Month: May 2018

  • مشكلتي عندما أزور المعارض الفنية

    أحب الفنون، ومشكلتي الكُبرى أنني أحب الكثير الكثير من الفنون، إلا أنني حتى وقت متأخر لم أتفاهم مع الفنون «المفاهيمية» أو ما يسموها حركة «الفن التصوري». لكنني لا أتحدث اليوم عن الفنون كفنون، إنما أتحدث عن الحالة التي أتفرج فيها على نفسي عندما أزور معارضها!

    أتوقف للحظات طويلة أمام الكثير من الأعمال، أتأملها، أتخيل حجم الوقت الكبير الذي قضاه الفنان بالعمل على قطعته أو عمله، وأحاول بعدها أن أقتنع أن هذا العمل ساحر ورائع وسيغير شيئًا ما في هذه الحياة. إلا أنه ومع الأسف، أشعر بعدها واقعيًا وحرفيًا بشعور الأطرش في الزفة. لا أستطيع فعلًا تقدير العمل، وفي الحقيقة لا أعرف كيف أقيمّه! أشعر بعدها أن في فمي ماء، لا أعرف ماذا يجب أن أقول! ببساطة لأنني لا أفهم معظم هذه الأعمال! … وكم مرة أتاني شعور الذنب، أنني يجب أن أثقف نفسي أكثر عنها! … لا أستطيع أبدًا أن أقنع نفسي بالعمل الذي أمامي، رغم محاولتي لمواكبة هذا الأمر للدرجة التي وصلت بي إلى الحالة التي أشعر فيها بصداع كبير مع كل زيارة لأحد المعارض الفنية، بسبب الاستنزاف الذهني غير المبرر.

    قررت أن أزور هذه المعارض بشكل غير معلن مع شخص يحبها (ويفهمها، لكي يفهّمني) مثل زيارتها برفقة أخي العزيز (عمر عاشور) أو ابنة أختي الفنانة (رها خريص)، وحتى معهم، لازلت أشعر بشعور الأطرش في الزفة لليوم. تأكدت أن المشكلة مشكلتي أنا، أنا الذي لا أفهم، وأنا الذي لا أستوعب هذا الأمر (رغم أنني أجزم باقتناع العشرات من قراءي الأعزاء أنني قد أكون من المولعين بهذه الفنون ومعارضها وأفهمها أكثر منهم).

    ببساطة، لا أفهم معظم الأعمال، ولا أستوعبها، ولا أعرف الإجابة على سؤال: لماذا صرف الفنان كل هذا الوقت في هذا العمل، وماذا يحاول أن يقول من خلال عمله؟ ….

    أقف أمام كل عمل وأقول في نفسي: طيب؟ .. طيب؟ .. طيب؟

    صدف في إحدى المرات أنني زرت أحد المعارض الفنية بهدف مجاملة بعض الأشخاص اللطفاء معي في هذه الحياة، ووجدت في إحدى الحالات النادرة جدًا عملًا خطف قلبي، مجسم رائع؛ كان متدرج، منحوت على شكل الآية الكريمة «يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ». أعجبني العمل بسبب رسالته المباشرة والقوية، وأيضًا لكِبر حجمه الفيزيائي. كان عملًا لافتًا بالنسبة لي بمعنى الكلمة في ربط التدرج والآية الكريمة.

    اكتشفت مصادفةً أن صاحب العمل هو صديقي العزيز وأخي ناصر السالم. الذي أجبرني على الاتصال به والتغزل في عمله الذي كان بمثابة منطاد النجاة في ظِل الطرش الفني الذي أصابني.

    المضحك في الموضوع، أن نفس الدهشة واجهتني عندما وجدت لوحة في منزل أخي عمر عاشور، والتي كانت عبارة عن لوحة بيضاء فارغة، باستثناء كلمة مكتوبة في الأسفل «صورة عائلية». يمكن لك تفسير فكرة اللوحة من خلالها لعدة تفسيرات خطيرة، بل أن اللوحة تولد في نفسك مجموعة تساؤلات قاسية مثل: متى كانت المرة الأخيرة التي التقطنا فيها كأسرة صورة جماعية تقليدية؟ .. ولماذا توقفنا عن ذلك؟ … على كل حال، اكتشفت أن اللوحة كانت أيضًا من صنع الفنان العزيز ناصر السالم.

    بالتأكيد، لا أسعى أن أكتب هذه الكلمات للتسويق له بشكل مباشر، فأخي ناصر لا يحتاج لذلك؛ إلا أنني أحاول أن أعزي نفسي (وأقول نفسي على الأقل) أن الأعمال الحقيقية ستقف بذاتها بعيدًا عن الازدحام والثرثرة. وشخص بسيط مثلي في محاولاته لقراءة الفنون عندما يحاول قراءتها بزيارته للمعارض سيمتلك حس الانبهار إن كان هناك عمل حقيقي يستحق ذلك (طبعًا بعيدًا عن الافتتان بصاحب العمل والتأثر باسمه).

    مشكلتي الأخرى في زيارتي للمعارض الفنية، هو شعوري بهبوط من أشكال وهيئات بعض الضيوف الآخرين، والذي قد يسحَق نفسية إنسانة بسيطة تشعر بنقص قليل في ذاتها، فهاهي تجد أمامها مجموعة من الزوار الآخرين الذين يعتقدوا أنهم هم الفنانين. لباس متأنق جدًا، كميات ساحقة من المكياج والكعوب العالية، وتهيئات نفسية ظاهرة حتى للكفيف. كما كان يؤثر علي في البدايات عندما يشعرني أن هذا المكان ليس مكاني. تشعر في لحظات أن معظم الحضور يريد أن يقول لك «أرجوك أعطني بعض الانتباه، فأنا في معرض فني، وأنا وجمالي أيضًا قطعة فنية».

    تجد في هذه المعارض الكثير من الشباب والفتيات الذين يستخدمون مخارج حروف جديدة أثناء حديثهم عن المتعارف عليها من قِِبَل بقية الناس، وتجد بالطبع الكثير من التقليعات التي وفرها صاحبها حتى يطلع بها طلعته في هذه الزيارة.

