الشهر: فبراير 2019

  • أنت ولابتوبك

    لسببٍ أجهله، أتأمل هذه الفترة يوميًا جهاز اللاب توب (الذي أكتب منه الآن). نفس هذا الجهاز أو شبيهه يملكونه الملايين في العالم، وملايين آخرين لا يستطيعون امتلاكه بسبب عدم قدرتهم على الشراء، والقليل ربما لعدم معرفتهم للتعامل معه. عندما أتأمل حجم الإيميلات المرعب الذي أرسلته في حياتي، وعدد الكُتب والمقالات التي كتبتها حتى هذه اللحظة، أستوعب أن الإنسان بالفعل قد وصل إلى مرحلة متقدمة من قدرته بامتلاك أشياء بسيطة يستطيع أن يُغير فيها شيء. هذه النقطة بديهية.. ولكن..

    الدافع وراء هذا التأمل هو وجود تلك الأيام التي لم يُفتح فيها الجهاز إطلاقًا.

    لا أعلم إن كان يستوقف القارئ العزيز، أن العالم أصبح قريب جدًا من إنجاز معظم ما يريد إنجازه من خلال الجوال، ولنكون أكثر وضوحًا، يمكن له إنجاز أعمالًا عميقة استثنائية من خلال امتلاك لابتوب.

    المعادلة: أنت + لابتوب = شيء ما من الممكن يتغير في هذا العالم.

    اختفوا حرّاس البوابات، تريد أن تنشر.. أنشئ مدونة، وأكتب ما تريد. تريد أن تبيع شيء.. انقل تفاصيله على ملف باوربوينت وابعثه لكل من حولك. تُلحن؟.. تقول شيء بصوتك؟.. المعادلة أسهل من أي وقتٍ مضى.

    أصبحت أخبر نفسي كل يوم كنوع من التحفيز.. كل ما تحتاجه هو أن تفتح اللابتوب.. ودون توقف.. كل يوم.

    «السؤال هو سؤال حول إن كُنت سأعمل أم لا، البطولة سأفترض أنني ولدت معها» – زين الدين زيدان (بتصرّف).

  • الاستخفاف

    ربما نعطي الحق للكثير من المقربين الاستخفاف بنا أو بقدراتنا.. وربما يكون هذا الأمر بدافع «الميانة» أكثر منه بالاقتناع أننا نستحقه.

    لا يسعى الجميع للانضمام في البدايات، ولكن معظمهم سيودون أن يقتربوا إليك عند خط النهاية. وعند البداية والمنتصف، ستكون هناك مساحات شاسعة من الاستخفاف.

    أجمل ما في الاستخفاف أنه مجرد كلام على الأغلب، وأسوأ ما فيه أنه ذو تأثير كبير رغم أنه مجرد كلام!

    يستوقفني أحيانًا أن الاستخفاف يختفي عندما تظهر بعض القدرات على العلن، وشخصيًا، سمعت أكثر من مرة جملة «أتقبّل منك رأيك أو ما تقوله عندما تتحدث به أمام الناس، ولا أستطيع هضمه عندما نكون بمفردنا أو على جلسة قهوة»، وربما يعود سبب عدم الاستخفاف أثناء حديثنا أمام العلن لسببين: ١. أن الحديث أمام الآخرين أو بشكلٍ رسمي.. هو بالفعل كلامُ رسمي وليس مجرد دردشة عابرة و٢. أن الاستخفاف وقتها بنا أمام العامة وبشكل رسمي فيه حالة صريحة من الكُره وسوء الأدب من قِبل المُستخِف.

    ولا أعلم إن سمع أحدكم يومًا «أُحبك أمام الآخرين، أكثر من حبي لك ونحن بمفردنا».

    من يستخف في كل الحالات، يخبر نفسه أحيانًا أنه أفضل منك، وعندما يحبك أمام الآخرين، فهو يخبر نفسه أيضًا أن هذا المحبوب «تبعنا يا أبو الشباب».

    الاستخفاف جزء من سلوكيات هذه الحياة، لا يجب أن نرتعب منه.


    [أعيش هذه الأيام حالة من شبه المقاطعة لمعظم قنوات التواصل الاجتماعي في محاولة مني للتركيز بشكل أكبر، سأكون في غاية التقدير والامتنان، إن تفضلت بمشاركة هذه المقالة وغيرها من المقالات السابقة على جروبات الواتساب وتويتر وانستجرام نيابة عنّي، لعلها تُغير شيئًا ما في حياة شخصٍ ما.. شكرًا جزيلًا]

  • الشراريب الملونة

    احترت كثيرًا قبل أن أختار موضوع اليوم، وإن كان تافهًا فهو قد لا يكون تافهًا للدرجة التي يرسمها عقل القارئ الكريم الآن.

    إحدى العلامات التجارية المثيرة للجدل، هي LittleMissMatched أو (غير متطابقة قليلًا). هي باختصار علامة تجارية/شركة تركّز على مبيعات الجوارب للفتيات في سن المراهقة وما أقل بشكل خاص، وللنساء بأعمار مختلفة بشكل عام..

