الشهر: أكتوبر 2018

  • صداقة الخمسين سنة

    ١

    قبل أكثر من خمسة وخمسين سنة، كان والدي يجوب أحد شوارع القاهرة يبحث فيها عن أمرٍ ما

    في ذلك السن الصغير اعتاد جدي أن يُرسل ابنه صيف كل عام إلى الخارج، عامًا إلى سوريا أو لبنان، وعامًا آخر إلى مصر، يجمع والدي القليل من المال من خلال أعماله بالقرب من المسجد النبوي الشريف مع بعض الادخارات من هُنا وهناك، وطبعًا دعم جدي البسيط له. كانوا «غلابة» كما نقول بالعامية.. لكن حب السفر وإصرار جدي على هذا الابتعاث الاختياري كل عام من أجل بناء شخصية ابنه واكتشاف العالم خارج بيئته القاحلة دفعه فيما بعد لأن يكون إنسانًا اجتماعي من الدرجة الأولى، يعلم نفسه بنفسه، ويتحدث عدة لغات.. والأهم من ذلك، امتلاكه لعدة صداقات عمرها أكثر من خمسين عامًا نقطف ثمارها نحن الأبناء اليوم، وذلك باستيعاب أهمية مفهوم الصداقة والشعور بالأمان مع الأشخاص العزيزين، وطبعًا الوصول إلى أقصى سعادة وحكمة من هذه الدنيا كما يدّعي «إبيكور» والتي تتمثل في وجود الأصدقاء الحقيقيين.

    والدي في مرحلة الشباب آنذاك

    لم يجد والدي ما كان يبحث عنه ذلك اليوم.. لكن وجد ضابطًا مصري ذو رتبة بسيطة في مثل عمره، تبدو عليه علامات الغلابا مثله، إنسان مبتسم وكريم استقبله بـ«إنت عايز أو.. بتدور على إيه؟».. وطبعًا لا يذكر والدي اليوم ما كان يبحث عنه، لكن يذكر تفاصيل ذلك اللقاء مع عمي ووالدي معالي السيد/ أحمد قدري.

    «أخذني من يدي.. وأصرّ على دعوتي للعشاء وكأنه يعرفني!..» يعلق والدي «كانت قد انتهت ورديته، وأخبرني أنه فلّاح ابن فلّاح عندما عرّف بنفسه، وأخبرته بدوري أنني أحد أبناء المدينة المنورة المحبين لمصر».. وربما كان الأمر الأخير قد أكسب والدي بعض الرصيد من المحبة، والتي استمرت أكثر من خمسين عامًا بعدها.

    «أصبحنا أصدقاء عزيزين في فترة بسيطة جدًا، كُنّا ننام على سرير واحد (تعبيرًا عن الود الأخوي) في بيتٍ بسيط، بل وقام بعدها بفترةٍ وجيزة بدعوتي لحفل خطوبته على زوجته مدام ديدي..» عرفه والدي أنه إنسان بسيط كريم ومُحِب.. وصديق يُشد به الظهر.. فقط لا غير. لا يملكون الاثنان وقتها مالًا أو سُلطة أو نفوذ أو نسب، اكتفوا بإنسانية وصداقة عُمرٍ صافية لا تشوبها شائبة.

    «انقطعنا عن التواصل مع شؤون الحياة.. ولكنني بعد سنوات زرت القاهرة مع والدتك، وأصرّيت على البحث عنه. لم أبقي إنسانًا في البلد إلا وسألته عن شخص اسمه أحمد قدري.. حتى أكرمني الله بسائق تاكسي كان يعرفه، وقال لي أنه يذهب إلى النادي الفلاني من فترةٍ لأخرى، وهنا طلبت منه فورًا أن يقود بي إلى هناك، حتى شاءت الأقدار بأن ألتقي به بعد انقطاع سنوات..»

    بالطبع كان قد تزوج وأنجب ابنة وسيدة فاضلة (نيڤين) وأخًا لها. استقبله يومها بمثل استقباله عندما كان ضائعًا في شوارع القاهرة، وسرعان ما عادت مياه الحب لمجاريها. تكثف التواصل عامًا بعد عام، وجئنا نحن الأبناء إلى الدنيا.. وتربيت منذ طفولتي بأن لي أبًا آخر اسمه مثل اسمي.. العم أحمد قدري.

    لحقها العديد من الزيارات إلى مصر.. كانت تنحصر معظمها بلقاءات مع العم أحمد وعائلته الكريمة. وبالطبع كسِبنا نحن الأبناء مع والدينا استقبالهم في بيتهم في جدة في عدة مناسبات.

    كبروا الاثنان في العمر، وكبِروا في المناصب.. أصبح العم أحمد قدري سفيرًا لمصر في بريطانيا. وحمل منصبًا كبير في «جامعة الدول العربية».. وعمل في التجارة، وبنى نفسه حتى وصل لنخبة الأسماء والمحبين لوطنه وعمله وأصدقاءه ولكنني لطالما رأيته منذ طفولتي وهو يردد «دا أنا يا ابني فلّاح ابن فلّاح..» لا ينكر أصله، كما لم ينكر صداقاته القديمة ومشاعره الفياضة بالكرم والحب والتقدير للآخرين.. للفقير والغلبان قبل الغني والنافذ، وللصديق والقريب والعائلة ولكل من حوله.