    أذكر أحد الأحبة من الرجال الأربعينيين المعروفين في مجتمع جدة، والذي أخشى أنه لم لكن يعاني يومها من تأثير مراهقتها، كان قد لبِس ثوب قطن أزرق (أقرب ما يكون للأزرق للفسفوري) وهو يحمل معه عصى كريستالية بيضاء (رأيته يومها للمرة الأولى يحملها في حياته) كان قد مر على مجموعتنا التي كُنت أقف معها. صافحني بشدة لافتة، وعرف بنفسه بكل ثقة، ولا أبالغ إن قلت أن كل عضو من أعضاء جسده كانت تحاول أن تقول لنا شيء عن فخرها بصاحبها. ولكي لا يعلق علي أحد القراء الأعزاء بأنني بالغت في وصفي أو أنني حكمت على الآخرين، فقد اختبرت هذا الأمر في تلك الزيارة، عندما كُنت واقفًا في نهاية المعرض مع إحدى أخواتي العزيزات لأقول لها: «أشعر بشعور غريب وأنا هنا، أشعر أنني غلط في هذا المكان!» لتعلق هي بالرد «لا لست في المكان الغلط، أنت في معرض فني، كل الذين يأتون هنا يتأنقون بشكل زائد عن الحد، وطريقة كلامهم وسلامهم تشعرك مباشرة بلسان حالهم الذي يقول نحن خطيرين و Cool ولا يمكنك أن تكون صديقنا».

    وبعده التعليق الأخير، عرفت أنني بخير وشعوري لا بأس له، ولست أُلبِّس الآخرين مجرد أحكام واهية.

    على كل حال، وعودة لموضوعنا الرئيسي، في ظل وجود الكعوب العالية والمكياج ومراهق أربعيني، والكثير الكثير من لغات الجسد المضحكة. والشباب الخطيرين. لا يمكن أن يستمر منها أمر على حاله مثلما تستمر الأعمال التي تستحق الوقوف وحدها. لتخبر عن أصحابها الذين انشغلوا مع أنفسهم ساعات وساعات طويلة لكي يحاولوا أن يصنعوا الفرق ويخرجوا للعالم بفنون حقيقية.

    أخشى أن شعور الغثى أصبح في حالات كثيرة، حقيقي جدًا.

    وأخشى، أن لا أكون مستسلمًا للمبالغات التي تدور حول عقلي باستمرار في الفترات الأخيرة.

  • لماذا لا ينفذ «الفاضيين» ما تطلبه منهم؟

    «إذا أردت لشيء ما أن يُنفذ، أعطه لإنسان مشغول»

    – مثل إنجليزي

    أو بتعبير آخر كما ذُكِر في صحيفة كينساس (١٨٨٤):

    «لذلك غالبا ما يقال إذا كنت تريد القيام بإنجاز أي شيء، قم بطلبه من رجل مشغول. هو إنسان مشغول، مليء بالعمل، لأنه قادر وراغب في العمل. مثل النهر الذي يجري إلى المحيط. العاملين (أو المشغولين دائمًآ) هم القِلة.»[1]

    دون كثير من اللغط حول هذه النقطة، جرب وكلِف مهمة بسيطة لكنها في نفس الوقت تتطلب بعضًا من الجهد غير المريح لثلاثة من معارفك. لنقل اثنتان ربات بيوت ليس لديهم أطفال أو مسؤوليات بعد، يملكون وقتًا كبير من الفراغ.  وخصص الثالثة لأحد أصدقائك، الذين لا يشغل وقتهم الكثير من المهام العملية اليومية. واعط نفس المهمة لشخص رابع مختلف، صديق عزيز، مشغول جدًا، لا يستطيع قبول المهمة، إلا أنك ستقنعه عن مدى أهمية تنفيذ هذه المهمة بأي شكل من الأشكال، حتى تتأكد أنه سيقوم بها.

    النتيجة: هل ستفاجئك؟

    سينفذ على الأغلب صديقك المشغول هذه المهمة بسرعة وبكفاءة عالية … ولن ينفذها على الأغلب صديقك الفارغ أو ربات البيوت، وإن نفذوها، ستكون العملية أغلب الظن مخلخلة.

    ما الذي يحدث؟

    شخصيًا، جربت هذا الأمر مع ثلاثة من معارفي في مناسبات مختلفة، يغلب عليهم بشكل من الأشكال فراغ الوقت في حياتهم، كانت أحد تلك المهام طلبي أكثر من أربعة مرات من أحدهم بالقيام بمكالمة هاتفية لجهة يعرفها أكثر مني، وفي كل مرة أطلب منه مكالمتهم، يقول لي: غدًا، اليوم، بعد الظهر (يجب أن أكون جاهزًا لمكالمتهم) وهكذا، حتى انتهى الأمر دون مكالمتهم.

    انتهى إلحاحي بتهزيء هذا الصديق لدرجة أشعرتني بالذنب، الذي لم أستوعب سببه إلا بعد سنوات، والسبب خلف شعوري بالذنب عدم إدراكي بأنه إنسان (فاضي). وبطلبي البسيط آنذاك حتى وإن كان مكالمة هاتفية لن تستغرق سوى عشرة دقائق، فإنني أدفعه خارج منطقة الراحة الخاصة به. والتي سيفضل أن ينال تهزيئًا عليها أكثر من تنفيذ المهمة المطلوبة منه.

    منطقة الراحة بالنسبة للإنسان المشغول، هي الإنجاز.

    لا يستطيع الإنسان المشغول أن يتكيف مع نفسه أو أن يشعر بالراحة دون عمل متواصل، يشغله طيلة الوقت وطوال اليوم. أعتبر هذا النوع من الانشغال مثل العضلة أو «شعلة الزخم» التي تستغرق وقتًا لإشعالها، ولا تنطفئ بعدها.

    «عندما يُطلب منّا أي مهام مستعجلة وضرورية في العمل، لا أكلف بها إلا الإنسان الأكثر انشغالاً بين زملائي» يعلق أخي الأكبر إياد (وهو يرأس إحدى الإدارات في شركة الكهرباء) عندما ذكرت له المثل الإنجليزي في بداية المقال، وأضاف مؤكدًا «ذلك الموظف الذي نكلفه بالعمل الضروري هو الأكثر انشغالًا بين زملائه، لأنه الأكثر تميزًا، وهو الأكثر تميزًا لأنه مشغول طيلة الوقت بمحاولة إنجاز شيء في عمله. أما بالنسبة للبقية، فقد تعودوا على منطقة الراحة، ومن الصعب عليهم الخروج منها.»

    تذكرني حالة الإنسان صاحب الفراغ الكبير، كثيرًا بحالة بعض أصدقائي العزّاب أيام الجامعة، تجد الواحد فيهم يستيقظ ببطء، يحتاج أن يشرب قهوته بهدوء مع سيجارته، تجد القُمامة في كل أنحاء البيت، ولا يمكن لك أن تدخل صالة الجلوس دون أن تجد أحد كراتين الطعام من الليلة السابقة. لباسه دائمًا غير مرتب وشعره دائمًا أشعث (إلا في الحالات التي يلتقي فيها مع صديقاته!). هذا الاستكنان المبالغ فيه يجعله طيلة الوقت تحت رحمة منطقة الراحة، وداخل خيمة الفوضى! .. لا تستطيع أن تفكر بأي شيء يمكن له أن يساعدك فيه أو يعمل عليه، وهو بهذا المنظر. أذكر أنني كُنت أدعو الله أن يتخرجوا من الجامعة فقط!

