز على السعر بعيدًا عن القيمة التي سيأخذونها.

    وعندما أتحدث عن الفرق بين السعر مقابل القيمة، فإنني بذلك أقصد أولائك الأحباء الذين قد يقودون السيارة لمدة نصف ساعة ليشتروا غرضًا بخمسين ريال، بدلًا من شراءه من المحل الذي بجانبهم بستين ريال. ومثل الذي يوقف سيارته في مكان بعيد جدًا، لكيلا يدفع تكلفة (Valet) خدمة إيقاف السيارة بعشرة ريال. وغيرها الكثير من الأمثلة.

    المشوار والمشي طويلًا في المثالين يمثلون «القيمة»، والعشرة ريالات فرق في المثالين يمثلون «السعر». يركز الأغلبية على السعر دون الاكتراث كثيرًا للقيمة. تظهر خشيتنا في كثير من المواقف على أموالنا، دون الخشية على ما نسميه في العامية «تعب القلب» أو على الوقت.

    عندما اكتشفت سهولة طلب أغراض المنزل (جميعها) من خلال عدة تطبيقات، ومع إمكانية غسيل أو كي ثيابي (القطن) صعبة الكي، دون الحاجة بأن أرهق عاملتنا المنزلية فيها لتنشغل في أمرٍ أهم آخر؛ أصبحت أعتمد كليًا عليهم في حياتي، محاولاً للحصول على قيمة أكبر وهي الوقت.

    خمسة وثلاثين ريال مقابل أن تذهب إحدى الآنسات وهي طالبة جامعية أو شاب مراهق يعملون مع إحدى التطبيقات للتبضع بأغراض البيت جميعها نيابة عني، قيمتها أكثر من الثلاثين، وبالتأكيد قيمتها لا توازي أيضًا استثمار وقتي في أي شيء آخر.

    سعر العشرة ريالات الإضافية، مقابل ١. أن أنسى موضوع الملابس لأنهم سيأخذونها في أي وقت من أمام باب المنزل، و٢. أن أوفر مشوارين ذهاب وعودة للمغسلة، أقل من القيمة التي أدفعها، وهكذا.

    وعندما نسأل قبل شراء أحد الأشياء عن قيمته (دون التطرق لسعره) سنكتشف ضرورته وربما بعدها نبرر سعره. هل نحتاجه؟ هل سيغير حياتي فعليًا للأفضل؟ هل هناك إمكانية لوجود خيار آخر أُفضل؟

    كتاب (متعوب عليه) استثمر كاتبه أكثر من سنتين يباع في المكتبات بسعر «٤٠ ريال»، أعلى في قيمته من أحد الشباب الذي يبيع كتابه بسعر «٦٠ ريال» لأنه اشتهر بخفة دمه بعيدًا عن تعبه!

    السعر هو ما تدفعه، والقيمة (إن وجدت) هي ما تحصل عليه.

    ابحث عن القيمة، وفكر لاحقاً بالسعر.

  • تكلم حتى أراك

    «أنت تختبئ خلف كلماتك وتحت لغتك، وحديثك هو جواز مرورك الأول إلى قلوب الآخرين، ولعل ما نراه دائما في الحياة من حروب كانت بدايتها لفظة قيلت في غير محلها ..» يقول أحمد إبراهيم الشريف، «كان سقراط يجلس بين تلاميذه وكانوا يتبادلون الكلام فيما بينهم يأخذون ويردون على سقراط وهو يصحح ويقيم ويعلم، يخوضون في موضوعات شتى مختلفة ومتنوعة بعدد تشعب الآراء واختلاف طرق الدنيا من حولهم، لكن في هذه الدائرة التي يتعالى منها الكلام كأنها رحى حرب وتتطاير الأفكار بين الأستاذ والتلاميذ.. وجاء أحدهم وهو يتبختر في مشيه، يزهو بنفسه، وسيماً بشكله، فنظر إليه سقراط مطولاً، ثم قال جملته الشهيرة التي أصبحت مثلاً: تكلم حتى أراك!».

    يغتر أي شاب بجمال إحدى الآنسات عندما يراها للمرة الأولى، ليقول لنفسه «واو! .. ما هذا الجمال، ما هذه الروعة (وأحيانًا) ما هذه الشياكة!»، وطبيعة الذكور تقودهم لتقييم الجمال الخارجي للمرأة عندما يراها للمرة الأولى قبل أي تقييم آخر. يسأل نفسه في أجزاء من الثانية «همم .. هل هي جميلة؟» وإن كانت الإجابة «نعم!»، سيعلق عليها بالتعليق الذي ذكرناه. وإن لم تكن جميلة بما يكفي بالنسبة له، سيكتفي بإغلاق عقله مؤقتًا عنها.

    يقابل (ربما) في النقيض قوة «الحضور» عند الرجل، وهندامه، وشخصيته التي تلفت الآنسات الناضجات في المرة الأولى والثانية .. حتى الرابعة، ويهتم (ربما) الفئة الأصغر من النساء بشكل الرجل الخارجي، إلا أن الوعي العمري وخبرة الحياة تقود عامتهم لاستيعاب خطأ هذا التقييم.

    ورغم اختلاف هذه الجوانب، فأنني أدعي أن الرهان الحقيقي هو الكلمات، وبالتحديد الكلمات الصادقة والمباشرة، والتي ستزيد قيمتها كلما عُزِزت بثقافة أو فِكر أو وعي. فلن يستمر انبهار الشاب بالآنسة بعد المرة الرابعة إلا إن تحدثت مطولًا ليراها وهي حقيقية.

    وتختصر الآنسات هذا الأمر من المرة الأولى أو الثانية من اللقاء في كلمات الرجل وأسلوبه، فهي أيضًا ستراه عندما يتحدث.

    حرب العاطفة ضد العقل تستميت داخلنا ليفوز إحداهم. تغلب العاطفة العقل دومًا، لأننا نتحرك وفقًا لما يمليه علينا القلب. ويمثل الجمال والانبهار «العاطفة» في مواقفنا، وتمثل الكلمات «العقل».

    العلاقات طويلة الأمد تراهن على العقل. الحقيقة تراهن على العقل. القرآن يراهن على العقل.

    كلما انشغل الإنسان بما يبهره، كلما استسلم للمسكنات. يبحث عن المزيد منها. يريد المزيد من الجمال الخارجي، المزيد من محاولات للحصول على ما يلمع. المزيد من الأغراض الفخمة، والمزيد من المكياج. حتى يكتشف متأخرًا أن عقله قد مات. مات ضحية بعده عن الحقيقة.

    لا تملك «هو أو هي» رغم إبهارها في البداية ما يسمح له بأن يعيش معها كي يتطور، ويواسي نفسه ويواسيها وقت الأزمات والحروب النفسية والوقفات. يختفي الجمال فجأة، وكأن الإبهار لم يكن له وجود.

    مشكلة الجمال والعاطفة أن السيطرة عليهم ليست سهلة، وميزة الكلمات (والعقل) أنها تراكمية، تزداد بالتثقيف، والوقوف لتحليل المشاكل، ومحاولة رؤية ما لا يراه من يملكون الجمال الشكلي فقط.

    وهنا، كما أراهن دومًا على الاستمرارية، فإنني أراهن على العقل.

    العقل يجب أن يقود.

Back to top button