    في كل مناسبة وعيد، يحرصون على التواصل بين بعضهم.. يكررون على بعض «متى ستأتي وتزور بيتك وبيت أُسرتك هنا؟». ودون أن يُلزمني والدي، فقد كانت إحدى أهم الأمور التي لا تحتمل التفكير، هيا بتخصيص وقتًا لزيارته وعائلته في رحلتي الأخيرة قبل أشهر للقاهرة.. كان يرى والدي أن أهمية هذه الزيارة تبُع بدافع الإبقاء على التواصل بين الأجيال التالية، وكنت أراها واجبًا وبرًا به. عندما رأيته.. لم أتردد لثانية بأن أُسلِم على يديه تقديرًا لمكانته عندنا، وإيمانًا بأنه والد آخر.. يعيش في مصر.

    تقاعد العم أحمد من عمله منذ سنوات طويلة.. لزِم البيت.. رأيته في زيارتي الأخيرة رغم حالته الصحية إنسانًا شديد الجاذبية وذو صوتًا ساحر وكاريزما لازال محتفظًا بها داخله. استقبلتني ابنته وزوجها وابنهما كما استقبل العم أحمد والدي قبل أكثر من خمسين عامًا في شارعٍ ما في القاهرة. أصبحت الغالية الست «نيڤين» وزيرة مفوضة في «جامعة الدول العربية» فيما بعد، لتستكمل شغف والدها وحبه لخدمة الآخرين.. وبالطبع ورثت القوة والثقة والعصامية.. لتكون نسخة أنثوية ستحرص على نقل ما تربت عليه وتعلمته في حياتها لأبنائها.

    مع العم أحمد قدري

    ٢

    قبل وداعي أمس لمدينتي الثانية مسقط.. حكيت لأخي العُماني الحبيب هيثم الرحبي هذه القصة قبل دخولنا لتناول الإفطار. قاطعه اتصال غريب.. وأصريتُ ألا ينقطع حبل أفكاري وهي محبوسة في لساني، لأقول له بمجرد أن أقفل الخط: «شاهدي يا الحبيب.. أنني أريد من ابنتي سيرين أن تفعل ما فعلته أنا مع العم أحمد قدري.. أريدها أن تكون صديقة ابنتك فاطمة حتى بعد أن يتوفانا الله بعد عمرٍ طويل.. أريد أن أرسلها لكم لتكون معكم، وأريد أن أستقبل ابنتي فاطمة عندنا..» ببساطة لأنني أعي أن المال والنِعم والمناصب والأثر وكل شيء في هذا العالم.. قد لا يكون ذو قيمة، دون ترابط أخوي وصداقي مع عزيزين. عزيزين عليَ مثل أخي هيثم الرحبي.

    يكتشف الإنسان نفسه مع كل سنة يعيش فيها في هذه الحياة، وتأكدت دون اكتشاف؛ أن العلاقات القوية هي من أهم الأمور في هذا الكون الكبير.. وهي المُحرك والدافع الأقوى للبقاء. أو كما يسأل النفساني «ڤيكتور فرانكل» مرضاه.. «لماذا لم تنتحر؟» دون أن يُبدي استغرابه من إجابة بديهية.. من أجل علاقتي مع من أحُب.

    أخي هيثم.. تبعدني عنه مسافة ثلاثة ساعات بالطائرة، وآلاف الكيلو مترات. لكننا نتواصل كل يوم تقريبًا، وكأنه وبالفعل ما للبعيد سوى بعد المسافة.. وهو قريب.. قريب جدًا.

    أدام الله قربه، وأدام على كل صديق ومحب أحبابه له..

    مع أخي هيثم الرحبي وصديقه الأخ محمد
    مع أخي هيثم الرحبي وأخي محمد حافظ

     

  • اعتراف: مشكلة المدح

    أعتبِر هذه المقالة ضمن ما سُمّي «أدب الاعترافات». ولا زلت على القناعة التي تقول: أن الإنسان إن قرر يومًا ما أن يكتب شيئًا، فيجب أن يكتب بالدرجة الأولى ما يخاف منه.. ما يخاف منه اتجاه نفسه وهو في غرفته المُظلمة فوق سريره وهو يفكّر أو أثناء قيادته للسيارة، أو في أي وقتٍ آخر عندما يختلي بنفسه.

    واعترافي اليوم: هو أنني أخاف جدًا من المدح.. وأخاف قليلًا من النقد.

    وهنا مقدمتي للموضوعمن الناحية النفسية، كانت من أجمل فترات حياتي هي الفترة ما بين عمر ١٩٢٣ سنة، حيث كُنت ممارسًا للعمل الخاص في الوقت الذي كان يقضي فيه معظم أقراني أوقاتهم داخل الفصول الدراسية. وعند وصولهم لعمر الثالثة والعشرين أو الرابعة والعشرين ينتقلوا إلى حالة أُخرى تُسمى البحث عن وظيفة مُستقرة، في الوقت الذي كُنت أدير فيه بضعة مشاريع مع شركات، تجاوزت بعضها بضعة ملايين في قيمتهم.

    بالطبع لا أُنكِر أن جزءً داخلي مني كان يعتبر نفسه أفضل من أقرانه في ذلك السن. كان دخلي المادي لا بأس به، اشتريت سيارة فخمة مع الكثير من الملابس الغالية التي كُنت أعتقد آنذاك أنني ببساطة مستحق لها، واستطعت أن أبني علاقات رائعة استمرت معظمها حتى كتابة هذه السطور. وكان الأهم من هذه الامتيازات هي نظرة الآخرين.. والتي توُضِح بعضًا من الفخر والاعتقاد أنني سأكون ذو شأنٍ كبير في يوم من الأيام.. على الأقل في عالم المال والأعمال.