    وقد قابلت عكس هذه الحالة تمامًا، وهي مثًلا السيدة الهندية العزوبية (التي أجرت لي بيتها في نيويورك عن طريق AirBnb) فهي رغم انشغالها التام وقضاءها معظم الوقت في شركتها (تعمل في شركة تطوير برمجي)، إلا أنني علمت لاحقًا أنها تحضر تمارين «يوجا» أسبوعيًا، وتكلف طباخة غلبانة بطبخ الأكل يوميًا لها بدلًا من أكل السوق. تعود بعد يوم عملها الطويل إلى البيت تأكل أكلها وتغسل الصحون وترتب البيت بسرعة متناهية وإتقان لا يحتمل الإعادة ثم تنام؛ لماذا؟ … لأنها مشغولة، وعليها إنجاز الأشياء بسرعة وبإتقان.

    تستخدم التكنلوجيا في تسوقها وخدماتها كلها بكفاءة عالية لتخدمها في حياتها، لماذا؟ .. لأنها إنسانة مشغولة. ومسألة تعلم أي شيء جديد يجعلها أكثر إنتاجية في حياتها، ليس خيارًا بالنسبة لها.

    عملت فترة طويلة في حياتي في مجال صناعة الثياب الرجالية، ومن أكثر الملاحظات التي استوقفتني، هي قلة أخطاء الخياطة في مواسم التفصيل (مثل شعبان ورمضان). كثرة طلبات الخياطة على الخياط تجعله تحت طورين من العمل، الأول: وهو العامل النفسي: حيث أن أي خطأ سيرتكبه في خياطته للثوب، سيكلفه التأخر عن الانتقال لخياطة الثوب الذي يليه، وبالتالي احتساب عدد ثياب أقل تم إنجازها، وبالتالي مكافئة أقل نهاية الموسم. وهنا سيكلف عدم التركيز والاتقان في الخياطة الكثير بالنسبة للخياط (والشركة ككل)، فتجد الواحد فيهم على وتيرة تركيز أعلى من الأيام العادية خارج الموسم.

    الطور الثاني: وهو الزخم: مع جلوس الخياط طيلة اليوم على ماكينة الخياطة وتكرار عمله مرة بعد مرة، يطور عضلة الإتقان عنده، ليصبح إضافة إلى تركيزه شديد السرعة، تمامًا عكس الأيام العادية التي يستقبل فيها ثوب أو ثوبين في أيام متفرقة، تجعله يمارس عمله بهدوء دون الاكتراث لعامل الوقت أو الاتقان.

    جرب أن تذهب في الأيام العادية إلى مطعم «البيك» الساعة الحادية عشر صباحًا، ستلاحظ أن عدد الطلبات القليلة في المطعم هو السبب الرئيسي في تأخر طلبك بمعدل يفوق انتظارك في أوقات الازدحام! … لماذا؟ لأنهم «فاضيين» في ذلك الوقت. ولا يقومون بقلي الدجاج إلا عندما يأتي من يطلبه، وليس مثل الأوقات العادية التي يكتفي فيها المطعم بتنسيق الطلبات مع الزبائن.

    مطعم «البيك» في الساعة الحادية عشر صباحًا، يمثل إلى حدٍ كبير صديقي العزوبي (مع فارق التشبيه والتفاصيل)، و«البيك» فترة المساء يمثل السيدة الهندية شديدة الانشغال!

    ما الذي أحاول قوله اليوم؟

    أُقسِّم فكرة اليوم لشقين، الأول هو محاولة إقناعك بالوصول لأعلى مستوى من الانشغال في حياتك، خصوصًا إن كنت صغيرًا في السن أو غير مرتبط بأسرة!.. لأن هذه الفترة تمثل تهديدًا لضياع الجهد والذهن دون استفادة. وربما ستستوعب هذا الأمر في أحد الأيام عندما تزيد مسئولياتك وتحتاج لكفاءة أعلى في إدارة الوقت. والشق الثاني من الفكرة، هو تشجيعك على عدم استنزاف الوقت مع أصدقاء ومعارف يملكون الكثير الكثير من المساحات الفارغة من الوقت في حياتهم.

    يعلم كل رجل مرتبط أن ساعات الفراغ الكبيرة في حياة شريكة حياته تمثل إلى حدٍ كبير ساعات شيطانية تنقلب بالنار عليه إن لم يتم استثمارها بشكل جيد، لأن الوقت يذهب بطبيعة الحال إلى اتجاه شيء إيجابي ومهم، أو لاتجاه شيء سلبي ومضيع للوقت. ولا يقف الوقت هكذا دون صرفه! … ومع شريكة الحياة الفاضية تمامًا، سوف لن يذهب الوقت على الأغلب لمصلحة الشريك المشغول والمنجز بأي شكل.

    وتعليقي الإضافي على الشق الثاني، أن الحاجة للارتباط بأناس شديدي الانشغال في حياتهم، سيقودك لا شعوريًا بالتعلم منهم، ومقارنة حالتك معهم، وستصبح بعد بعض الوقت تسعى لأن تنجز شيئًا ما مثلهم، بل وأحيانًا ستجدهم يقفون مع مصلحتك أكثر من الوقوف مع مشاعرك. فالمنشغلين لا ينقصهم المزيد من الدراما في حياتهم، فإما تصبح مثلهم وتنسجم مع حياتهم، أو إما أن تنتقل بفضاوتك وحياتك مع الكليحين الآخرين.

    وأخيرًا، لا أذكر شعورًا بالرضى النفسي كشعور يوم طويل صُرف على إنجاز العديد من المهام الشخصية والعملية فيه.

  • في أدب الاعترافات

    سمعت عن مصطلح «أدب الاعترافات» للمرة الأولى من أخي العزيز أحمد رويحل، عندما كنّا نتجول سويًة في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وهو يحكي لي عن نجاح بعض الكُتاب بعد أن انتهجوا هذا النوع (أو التصنيف) من الكتابة الأدبية. مصطلح أدب الاعترافات يشعل حماسي بشكل كبير، عندما يأتي إلى ذهني وأنا أشرع في كتابة شيء ما أو قراءة شيءٍ ما.

    لماذا كل ذلك؟

    لأن الاعتراف يتضمن على الأغلب المرحلة الثانية من الحقيقة التي نحرص على إخفائها دائمًا حتى وإن كانت لأسباب غير واضحة. الاعتراف عكس الفضيحة مثلًا، والتي يخشى كل إنسان الوقوع فيها. الفضيحة تعني كشف المستور رغمًا عن رغبة الساتر، أمام الملأ. أما الاعتراف فهو «كلام يُدلي به الشخص على سبيل الاعتراف عن بعض الحقائق الشخصية التي يفضل الشخص إخفاءها»[1]. وهي بالنسبة لي شكلًا من أشكال الشجاعة، والتطور الإنساني للإنسان أمام نفسه. فلن يعترف شخص أمامك بخطأ أو بتصرف أحمق إلا إن امتلك جزءًا من الشجاعة أو رغبة لتغيير شيء ما، أو حتى إبراز قدرة عالية على مراجعة النفس. وكلها سلوكيات إيجابية من زاوية.

    يقود الاعتراف «لأكشن» أو لخطوة تالية تحمل بعض المخاطر أو التحديات. فإن اعترفت مثلًا أنني «لا أطيق فلانًا من الناس» على الملأ، فهذا يعني أنني يجب أن أتحمل تبعات هذا الاعتراف -ولو أنني لا أميل مع قلة الأدب في معظم جوانب الحياة- إلا أن الاعترافات تتطلب قدرًا عالي ليس من قلة الأدب، إنما من كبح مجاملة أو مداراة أو شعور لا نرغب في الكشف عنه، وهذا بالطبع أيضًا شيء إيجابي آخر.

    أدب الاعترافات .. أو هذا التصنيف من الغريب في الكتابة أو غيرها، يعالج في نظري مشكلة نفسية عويصة داخل الكاتب. فالكاتب دون غيره لديه عمومًا فرصة أفضل بتفريخ ما يدور في عقله على الورق. وإن صاحب هذا الأمر «اعترافات»، فإنها بالتأكيد ستكون مثيرة إلى حدٍ كبير للمتلقي، ومعالجة مطوِرة للكاتب، وطبعًا ترفيه ذو سقف عالي للقارئ.

    مشكلة أدب الاعترافات (كمفهوم) في مجتمعنا، أن مجرد الحديث عنه، سيشعر (ربما) البعض بعدم الراحة! فماذا لو كانت الاعترافات بالفعل بالغة الحساسية؟ ماذا إن تضمنت تجارب إنسانية حساسة (جنسية، اختلاس، كذبة كبيرة إلخ.). سيستقبلها المحافظون أنها نوع من المجاهرة بالمعصية، وسيستقبلها الكُتاب الآخرين أنها نوع من الابتذال، وسيستقبلها المنفتحين بعدة أشكال مختلفة أخرى بطبيعة الحال. ولن يقبلها إلا القليلين.

    ولكي أكمل ادعائي أن المجتمع بالفعل لا يقبل الحقائق والوقائع دومًَا طالع حجم كتابات الخواطر المرعب والتي لا تقترب بأي شكل من الأشكال لأي أدب اعترافات أو أي قيمة أخرى. بل لخيالات خيالية مُضّيعة للوقت والانتباه والورق.

    إذاً .. تخيل العكس! .. تخيل أن كل الأشخاص الذين يكتبون أو يشاركون الآخرين بأي شكل من أشكال المحتوى، لا يقولون سوى الحقيقة، والكثير من الاعترافات التي يرون أنها تستحق المشاركة، بدلًا من القليل من العواطف والخيالات التي تستثير المُطلِع عليها دون قيمة حقيقية مؤثرة. كيف سيكون الحال؟ …

    وأجد أن الاعترافات تُحل أزمات داخلية في الإنسان العادي أيضًا، فإن كان الاعتراف بشيء قديم العهد ببساطة وعفوية، فقد تكون علامة واضحة بأن الإنسان قد تخلص من أزمة هذا الأمر، وإلا لما اعترف به. وإن اعترف بشيء حديث العهد، فهذا الأمر هو الآخر علامة واضحة بأن الإنسان لا يريد أن يتحمل عبء ليس له داعي، فيقوم بالاعتراف بالتخلص بجزء منه، وربما باعترافه للآخرين سيجد معالجة لهذا العبء.

    الاعترافات (أو أدب الاعترافات) وسيلة رائعة للتخلص من الأفكار والأمور التي سنكتشف معها مع الوقت أنها كانت تستحق الاعتراف منذ زمن طويل.

  • كتبت مقالتين لم تنشر

    في الحقيقة كتبت ثلاثة مقالات، إحداها تجربة شِعرية جديدة. ومقالتين غارقتين في السلبية، واستشعرت أنها لن يكون لها تأثير سوى مغص القارئ الكريم. ولذا قررت ركنها في ملف المقالات في الكمبيوتر دون تقدير أجوف للتعب خلف كتابتها.⠀

    أشعر ببعض الامتعاض مؤخرَا عند التحدث كثيرًا عن مهنة أو الموضوعات التي تخص الكتابة ككتابة. والأمر الذي زاده، هو اعتقادي أننا لا نجيد في مجتمعنا التفريق بين الكُتّاب «الناجحين أو المؤثرين فعلًا» وبين الكُتّاب «المشهورين فقط» وبين الفئة الثالثة التي «لا تعلم أين الله حاطتها» وأصنف نفسي ضمنها في معظم الأحيان. إلا أن التقدير في المجالس يطال الفئات الثلاثة، أو لا يطالها أبدًا. ولا أحد على الأغلب يناقش الأفكار التي طرحوها من خلال كتاباتهم أكثر من حرصهم على نقاش «أن فلانًا كاتب» حتى وإن كان يكتب عن الغثى بعينه.⠀

    هناك واجب داخلي يدفعني يوميًا للمضي قدماً وتفريخ المزيد من الأفكار. والتدوين هي الوسيلة التي اخترتها لاستقبال هذه الأفكار للحياة. ولا أعتقد أن شخص يستحق التقدير على كونه قد فكر! … لكن ربما يستحق التقدير (قليلًا) كونه قد جلس وكتبها. والتقدير لا يعني الإنبهار!