    لأسباب يطول شرحها، انتهت تلك الفترة وقُلبت صفحتها تمامًا. وبالطبع لم أصِل لذلك الشأن الكبير، ونسي بعض الناس نظراتهم السابقة.

    الأمر الإيجابي والذي استجد بعدها أنني اكتشفت أمرًا جديد بالصدفة.. وهوكما يعلم الكثير من المقربينحبي المتنامي للكتابة والقراءة، أو بلغة أوضح، حرصي الكبير على توثيق الأفكار والخبرات والقصص وتطبيق ما يمكن تطبيقه منها ومشاركة الآخرين بها حول شؤون كثيرة في هذه الحياة.

    ولأكون أكثر دقة حول السبب الحقيقي من امتهاني للكتابة.. هو اقتناعي الطاغي بأن الإنسان عبارة عن كُتلة من المشاعر والأفكار التي يجب أن تخرج للآخرين بأي شكل، وقد اختارتني الكتابة لتكون هي الآلة لذلك.

    مع الوقت أصبحت أدّعي أنني أكثر صدقًا وواقعية مع نفسي، لا أحاول أن أرفع سقف التوقعات تجاهي، ولا أُقلل من شأنها بالتأكيد.. أعبّر طيلة الوقت عمّا أراه يستحق التعبير، والأهم.. أنني أتبنى الصراحةشبه المُطلقةفي عالمي الجديد، عالم الكتابة.

    مشكلتي التي أعترف بها اليوم بخجل.. هي أنني لا أعرف كيف أتعامل مع المديح أو للانتقادات اللاذعة لما أكتبه. فإن اعتدت مؤقتًا قبل سنوات وجود نظرة من الآخرين تجاهي في اعتبارهم لي إنساًنا ربما يملك فرصة نجاح، فإنه في المقابل أصبح ما يهم بالنسبة لي هو واقع الأمر وواقع الحياة التي أعيشها.

    أكبر شعور يرعبني ويرافقني كل يوم هو أن أكون مزيفًا. أو أن أعيش دور القدوة وأنا لا أستطيع أن أُلملم حياتي وفوضاها.

    تبدلت نظرة الآخرين في ذلك العمر إلى نظرات جديدة بسبب امتهاني للكتابة، أصبحت تحمل بعضها الكثير من المديح والكلمات الشاعرية الرنانة التي تكفي لسد احتياج سنوات طويلة من رغبة الحصول على المديح أو المكانة النفسية أو الاجتماعية.

    تمثلت مشكلتي في أنني لسبب لا أفهمه.. أصبحت أشعر بخوف شديد مع كل كلمة أو رسالة أو تعليق يحمل مدحًا لما أكتب أو لقناعة معينة كُنت قد نقلتها للآخرين. قادني هذا الشعور للتساؤل المزعج: هل ما أقوم به هو الأمر الصحيح في هذه الحياة؟.. هل يجب أن أُكمل حياتي وأنا أعبِّر وأتفلسف وأنشر الأفكار للآخرين كل يوم؟ وأصبحت أيضًا أتساءل: هل يعاني الكثير من الكُتّاب الكِبار مثل هذا الشعور؟

    وجدت أن من أصعب الأمور في هذه الحياة هي إيجاد الطريق الذي نود أن نسلكه لبقية حياتنا، وهذا ما ولّد لدي تلك الفكرة التي تفيد بأن نصيحة «إتّباع الشغف قد تكون هي النصيحة الأسوأ

    ربما يقول قائل إن هذا الشعور من زاوية ليس سلبيًا جدًا، لأنه سيدفعني دومًا لأن ألتزِم بما أُصرِّح به من أفكار وقصص ومفاهيم. ولكن المشكلة تتشكل، أنني لا أكون دومًا على نفس وتيرة الكتابة نفسها. فأنا بالطبع أعاني تحديات مالية مثل الآخرين، وأعاني تحديات نفسية واجتماعية مظلمة، أتفاجئ في وسطها أن شخصًا ما في مكانٍ ما في هذا العالم يطلب مني نصيحة عبر الإيميل في نفس المشكلة التي أعاني منها ولم أجد لها حل!..

    أعترفربما للمرة الثانيةاليوم أنني أعاني من هذه المعادلة.. معادلة استقبال المدح أون النقد فيما أفكر به أو أقوله. أعاني وأخشى من ذلك اليوم الذي أكتشف فيه أنني لستُ إنسانًا حقيقي.. على الأقل يفعل ما يقوله للآخرين.

    وعلى كل حال.. الاعتراف بالمشكلة ربما يكون هو نصف الحل.

    صورتي في يوليو ٢٠١٠ والتي أُخذت الساعة ٤:٣٠ فجرًا أثناء عملنا في أحد المشاريع في مول العرب
  • مشكلة الزهد في هذه الحياة

    … أنه غالبًا لا يأتي اختياريًا.

    يجب أن تتساءل إن كان الزاهد الذي أمامك قد جرب غير حياة الزُهد.