    وبعد عودتي من رحلة فكرية قاسية من «نيويورك» مصاحبة دخول رمضان و«جيت لاق» لا يرحم، قررت أن أدخل قليلًا لعالم الراحة. وعندما خرجت، خرجت بمقالتين سوداوية لهذا العالم. وقررت كما ذكرت بدايًة ألا أنشرها (مع العِلم أن بيتين الشِعر الذين كُتبوا كانوا أثناء رحلة الذهاب على الطائرة! … وحيث أنني لستُ من هواة الشِعر أبدًا، فقد كانت بمثابة تحدٍ للذات عند كتابتها). ولأن واجبي تجاه نفسي يحتم علي الاستمرار، فأرجوا أن يقبل القارئ الكريم اعترافي البسيط هنا كمشاركة فكرية، تلحق ما تم كتابته طوال سنوات!⠀

  • النيويوركرز في العمل

    كانت رحلتي الأخيرة لمدينة نيويورك (وهي الأولى منذ عام ١٩٩٦، عندما كنت طفلًا وقتها) مدعاة للتأمل في كثير من المناظير. فقد تضمنت الرحلة الكثير بقيامي لأمور «للمرة الأولى» والتي دائمًا ما أشجع الناس على البحث عن أنفسهم خلالها (إجابة على سؤال: متى كانت المرة الأخيرة التي جربت فيها شيئًا للمرة الأولى؟)

    في هذه الرحلة، كانت المرة الأولى لي بتجربة مع طيران الاتحاد.. المرة الأولى مع AirBnb الذي أسعفني بمنزل سيدة هندية كريمة في وسط منهاتن (المنطقة الأكثر حيوية في المدينة) بربع سعر غرفة مقبولة في منطقة أبعد. المرة الأولى لحضور مؤتمر99U الإبداعي، والذي كنت أعد نفسي بالحضور إليه منذ سنوات طويلة، حتى حشرت نفسي في الزاوية قبل ستة أشهر، عندما أعلنوا عن التسجيل لأقوم فورًا بحجز مكان للحضور وتذكرة الطيران خوفًا من أن أتردد في وقت لاحق.

    المرة الأولى التي أسافر فيها فترة طويلة نسبيًا وحيدًا.. تمامًا. وبالطبع المرة الأولى التي أجرب فيها التسجيل في رحلة طولها أكثر من خمسة ساعات على الدراجة لاستكشف مدينة بطولها وعرضها.

    كل هذه المرات الأولى، تستحق كل واحدة فيها مقالة أو مقالتين في رأيي، لأعطي انطباعي الكامل وقراءتي المفصلة عنها. لكن سأكتفي اليوم بتأمل وحيد كان قد استوقفني بشكل غريب في هذه الرحلة، وهو «النيويوركرز» أو أهل نيويورك في العمل.

    سرعان ما يلاحظ ضيف المدينة السمعة التي اشتُهِرت عنها، كتسارع الحياة بشكل عام، كفاءة السكان في كل خطواتهم (أضرب هنا على سبيل المقال: أنك عندما تسأل أحدهم عن مكان ما، سيعطيك أفضل وأسرع وصف للوصول إليه خلال أقل من عشرة ثوانٍ)، الأكلات السريعة وتوزيع عربات الأكل الحلال والهوتدوج المثير، والتنظيم الاستثنائي لمحطات الميترو والباصات وكل وسائل النقل العام. إنما ليس هذا الموضوع الذي لفتني بالتحديد. ما لفتني هو اقتناصهم لكل لحظات فراغ بينية في يومهم لتأدية مهمة ما في العمل! … ماذا يعني ذلك؟

    النيويوركز متأثرين بطبيعة الحال بنمط الحياة السريع المفروض عليهم، بسبب تراكمات كثيرة، أختصرها: بأن الحياة غالية ومفتوحة لكل الجنسيات، وتملك المدينة عدة تخصصات نوعية منذ قديم الزمان، وتملك ثقافة متميزة وجاذبة لأي شخص من أي جنسية، ناهيك عن المنافسة الطاحنة، خصوصًا لغير الأمريكيين! … هذه التركيبة (أو جزء منها) حصرت البقاء للأقوى؛ الأقوى في العمل والإنجاز والإنتاجية، ولن يتحقق هذا الأمر إلا من خلال بذل مجهود استثنائي، وإلا سيُرمى الموظف/العامل في الشارع، أو سيخرج من المدينة ببساطة.

    خرجت إلى «اللوبي» من مسرح الفعالية في الجلسة الأخيرة قبل الغداء في اليوم الأول من المؤتمر، لشعوري بملل كبير بسبب وجود متحدث الذي اخطأوا بالتأكيد في اختياره. وجدت بعض المنسقين يستعدون لاستقبال الضيوف وتوجيههم إلى مكان الغداء بطبيعة الحال. وفي مكان آخر، من اللوبي، وجدت أكثر من عشرين شخصًا كانوا قد خرجوا قبلي بقليل إلى «منطقة العمل» في اللوبي، حيث شواحن الهاتف والكمبيوترات وطاولات مكتب مريحة … وحينها، انصدمت من المنظر!

    كل العشرين في غاية التركيز والانشغال مع أجهزتهم. وكأنهم انتظروا هذا التوقيت بفارغ الصبر ليرسلوا إيميلاتهم أو ليكملوا تصاميمهم، أو كأنهم انتظروا ظهور متحدث ممل، ليقرروا فورًا الخروج والانشغال في إنجاز مهمة ما. علمت لاحقًا أن كل العشرين من نيويورك، حيث أن المؤتمر بشكل عام ضم حضوره أكثر من ستين جنسية. في تلك الأثناء التي رأيت فيها هذه الوتيرة المفزعة من التركيز ومحاولة الإنجاز، والتي استمرت في اليومين التالية في كل لحظات شبه فارغة من المؤتمر، أصابتني بذهول استغربت في نفسي منه. لماذا كل ذلك الضغط الذي يقودهم إلى شاشات الكمبيوتر في كل دقائق فارغة من المؤتمر؟ (والذي كان من أوضح أهدافه تعارف الحضور على بعضهم البعض). لماذا هذا الرعب في استغلال البينيات في الوقت؟

    تفهمت مثلًا منظر العشرات من الأشخاص الذين يحرصون على إمساك كتاب وقراءته في محطات القطار والباصات والميترو كاستغلال للوقت. وتفهمت منظر ذلك الشاب الذي كان يحمل معه كتاب (كبير الحجم) عندما دخلت لمحل قهوة متخصصة صغير جدًا، يكاد يصطدم زبائنه في بعضهم البعض إن تعدوا الستة، عندما وجدته يجلس جلسة غير مريحة تمامًا يقرأ كتابه بتمعن وتركيز، وهو قد استلم للتو قهوته، مضطرًا لتغيير جلسته عند دخول كل زبون للمحل!!!