    [tweet_dis]أول سلوكيات التعامل مع الخوف هي التوقف عن عمل أي شيء، والاكتفاء بأي شيء.[/tweet_dis] لأن النفس تُفضل الإبقاء على ما بقي من الخسائر عوضًا عن الانفتاح والتجربة، وطبعاً.. حتى أخذ أقل مستويات المخاطرة.

    … الترجمة الحرفية لهذا الفِعل تُسمى: الزُهد.

    أو كما وصفها الأخ عبد الله التركي في تويتر «أحيانا يتنكر الخوف من الحياة على هيئة الزهد.»

    وربما يجوز القول هنا: أنه عندما يمتلك الشخص القدرة على التحرك والانفتاح (والصرف)، ويقرر بدلًا عنها أن يكون زاهدًا.. سيكون اسمه زاهدًا.

    وعندما لا يمتلك الشخص نفس القدرة ويُطبّق نفس الفِعل.. سيكون اسمه «شخص لا يملك استطاعة» أو شخص خائف.. ببساطة لأنه لا يملك الخيار.

    … لا بأس في ذلك، طالما كان الإنسان مدركًا لنفسه، ومدركًا لقدرته.

    لكن عندما لا يمتلك الشخص أي قدرات ويحاول أن يتحرك بانفتاح، أخشى ألا يكون قد أصبح اسمه مغفلًا.

  • هل الموت مؤلم؟

    ذات مرة تساءل يوسف: «تُرى.. هل الموت مؤلم؟»

    كان هذا التساؤل هو الأخير الذي سأله الصحفي يوسف في رواية «صانع الظلام» التي كتبها الكاتب المصري الفذ تامر إبراهيم. ستمئة صفحة مُثقلة بالأحداث والتساؤلات والتشويق، لكن لم يستوقفني شيء فيها مثل ما استوقفتني إجابة هذا التساؤل الصعب والسهل…

    «.. عمله في صفحة الحوادث منحه هذا السؤال ليقضي به ليلة من ليالي وحدته، يفكر في الأمر ويتساءل: هل الموت مؤلم؟

    هناك من يقولون إنه ليس كذلك.. يقولون إن الطعنات لا تؤلم حقٍّا، بل ما تنزفه من دماء بعدها هو ما يقتلك.. إن الرصاصة لو أصابتك فلن تشعر بها.. إما سترحل وإما ستستيقظ لاحقًا في أحد المستشفيات لتجد من يخبرك بأنهم أخرجوا الرصاصة من جسدك وانتهى الأمر.

    هناك من يقولون إن الموت غرقًا لا يؤلم.. حين تمتلئ رئتاك بالمياه وتفقد القدرة على التنفس فلن تشعر إلا بوعيك ينسحب منك ببطء كأنك تخلد إلى نوم لن تستيقظ منه أبدًا.. هكذا وبكل بساطة.. الأمر ذاته يحدث لمن يموتون في الحرائق والذين يخنقهم الدخان قبل أن تشوي النيران أجسادهم.. كل ما يحدث لهم هو أنهم يخلدون إلى النوم لا أكثر.

    من تنقلب بهم السيارة لا يشعرون بشيء، ومن يهوون من أعلى يفارقون أجسادهم قبل أن يصطدموا بالأرض، ومن يُصعقون لا يجدون الوقت الكافي للتألم.. بل إن هناك من يقولون إن الموت بالسرطان ذاته لا يؤلم مع كل المسكنات التي يسكبونها في دمائك قبل أن تحتضر.

    هناك من يقولون إنه لا يوجد موت مؤلم، لكنه -وأيًّا كانت طريقته- مؤسف حقًّا، والشيء الوحيد الذي قد يؤلم فيه هو مقدار الحُزن الذي يتركه في نفوس من سيفتقدونك حين تموت!».

    يجرب بطل القصة يوسف طعنات من قلم.. تشعره بالألم لاحقًا، بألم شديد لا يُحتمل، يشعر مع هذه الطعنات بمجموعة مختلفة وكبيرة من الآلام، وربما يغير رأيه تجاه هذا التساؤل، فهو مؤلم لدرجة لا تُحتمل.. وربما مؤلم للدرجة التي تصيب الإنسان بنوعٍ من عدم الإحساس بعدها، فتبدوا قمة الألم.. ليست ألمًا، إنما فقدٌ للإحساس، أمام شعور اقتراب الموت.

    تمامًا كما كان يُقال في حالة ربات البيوت المتزوجات من جنود حرب.. «يحارب الرجال في الحرب، وتحارب النساء بعدها».. تحارب النساء ألم الفقد، حتى تعتاد عليه. كبقية سُنن الكون في هذه الحياة، لكن الفرق هنا أن النساء تستمر في الحرب، والرجال ينتقلون إلى عالمٍ آخر.

    —-

    أغبط كُتاب الروايات المرعبة في الحقيقة، أغبط تامر إبراهيم وستيفن كينج وغيرهم، فمع كل كلمة ينثروها يزداد ابتعادهم عن الخوف خطوة، يعلمون أن العوالم والتساؤلات التي خلقوها لأنفسهم من خلال كتاباتهم تساهم في كبح الكثير من العُقد والمخاوف والأمراض الداخلية التي لا تستحق أن نعطيها قدرها. تتحول هذه المخاوف بقدرة قادر لمجرد كلمات، تُعيِّش القارئ ربما في جو مظلم، لتذكره أن الحياة جميلة بعدها، وقد تساهم في إعطائه الصبر على المخاوف التي لم يتساءل عنها من قبل.