    تجد النيويوركر دون مبالغة يعمل في أي مكان، ويأكل وينام ويشرب ويقرأ (ويُقبّل حبيبته) في أي مكان. استوقفني أن مفهومهم للإنجاز لا يتطلب أبدًا مكانًا أو جوًا أو ظروفًا محددة. ولا أقول أن هذا الأمر صحي طبعًا، إلا أنني فعلًا توقفت وسألت نفسي: ما هو الحال الأصح؟ هل هو استغلال كل دقيقة خلال هذه الحياة في إنجاز شيء ما مثل ما يفعل النيويوركرز؟ أم الهدوء النسبي واستيعاب ما نقوم به؟ أو هو البحث عن عمل نحبه قبل أن يكون شديد الإرهاق؟ أم هو خليط بين كل ما ذكرته؟

    من المفارقات المضحكة التي تكررت معي، أنني كنت عندما أعرف نفسي بخجل غير مصطنع (أمام هذا الزخم الذي رأيته) لأي نيويوركر، بأنني كاتب ومدون، ومواضيعي هي كذا وكذا .. أجد احترامًا مبالغًا فيه. بل أن إحدى الآنسات بالغت بقولها -الذي شعرت بصدقه- أنها تهديني احترامًا وتقدير استثنائي لأنني كاتب، وأتناول معهم طعام العشاء! .. وهي لم تقرأ شيئًا مما كتبته في حياتي!

    في البداية، شعرت بخجل من نفسي لأنني لا أتقن بصراحة هذه الوتيرة من الإنجاز واستغلال البينيات في الوقت (رغم ادعائي أنني منظم نسبيًا في استغلال الوقت). كان منبع الخجل شعوري بأنهم يتناولون حياتهم بشكل جدي أكثر بكثير عما أتناوله أنا أو محيطي من الأصدقاء والزملاء. كنت أسأل نفسي طيلة الوقت عندما تقع عيني على شخص يجلس بشكل شبه معاق على جهازه وهو يحاول أن يرسل إيميل ما في مكان ما في المركز. هل هذه الحياة التي يجب أن أعيشها؟ .. هل يجب أن أحرص مثلهم على قتل نفسي من أجل الإنجاز؟ .. كيف تسير العجلة بالنسبة لهم؟

    مهنة الكتابة مثلًا تتطلب عكس ما يفعله النيويوركز تمامًا. فهي تحتاج لنوافذ وقتية كبيرة كل يوم ينشغل الكاتب مع نفسه بها. وتحتاج لعدم مقاطعة وهدوء مستمر، والأهم من ذلك، انضباطًا واستمرارية اطلاع وقراءة.

    تعودي بشكل كبير علي متطلبات مهنة الكتابة (حتى وإن كانت بالغة الصعوبة كما سمعتها من لسان النيويوركرز أكثر من مرة!!) بالهدوء والتركيز وتناول الحياة بمستوى أقل بكثير من هذا الضغط الذي رأيته، جعلني أصاب قليلًا بالتشوش. فهل لكي نصبح ناجحين في حياتنا، يجب أن نكون مثل النيويوركرز متفانيين في العمل؟ أو مثل اليابانيين المستعدين للتضحية بأشياء كثيرة في حياتهم من أجل العمل؟ … الله أعلم!

    عل كل حال، اخترت الاقتناع بالهدوء، والعمل على إعمال العقل أكثر من تكرار الجلسات المعاقة في أي مكان! … لكنني ربما سأقتدي بالشاب القارئ في المقهى!

    ذكرتني هذه المدينة كثيرًا بمدينة دبي، التي تعطيك مستوًا رائع في نمط الحياة، إلا أنها تطلب منك من جهة أخرى دخلًا مادي عالِ لا يأتي إلى من خلال تفانٍ عالٍ في العمل يجعلك ربما ترغب باستغلال كل دقيقة بينية في حياتك، وكل مورد للإنجاز، دون وجود هدوء نسبي في حياتك.

  • قدرة ابن مجتمعنا على التعايش

    صباح الخير من بُقعة أخرى من العالم.

    السفر، خصوصًا إن كان لأماكن بعيدة، يجعل الإنسان يقتنص بسرعة أهم الفوارق الحياتية البسيطة خلال اليوم. ركِبت الباص؛ فتاتان (ثلاثة عشر عامًا تقريبًا) يركبون، لتنزل إحداهم في المحطة التالية، ولتقوم الثانية من مكانها إلى الجهة الأخرى لأن سيدة بكرسيها المتحرك الكهربائي كانت قد صعدت إلى الباص، ومكانها النظامي المخصص كان بدايًة هو مكان الفتاة التي انتقلت. يوجد ولد وبنت آخرين آخر الباص شديدي الثرثرة بصوت مرتفع، وسيدة جميلة في منتصف العُمر، لم أكن أعرف أنها تعاني من مرضٍ مزمن ما في ساقيها، حتى وصلت إلى وُجهتها لتقف أمامي وتنزل وهي تعرُج.

    مثل هذه الوقفات اليومية، تمثل حياة طبيعية (في ظل وجود أجواء باردة في مثل هذا العام). يعتاد عليها ابننا، ابن العالم الثالث بعد فترة من المعيشة معهم. وعندما يعود إلى مكانه، سرعان ما يعتاد على الأمور التي ربما قد لا تبدو طبيعية، كخروج فتاة صغيرة إلى المدرسة كل يوم، وتعايش أصحاب الاحتياجات الخاصة يومهم، يومًا بيوم بشكل عادي. بالطبع لستُ هنا للمقارنة التي مللنا منها مع وجود أفواه لمئات الآلف من المبتعثين الذين أغرقوا مجالسنا بمثل هذه الحكايات عن تطور الغرب؛ بل أن شاهدي اليوم قدرة الإنسان الخارقة في التعايش. فهو قد يعيش ربما بين أوساطه طيلة حياته في بيئة متأخرة قليلًا، ينتقل إلى الغرب ويعيش كما يعيشون، وعندما يعود (حتى بعد سنوات) سرعان ما ينحاز إلى بيئته، حتى وإن تطلب الأمر القليل من المقاومة بعد صدمات طفيفة من الواقع، هذا الأمر لا ينطبق تحديدًا على ابننا الذي يحمل جنسيتنا فقط، وإنما أي ابن آخر في هذا العالم من أفريقيا أو آسيا أو أمريكا اللاتينية!