    تعلمنا مثل هذه الفنون مثلًا أنه لا ألم في هذه الدنيا مثل ألم الفقد. فقد عزيز أو فقد شيء عزيز نملكه.. كالصحة أو القدرة على التحمل أو حتى سيارة أو كلب. تجعلنا نستوعب أن التعايش والاقتناع بوجود الفقد في هذه الحياة، هو الخطوة الأولى للمضي قدمًا. فلا حياة دائمة، ولا نعمة مستمرة.. ولكن لا نزال نملك تلك القدرة الربانية الكريمة في الصبر والتحمل، والأهم منها.. القدرة على النسيان.

  • الغزارة وليس الشجاعة

    عندما نقوم أول مرة في حياتنا بكتابة نصٍ ما لنشاركه الآخرين، فإننا قد نتردد قبل أن نرسله. نتردد لأننا نخشى الانتقاد، أو لاعتقادنا أننا لنسا جاهزين بما يكفي ليرى الآخرين عيوبنا من خلال هذا النص.

    ينطبق هذا الأمر مع كل الفنون.

    وقبلها.. ننسى أننا بالكاد استعدينا وأهلّنا أنفُسنا ومزاجنا لكتابة هذا النص، وننسى أن هذا الأمر كان قد احتاج للقليل من الجهد والشجاعة ليُنشر..

    ونتناسى، أننا كُنّا نريد القيام بهذا العمل، دون أن يطلبه منّا أحد.. والأهم، ننسى أننا فقط بالمحاولة؛ نستحق تقدير أنفسنا وشكرها.

    فكرة كثرة الإنتاج مريحة.. مُريحة لأنها تُذكِّرنا أن هناك مرات عديدة قادمة نستطيع فيها أن نجعل عملنا أفضل.

    اقتناعنا بضرورة الالتزام بكثرة الانتاج تحارب فكرة وجود التحلي بالشجاعة في تقبُّل الانتقاد..

    فعندما يقول لك شخصٌ ما: «النص/العمل/اللوحة.. سيئة!». فإنك تستطيع الإجابة فورًا بأن هناك مرة قادمة. وتعلم داخلك أن هناك مرات عديدة بعدها تجعلك لا تكترث كثيرًا لهذه السلبية الآن.

    الكثرة أهم من الشجاعة في صناعة الفنون، الكثرة تعني أنك ربما.. وأقول ربما.. ستخلق فنًا لا يحتاج إلى شجاعة لكي يقنع الآخرين بك.

    وبعدها.. يمكنك البحث عن الأثر أو التقدير أو المكانة.

    المعادلة ليست في الشجاعة للنشر.. المعادلة في الكثرة والاستمرارية والاقتناع بأن هناك مساحات كبيرة للتعديل في المستقبل.

    الانتباه.. يجب أن يكون في الصبر والاستمرار والغزارة، وليس في محاولة التحلي بالشجاعة.

  • تأمُل في حياة نصفها جنون ونصفها حكمة

    «تتشكل حياتنا نصفًا في الجنون ونصفًا في الحكمة: وكل من يكتُب عنها [عن الحياة] يتجاهل أكثر من نصفها بدافع من الاحترام والقواعد السائدة» يقول الفيلسوف مونتين؛ ويعلق على هذا الاقتباس آلان دو بوتون: «ولكن لو تقبّلنا زلاتنا، وتوقفنا عن ادعّاء وجود تفوق لا نملكه حقًا، سنكتشف (حسب فلسفة مونتين) أننا لا نزال ملائمين في نهاية المطاف (كنصف حكماء ونصف مجانين).»[١]

    … وأُعلِّق: عند تقبّلنا لعدم وجود تفوق دائم لا نملكه، سنستوعب أنه «لا بأس بنا والله!» في هذه الحياة. وبلغة أُخرى سنُحب أنفسنا ونتقبلها أكثر.

    نصف الجنون ينعكس في الإخفاقات، ونصف الحكمة تنعكس في النجاحات.

    إن استوعبنا بشكل حقيقي أن الحياة عبارة عن زلات ونجاحات صغيرة فإننا سنكون بخير.. ببساطة. وعندما أقول استوعبنا، فإن ترجمة هذا الأمر على أرض الواقع هو عدم الخوف من الاعتراف أو الكشف عن الأخطاء والجنون والزلات، دون الاكتراث كثيرًا لردود الأفعال، فنحن نعلم في داخلنا أن هذه هي سُنّة الحياة، نصف جنون ونصف حكمة.

    نتحرك من خلال تصرفاتنا اليومية على إظهار صورتنا بأبهى حالة، وبالتأكيد ليس هناك عيب في هذا الأمر، لكن تتشكل المشكلة عندما يستنزف هذا الإظهار جهدًا ذهنيًا ومجموعة لا حصر لها من التضحيات من أجل ألّا تتغير صورتنا أمام فلان، وبالأخص إن كان متغطرسًا.

    • إن كُنت أقود سيارة فخمة طيلة حياتي، فلا بأس أن أخبر الآخرين أنني لا أستطيع قيادة نفس السيارة هذه الأيام بسبب ظروف الظروف المادية. لما الخوف من هذا الاعتراف المباشر؟
    • أبدو أكثر شحوبًا وأحمل وزنًا زائدًا، لا بأس بالاعتراف للصديق (الملقوف) بأنني لا أجد محفزات أو رغبة حقيقية الآن لأغير حياتي.. حياتي أنا!
    • لا تستطيع ابنتي المشاركة في حفلٍ ما، لماذا أدعي انشغالها؟.. وكل ما في الأمر أننا لا نستطيع إيصالها إلى مكان الحفلة البعيد لسببٍ ما.