    حاولت البارحة إقناع السيد الكريم (سبعيني من دولة أستراليا) وزوجته اللذان رافقاني مع آخرين في باص التوصيل من المطار إلى الفندق، أننا نواجه مرحلة تغيير شاملة في المنطقة وفي السعودية على وجه الخصوص، مع وجود قيادة شابة متحمسة للتغيير. انتقل بعدها لتهكمه أكثر من مرة على غطاء وجه المرأة الذي يرى فيه برمجة حقيقية استطعنا بها إقناع السيدات في بلدنا أنهم مخيرين فيه، ومع ذلك ملتزمين به. ضغطت في محاولة إقناعه أننا حتى داخل المملكة ذاتها لدينا عدة ثقافات مختلفة، منها ما يُلزم السيدات فيه بارتداء غطاء الوجه، ومنها (مثل ثقافة الحجازيين) ما يجعل السيدة على الأغلب ترتدي حجابها دون تغطية الوجه، وطبعًا وجود نسبة كبيرة لا تُفضِل الحجاب أو تغطية الرأس، وكلًا منهم لديه أسبابه الدينية وغير الدينية وثقافته الخاصة.

    بالطبع تناول في الطريق المواضيع الساخنة (قيادة المرأة للسيارة، السينما، الحفلات إلخ.) كان المثير بالنسبة لي سؤاله عن سعر البنزين، لأرد عليه بعد تعليقي أنه أصبح غاليًا، لأقابل منه ومن الركاب الآخرين ضحكات بقهقهة أن هذا السعر سعر رخيص جدًا بعد أن قلت لهم سعر الليتر. لكنه سرعان ما تراجع عن ضحكاته عندما علم أننا لا نملك غير السيارات للتنقل بشكل رئيسي.

    سألني عن العقار، أعطيته أسعارًا تقريبية. قال «واو» أسعاركم رائعة!

    سألني عن مقاضي البيت، وقال «واو» أسعاركم بالفعل لا بأس بها، حتى مع وجود الضرائب. ليعلق سيد آخر من ولاية «لويزيانا»، «نعم، نعم، أسعارهم المعيشية جيدة!».

    سألني عن المدارس والمستشفيات، أخبرته بوجود الخيارين الحكومي والخاص طبعًا. وعندما وصفت له أسعار المدارس الخاصة المرتفعة جدًا وعن المدارس متوسطة الأسعار، علّق بأن أسعارنا حقيقًة جيدة جدًا بشكل عام! … خصوصًا أننا تحدثنا قبلها عن متوسط الدخل للفرد (من وجهة نظري) والتي أتمنى ألا يقفز علي أحد القراء الأفاضل، ليصف لي حالة شخص يعاني ضائقة مادية من متوسطي الدخل (الذي يعانيها الجميع)!

    بالتأكيد توجد تحديات وصعوبات في كل مجتمع، وطبيعة الإنسان تقوده بالنظر إلى نواقص حياته من خلال نمط الحياة في الأماكن الأخرى. ولكن شاهدي الحقيقي ليس في هذه النقطة أو في نقاش السيد الأسترالي. إنما الفكرة التي استوقفتني فجأة حول قدرة الإنسان على التعايش والتكيف سريعًا أينما وضعته. حياة عادية ثم حياة متطورة ثم حياة عادية، وكلها على الأغلب تؤثر على النفس بشكلٍ مؤقت لا أكثر. التعايش والتكييف في نظري لا يجب أن ينحصر على ظرف المكان، بقدر أهمية الحرص على تطبيقه وبسرعة على الحالات المادية والاجتماعية التي نعيشها.

    أقترح أن تبكي قليلًا إن أتتك صفعة قلبت كيانك الاجتماعي والمادي، ولكن قم بعدها وتخيل أنك انتقلت لمكان آخر ومجتمع جديد لا يمانع وجودك وعِش مثلهم.

    الإنسان جُبل على التغير والتعايش والتكيُف. وتظل المعادلة معادلة خيار هنا ربما.

    كيف تريد أن تتكيف وكيف تريد أن تتعايش؟

    طبيعتك البيولوجيا ستساعدك، على أمل أن تقف معها طبيعتك العاطفية!

  •  لا تستطيع أن تقول لماذا عن الحب

    لستُ هنا لأحدثك عن المزيد من الوجدانيات التي تعرف الكثير عنها. بل أحدثك عن نفسك في الحالات التي لا تكون عليها.

    «لا تستطيع أن تقول لماذا عن الحب ..» كانت جملة آنا كارنينا الشهيرة بطلة رائعة «ليو تولستوي» في الرواية التي تحمل اسمها.

    كانت هذه جملتها عندما عبرت عن استسلامها بـ (لا تستطيع أن تقول لماذا..).

    آنا كارنينا لم تكن هي .. هي، التي تعرف نفسها عندما ضحت بكل شيء من أجل حب حبيبها «ڤرونسكي» ضد زوجها رجل الدولة المعروف شديد المثالية. لم تكن مع الحب طبيعية. استسلمت وسلمت حياتها وأبناءها لمستقبل كان كل من فيه ضدها، حتى قتلت نفسها، بعد أن قرر حبّ حياتها أن يختفي من أجل فتاة أخرى، فتاة أقرب إلى واقعه، وبالطبع إلى أهله.

    لستُ أنا .. أنا التي أعرفها عندما أكون في أقصى حالات الضعف أو الهوان أو الإرهاق.

    في تلك الحالات الاستثنائية التي لا تتكرر في حياتي طيلة الوقت. أكون ربما شخص آخر!

    مشكلتنا أننا نقيس المستقبل ونتخذ تلك القرارات المصيرية عندما لا نكون نحن .. نحن.

    عندما لا نكون على طبيعتنا، مع قصة حُب أو إحباط أو إرهاق، لا نتخذ قرارات؛ بل ردّات فِعل.

    ردّات الفِعل هي الأخطر. لأنها سرعان ما تنكشف أنها ردّات فِعل. وليست استكمالًا لواقع نريده.

    عندما ماتت آنا كارنينا؛ كانت موتها ردة فِعل!

    انتبه لردّات الفِعل. واعطِ نفسك القليل من الراحة قبل القرار! 

  • مشكلة المشاهير عندما تلتقي بهم

    تحدث الروائي المعروف «نيل ستيفنسون» عن رفضه شبه القاطع بالمشاركة في أي فعاليات أو تجمعات مع جمهوره، معللًا ذلك في عدة أسباب أولها: أن تلك اللقاءات تحتاج لأيام عديدة من التحضير والسفر والانشغال بنفس اللقاء، الذي سيبعده عن تأدية واجبه تجاه نفسه بأن يكتب المزيد. شاهدي تحديدًا في السبب الثاني وهو: أنه في الحالات الأغلب يصاب المُعجب بالإحباط عندما يلتقي بالإنسان المشهور، أو بطله على أرض الواقع!