    عندما نستوعب تمامًا أن كل هذه التغييرات -المفروضة علينا- بين نصف الحكمة ونصف الجنون أمر طبيعي جدًا، سيحدث سحرٌ غريب في كلامنا وتصرفاتنا. سنصبح فجأة أكثر اعتناءً بنفسياتنا وهمومنا وتحدياتنا، وليس بالآخرين. سنكتشف فجأة بأن هناك مخزونًا كبير من الجهد الذهني والنفسي كان قد استُنزف في غير محله طيلة سنوات، استُنزِف على تلميع حالتنا، تمامًا كما نلمع سياراتنا وننسى أخذها للصيانة.. لماذا؟.. لأن نظرة الاخرين أهم.

    لا أدعو اليوم إلى عدم الاكتراث للسمعة أو المكانة، بقدر التركيز على الاكتراث للحقائق، الحقائق التي نعيشها يومًا بيوم، دون إضافة ضغط ليس له داعٍ عليها بالبحث عن أنفسنا من خلال عيون الآخرين.

    الحياة ببساطة يجب أن تكون بين نصف إخفاقات ونصف إنجازات. ويجب أن تظهر كذلك.. كما هي.. للآخرين. فمن شاء بعدم تقبّلنا في الحالتين، سيكون من الأجدر بنا أن نرحب بهذا الرفض، لأننا سنبتعد بأنفسنا أكثر عن إخفاقات إضافية من علاقات غير سوية.


    ١. دو بوتون، آلان، عزاءات الفلسفة، ط٢، دار التنوير، ص١٥٠-١٥١

  • ماذا يُدفع لك؟

    من المفاهيم المضحكة في الحياة بالنسبة لي، أن بعض الأشياء اللطيفة والتي لم أكن أتخيل حياتي دونها من قبل، قد تكون هي نفسها مصدر القرف لشخص آخر..

    هذا أمر طبيعي إلى حدٍ ما، ولكن.. الزاوية الأخرى التي أثارت تفكيري؛ هي أن هذا الأمر اللطيف يصبح فيما بعد هو ما نتمسك به لننسى أمورًا عديدة أخرى. تمامًا كالذي جرب أجواء الرياضة والصحة والمنافسة بعد سنوات طويلة من البدانة وضيق التنفس، ليعيشها فجأة وتصبح له الأمر الألطف في حياته والذي يتمسك به، للدرجة التي تجعله يتناسى الكثير مما تبقى متاحًا لديه في الحياة، وطبعًا ليس هناك أي عيب في هذا الأمر..

    ألم تمر عليك شخصيات تحولت اهتماماتها وأوقاتها فجأة لأمر لطيف جديد؟..

    صديقي العزيز محمود الكالي أصبح اليوم أحد الفرسان الذين تمسكوا بهواية ركوب الخيل!.. فجأة.. لماذا؟.. لأنها أصبحت تدفع له جيدًا، تدفع له رضًا داخلي كبير، وتُشعِره هذه الهواية الجديدة أن الحياة لا زالت بخير. وربما لم يكن يعلم قبلها ما الذي كان سيخرجه من ازدحام هذه الحياة برضا وسعادة. طبعًا في نفس الوقت الذي يعاني فيه صديقه (كاتب هذه السطور) من حساسية مفرطة فور رؤيته لخيل يمشي على بعد كيلو ونصف!

    البحث عمّا يدفع لنا أكثر هو شاهد اليوم..

    مثال شخصي آخر، بدأت حياتي المهنية منذ عام ٢٠٠٥م تقريبًا، ومعظم سنواتها لم يتخللها أي نشاط له علاقة مباشرة بالكتابة، الكتابة التي تحولت إلى الأمر الأهم والألطف في حياتي والتي طبعًا أحرص على التمسُك به. وهنا ربما لا يحق لي أن ألوم الكثير من المقربين في عدم اكتراثهم لما أصبحت أقوم به مؤخرًا، فقد تعودوا على مظهري لسنوات طويلة مرتديًا فيه قبعة ممارس العمل الخاص أو أي شيء آخر، لكن ليس الكتابة.

    وبسبب هذا التغيير، صرت أعيش تساؤلًا أستيقظ وأنام به كل يوم.. وأقول حرفيًا كل يوم.. وهو:

    هل ما أقوم به أمرٌ صحيح؟

    هل يجب أن أنهي حياتي وأنا على لوحة المفاتيح، أغرق الآخرين بفلسفات وقراءات جديدة لحياتهم؟..

     والسؤال الآخر الأكثر تكرارًا مؤخرًا: هل ما أقوم به وهم إنجاز؟..

    طبعًا آمل ألا يفهم القارئ اللبيب أنني أحاول أن أثير استعطافه ليقول لي: لا.. لا.. استمر فنحن معك، بل أحاول لفت النظر كالمعتاد لزاوية جديدة.

    فأنا أعلم على وجه اليقين -كما أشارت الأخت العزيز هبة قاضي في إحدى نقاشاتي معها- أن ليس هناك أمرًا دفع لي أي مقابل في هذه الحياة مثل ما دفعت لي مهنة الكتابة، وبالطبع ليس ما أقصده هو الدفع المادي.

    لكن إحساس هذا السؤال اليومي في الحقيقة أمرٌ مزعج، بل ومزعج جدًا. وأشعر أحيانًا كثيرة أنني ورغم حصولي كإنسان محظوظ على الكثير من كرم الأحباء الذين يقتطعون ساعات من حياتهم الثمينة ليقرأوا ما أكتبه، يقودني لإحساس داخلي آخر غريب وهو: هل ما أعتقد حقًا أنه مدفوع لي من رضا وإحساس عالي من السعادة، يجب أن أستمر عليه؟.. ماذا عن تجربة أمور أخرى قد تكون لطيفة في هذه الحياة؟.. أم أنني أصبحت أكثر كسلًا ولا أريد البحث عن أمور أخرى، كان الأجدر بي البحث عنها!

    على كل حال، ربما سأعيش العامين والثلاثة القادمة مع وهم الاعتقاد بأهمية وجود لُطف الكتابة في حياتي، وبعدها لكل حدثٍ حديث. لعلنا سنكتشف أمور أكثر لطافة.

    وسيستمر حتى ذلك الوقت سؤال كل يوم: هل ما أقوم به أمر صحيح؟

    والسلام

  • عندما نعتقد أن المشهور على حق

    في تغريدة مررت عليها في تويتر يقول صاحبها: «حدث موقف لي أيام المدرسة إذ أعطيت مدرس اللغة العربية نصًا مكتوبًا، وزعمت أنه لي، فقال كلماتها رديئة ينقصك الخيال وحسن التعبير، فقلت له أن النص يعود لجبران خليل جبران! الأديب الذي طلب منا حفظ سيرته. يومها تعلمت أهم درس في حياتي أن اسم الفرد أحيانا له وقع أكثر من كلماته وأفعاله».

    في الحقيقة أعتبر ما قاله الأخ الكريم صحيحًا إلى حدٍ بعيد. فمن الناحية التقنية، قرأت كتاب جبران خليل جبران «النبي» بأفضل ترجمة موجودة في السوق (ترجمة الكاتب المعروف ميخائيل نعيمة). وقد لخصّت نتيجة هذه القراءة بتعبير يصفني دومًا، وهو أنني كُنت مثل الأطرش في الزفة أثناء القراءة. لم أفقه من الكتاب شيء، ولم أستوعب ماذا كان يحاول المرحوم جبران أن يقول لي. بالطبع لا يعطيني هذا الأمر حق التعالي أو الاستنكار لهذا العمل المُخلد والمشهود له طيلة سنوات طويلة، لكن كل ما في الأمر أنني فعلًا لم أفهمه!.. وأدّعي أن المشكلة مشكلتي الشخصية، لأنني من المدرسة التي تميل كثيرًا لهضم الأفكار الواضحة والبسيطة والمباشرة، ولا أُحب الكلمات التي تحمل بلاغات كبيرة في بطنها، والتي تستنزف الكثير من الجهد العقلي. وأعتبر جديًا أن البلاغة وكثرة الوصف والرسائل من خلال محتوى قليل، أمرٌ بالغ الصعوبة، وبحتاج إلى مقدرة فنية استثنائية.

    الأمر الآخر، أنني على قناعة بأن الكثير من الأعمال القديمة -بشكل عام- لا يستطيع قارئ اليوم التعاطي معها (رغم ولعي بالكثير من الروايات الكلاسيكية القديمة، إلا أنها أيضًا أعتبرها من الاستثناءات)، ليس لحسنها أو سوئها بقدر اختلافها عن الجو العام الحالي، فبالكاد يستطيع صانع المحتوى أو الكاتب أو مقدم المعلومة أو القاصْ اليوم بأن يسرق ذهن المتلقي ليحافظ عليه بحوزته مؤقتًا، ويقنعه به في ظل وجود ملهيات عديدة. ومن زوايا أخرى من الوعي، ربما نستطيع إسقاط هذا الأمر على الفتاوى الدينية أيضًا، فلكل زمانٍ دولة ورجال وظروف، وبالطبع جمهور!

    كون أن صانع المحتوى إنسانٌ مشهور، فهذا بالتأكيد لا يعطيه أي ميزة إضافية عن غيره، حتى وإن تأثرنا بأمر شهرته قبل هضمنا لمحتواه. بل إن الزاوية الأهم والتي أريد أن ألفت النظر إليها اليوم هي أن [tweet_dis]التجرد والابتعاد عن العاطفة يقودنا إلى استقبال المعلومات بشكل أكثر فعالية واستفادة، وبالطبع أكثر موضوعية[/tweet_dis]. فالفكرة يجب أن تُقلّب قبل أن نعلم عن حال صاحبها وشهرته ومكانته.

    وعودة إلى التغريدة، فقد [tweet_dis]ذكرتني بصديق نشر في جروب العائلة اقتباسًا جريء ونسبه لأحد رجال الدين المعروفين، وبعد أن قبلوا النص وأشادوا به، أخبرهم أنه يعود لفلان (المنفتح اللبرالي) غير المحبوب لهم. وربما «كشّوا» بعدها كما نقول بالعامية من هذا الفخ، والله أعلم![/tweet_dis]

  • هل استفدت حقيقًة من دورات الإنترنت التدريبية؟

     الإجابة المختصرة: نعم، جدًا!