      «لم أتوقع أن هذا الإنسان البسيط والغلبان، هو نفسه الإنسان الذي ينتج أعمالًا استثنائية» يعلق أحد الشباب الذي إلتقى بكاتب معجب به ويقرأ له لسنوات. وقد ذكرت في مناسبات أخرى أن الفنان/المشهور/الكاتب/الممثل/رجل الأعمال لا يكون على حقيقته التي يرغب أن يشاهده الناس بها في حياته ولقاءاته السريعة مع الآخرين في الحياة العادية، بل من خلال أعماله بالضرورة.

    وأؤمن شخصيًا في حالة بسيطة كحالة الكُتّاب؛ أنهم فعلًا لا يملكون (على الأغلب) الكثير ليقدموه في لقاءاتهم القصيرة مع قراءهم الأفاضل. فلا يسعهم خلالها نقل معرفة ما، أو درسًا ما، أو حتى انطباعًا استثنائي. فهم يرسمون نفسهم من خلال أعمالهم، وليس من خلال الظهور الفيزيائي أو أمام جمهور.

    مشكلة المعروفين أو المشاهير، أن ظهورهم إن زاد عن الحد قد يساهم بشكٍل من الأشكال بخسارة متلقي أو إثنين في بعض الحالات، إن استوعب الأخيرين أنه مجرد إنسان عادي مثلهم، مبتعدين عن الخيال الذي رسموه عنهم وعن هيبتهم. وهنا أكتفي ربما باقتراح للمشاهير والمتابعين سويًة مفاده: أن استمرار إنتاج الأعمال وإظهارها أكثر فعالية وتأثير عن الظهور الشخصي والفيزيائي.

    الانطباعات سريعة الزوال، والأعمال شديدة التأثير.

  • هل من مزيد؟

    أول من أطلق وصف (مرض المزيد) كان مدرب كرة السلة الشهير «بات ريلي». الذي علّق (عام ١٩٨٠) على فريق «الليكرز»، الذي عجز عن الوصول للنهائيات في العام التالي بعد أن حقق البطولة قبلها، «لم ينجحوا لأن الكل أصبح يركز على نفسه».

    وحسب تحليل «مارك مانسون»، فإن اللاعبين وقتها قد تحول اهتمامهم من الاهتمام بطموحات الفريق إلى الاهتمام بأنفسهم. فأصبح اللاعب المنضبط في التدريب والذي يحاول إنجاز العديد من المهام الصغيرة والتي قادته في النهاية للفوز بالبطولة، لا يكترث لها، بقدر اهتمامه للحصول على المزيد من الأضواء، والأموال، والإعلام … والأنا.

    يصيب «مرض المزيد» الكثيرين، والرياضيين على وجه الخصوص، ليعطلهم عن نجاحاتهم وحياتهم وقيمتهم الحقيقية. ومشكلة «مرض المزيد» أنه لا ينتهي. فإن أعطيتك سيارة، ستستهدف شراء سيارة أخرى، وإن أعطيتك بيتين، فلن يكون لديك مانع لأن تسعى للحصول على البيت الثالث. ينتقل الواحد فينا بعد أي نجاح، إلى اتجاه آخر ليس له علاقة بما قاده للنجاح، يتحول إلى إعلاء «الأنا»، والبحث عن المزيد، وكأن شيءً ما كان ينقصنا في الأساس.

    عندما كان «الليكرز» يتدربون كل يوم، كان الدافع الأول لهم هو الفوز، الفوز كفريق وجمهور بالبطولة. وعندما فازوا، أصبح كل واحد فيهم يبحث عن الشهرة والمال خارج فكرة الفريق، وخارج مفهوم التأثير.

    المزيد، عكس مفهوم التأثير وعكس المصلحة الحقيقية، فعندما يشعر أحد المؤثرين أو الفنانين وبعض الناجحين اللذين لديهم قدرة أفضل على السيطرة على مشاعرهم تجاه المزيد من التأثير، سوف لن يصبح الموضوع بعدها حول الشخص لنفسه. عكس رغبة المزيد التي صورها لنا الإعلام والمسوقين عبر السنين: كن [أنت] أكثر ثراء، كوني [أنتي] أكثر جمالًا. أو شياكة، أو صحة، أو شهرة.

    عندما يرغب أحدنا بالتقدم في حياته، سيكون أول ما يبحث عنه هو المزيد، والذي يتحول بعدها لدرجة قليلة أو كبيرة إلى حالة مرَضية، كما يدّعي مانسون. أريد الكثير من المال/الشهرة/التقدير .. ولا يهم إن كنت أستحقه. ولا يهم إن كان علي أن أعطي العالم قيمة أفضل. أنا أولاً!

    يتحقق التقدم الحقيقي في رأي مانسون، عندما يركز الإنسان على التأثير وتجاوز الإنسان حدود نفسه ورغباته التي لا تنتهي، ولن تنتهي. وهنا يقف الإنسان العادي أمام سؤال بسيط ذو إجابة استثنائية؛ كان قد سأله أخصائيين نفسيين فترة الثمانينات والتسعينات، عندما قاموا بسؤال عشرات الأشخاص السؤال التالي:

    • من ١٠، كم تقيم مستوى سعادتك بشكل عام؟

    ليجيب الجميع: ٧ من ١٠.

    والإجابة التي تقل عن خمسة تصيب صاحبها بنوع من الشعور بعدم الامتنان والإجحاف لحياته. والترجمة الفعلية للثلاثة نقاط الناقصة في «٧ من ١٠» هي التي تستدعينا للبحث عن المزيد، الذي لا ينتهي. وكأن لسان الحال يقول: «أجد أن سعادتي هي سبعة من عشرة ولن تتحول إلى عشرة كاملة إلى إن امتلكت (بيت/ ساعة/ وظيفة/زوجة جميلة/ إلخ.)».

    وفي موضعٍ آخر، تحدث بإسهاب عالم النفس الألماني «ڤيكتور فرانكل» في كتابه «إنسان يبحث عن المعنى» بأن البحث عن السعادة لا يعتبر المنهج الأصح في حياتنا، بل البحث عن المعنى لها. لأن التساؤل بالتأكيد ليس «كيف أكون سعيد؟» بل «كيف أعطي لحياتي معنى؟ .. (والذي ربما .. ربما سيشعرني بالسعادة)».

    مشكلة مرض المزيد، أنه يقنعك إقناعًا تام أنك يجب أن تستمر في البحث عن ما ينقصك فورًا. ويدفعك باستمرار لدوامة لا تنتهي من الطلبات والماديات والأمور التي ترتكز على نفسك، بعيدًا عن الآخرين، وبعيدًا عن القيمة، وبعيدًا عن النجاح الحقيقي.

    وللحديث بقية في هذا الشأن …


    [هذه المقالة مستلهمة من مقالة مارك مانسون بعنوان: THE DISEASE OF MORE].

Back to top button