    والإجابة المطولة التي أستهدف اليوم محاولة إقناع القارئ اللبيب بها تتلخص في النقاط التالية، والتي لها علاقة بالدورات التدريبية المحلية:

    • لم أحضر في حياتي إلا دورة أو دورتين تدريبية محلية على أرض الواقع، كانت آخرها عام ٢٠٠٦م في موضوع -إن لم تخني الذاكرة- كان اسمه «كيف تصبح دافورًا، أو كيف تذاكر بفعالية». وقبلها دورتين في البنك الأهلي التجاري (عندما كُنت موظفًا هناك) كانت إحداها تخص موظفين خدمة العملاء، والثانية لتعليمنا آليات «التمويل العقاري». أما الأخيرة مع الأسف، جاءت في يوم كُنت أعاني فيه من زكام حاد قادني إلى حضورها كما يحضر الواحد فينا أحلام اليقظة من شدة النعاس.
    • إن كُنت قد حضرت دورات أُخرى، فللأسف لا أذكرها الآن، وربما أعوز السبب إلى كونها دورات لم تؤثر في تكويني بشكل جذري أو غيرت مجرى حياتي بشكل ملحوظ، ولو أنني أتذكر الآن دورة تدريبية على هامش مؤتمر حضرته في مدينة دبي (عام ٢٠١١م) كانت تخص صنعة «الإعلام والعلاقات العامة» وهي عبارة عن تضييع للوقت مع مدرب ممِل.
    • أنا من المدرسة التي لا تؤمن بدورات تطوير الذات (خصوصًا المتخصصة في التحفيز) وربما يكون السبب خلف هذا الأمر اقتناعي التام أن معظمهما -إن لم تكن جميعها- تستهدف التحفيز العاطفي أكثر من استهدافها لحلول وكفاءات عملية يمكن للإنسان تطبيقها في حياته بشكل مباشر. وثانيها، أنني شخصيًا لا أجد مبررات -بغض النظر عن الأسباب- خلف تكاليف حضورها المرتفعة نسبيًا.
    • ورش العمل أمرها مختلف، فهي تعتمد بشكل كبير على المخرجات كمفهوم، ولهذا أستثنيها من كلامي.
    • ميل الكثيرين من الشباب اللاشعوري لوهم الإنجاز، يقودهم مع الأسف لتكثير الحضور لأي دورة متاحة في اليد مشترطين وجود شهادة حضور، ليستطيعوا من خلالها تعبئة السيرة الذاتية، مما خلق عرضًا على هذا الطلب بشكل مبالغ فيه، وبالتالي أصبح عرض الكثير من الدورات التدريبية يتصف بالجوافة (من وجهة نظري). فالمحرك الأول هو شهادة الحضور، وليس التعلم.

    أما فيما يخص الدورات التدريبية على الإنترنت:

    • للتو انتهيت من دورة تدريبية مع فنانة قديرة اسمهاLisa Congdon  تتناول فيها آليات زيادة الإنتاجية للفنانين المستقلين، وكانت أكثر من رائعة بصراحة، وقد شرعت بتطبيق ما تعلمته مباشرة، مما أتاح لي فرصة لتنظيم الوقت بشكل أفضل وأكثر فعالية. وبالطبع لم تكلفني سوى ثلاثين دولار. وقد أخذتها على مهل في أوقات فراغي.
    • حضرت قبلها عشرات الدورات على الإنترنت (بالطبع لا توجد منها دورة واحدة أعطتني شهادة حضور) وبلا مبالغة استفدت منها جميعًا. كانت إحداها طويلة جدًا عن إدارة السيولة النقدية الشخصية، وأخرى عن تطوير المواقع الإلكترونية (والتي استطعت من خلالها تطوير مدونتي بشكلها الحالي)، وأخرى عن تسويق الفنان لأعماله الخاصة. طبعًا كلها كانت بمبالغ رمزية من مدربين يحملون سجل إنجازي ممتاز.

    خلاصة القول، أنني من المدرسة التي تبحث عن الاستفادة القصوى من أقل قيمة ممكنة، وهذا ما يتحقق بشكل عام من عادة القراءة طبعًا، فقد يشتري الواحد فينا كتاب بمبلغ زهيد يعود عليه بفائدة عظيمة، تعوضه عن حضور دورات على أرض الواقع بتكاليف كبيرة. والأمر الآخر، أنني عندما أختار دورة أدفع قيمتها بكامل قواية العقلية دون وجود شهادة، فإنني أبحث بشكل صريح عن الاستفادة قبل الاستعراض بالشهادة.

    في الحقيقة لم أحضر دورة واحدة ورشة عمل في حياتي تختص بالكتابة والمواضيع المتعلقة بها (كالنشر والتدقيق إلخ.)، فقد فضّلت العمل المستمر والتعلم من الخطأ في هذه الحِرفة، إضافًة إلى قراءة ما كتبه الكُتّاب المميزين عن هذه الحرفة، أمثال ستيفن كينج.

    وتعليقي الأخير يتلخص أيضًا في تشجيع القارئ الكريم بالاستمرار في حضور دورات تدريبية على الإنترنت بنية الاستفادة بأقل التكاليف، عوضًا عن الحضور الفيزيائي في مكانٍ ما في هذا العالم في عام ٢٠١٨م!

زر الذهاب إلى الأعلى