    تبيع لك ثلاثة فردات من الجوارب وليس زوج كما هي العادة، وكلها مختلفة عن بعضها. تميزها ألوانها الصارخة والجريئة، وبالطبع لهذه الاستراتيجية قصة خلفها، أكتب لكم هنا ما تقوله الشركة:

    في عالم LittleMissMatched، أنماط الخلط والألوان هي مُحركنا للسماح لك أن تكوني أنتِ! نحن حريصون على تشجيع الفتاة وتمكينها، سواء كانت تبلغ من العُمر ١٠ أو ١١٠!

    تأسست العلامة التجارية في عام ٢٠٠٤م بفكرة تعطيل السوق من خلال إعادة اختراع فئة جديدة من منتجاتها. وتم تقديم فكرة وجود ٣ جوارب غير متطابقة إلى حصولنا في سوق أمريكا الشمالية على الكثير من الإشادة.

    واليوم، تعد LittleMissMatched علامة تجارية لأسلوب حياة الفتيات تغطي العديد من فئات المنتجات والترفيه المختلفة، إلا أن الرسائل الأساسية الخاصة بنا لا تزال كما هي. نحن نهدف إلى إلهام فتياتنا ليكونوا قويات ومرحات في نفس الوقت، وقبل كُل ذلك أن يكونوا على حقيقتهم.

    وحسب تعليق المسوّق المعروف «سيث جودين» كان الهدف غير المعلن للشركة، هو إعطاء فرصة للفتاة التي تخرُج مع صديقاتها من فئة «المعنطزات» والفخورات بما يلبسنه من علامات تجارية فارهة، بأن تقود أي محاولة نقاش (تافهة) عن العلامات التجارية إلى مسار مثير للسخرية جديد. مثل السيناريو التالي:

    • هل رأيتي شنطتي الجديدة من العلامة (الفلانية)؟
    • لا لا .. أنتي هل رأيتي جواربي التي ألبسها اليوم؟.. فهي غير متطابقة وشديدة الصرصعة!.. هههه!

    كان من المثير بالنسبة لي، أن الشركة استهدفت حتى العام الماضي (إن لم تخني الذاكرة) فئة الرجال البالغين أيضًا، إلا أنهم على ما يبدو أبقوا تركيزهم على فئة البنات فقط بمختلف أعمارهم. تملك هذه الشركة حصة مبيعات وسمعة جيدة جدًا. وقد حاولت من خلال استراتيجيتها التسويقية أن تكون جزءًا لا يتجزأ من نمط حياة الفتاة، لمساعدتها حتى على الحديث والدفاع عن نفسها في المواضع التي قد تُشغل الكثير من الفتيات.

    شاهدي الآخر، أنني من فئة الرجال الذين يحرصون على لِبس شراريب ملونة، وأجد أن فيها نوعًا من الخروج عن منطقة الراحة بشكل مقبول، أو كما قال لي صديقي محمد «الحياة أقصر من أن نلبس فيها ألوانًا غامقة طيلة الوقت». تُعلّق فكاهيًا عاملتنا المنزلية رُقية أن دُرج شراريبي أقرب ما يكون لدُرج حلويات، في الوقت الذي أجد فيه أن مقام الكثير من الأماكن لا يسمح مثلًا بارتداء ثيابًا شديدة الجراءة، والتي قد تُلفت النظر بدورها للشكل أكثر من الفِكر، إلا أنني بعد هذه السنوات من اقتناعي بفكرة الشراريب الملونة، وجدت أن مساحة تلوين الشراريب مقبولة إلى حدٍ ما. فلا أنا قد خرجت عن العُرف، وفي نفس الوقت أعطيت يومي جزءً من الغرابة والحرية (المقبولة).

    على كل حال، أُركز في شراء الشراريب على العلامة التجارية Happy Socks (هذا بالطبع إعلان غير مدفوع) لأنهم يركزون على الجودة مقابل السعر، إضافةً إلى جمال تصاميمهم.

    وقد استوعبت زوجتي هذا الأمر المثير للاهتمام، وقد حرصت في سفرتها الأخيرة أن تجلب شيئًا منها ملون.

    وانتهى الموضوع.

  • اللقاء الأخير

    في وقتٍ ما في ٢٠١٨م، قام أحد الأحبة في تويتر بعمل «منشن» لي على قطعة، كان قد كتبها الأخ الكريم سلطان ثاني من سلطنة عُمان، وهنا جُزء منها:

    في محطة للوقود اعتدت على ارتيادها لأسباب كثيرة غير التزود بالوقود، وغسيل السيارة، ومحل الحلاقة، والصيدلية، ومساحة لألعاب الأطفال، ومحل لبيع العصائر وآخر للمواد الغذائية، في محطة الوقود الواقعة على شارع الخير «بالمعبيلة» كان لقائي الأخير مع صديقي محمد، اتصل بي وأخبرني أنه سيُحضر لي كتاب…

    قال لي وبكل ثقة، أن الكثير من قناعاتي ستتغير بعد قراءة الكتاب، وفعلًا كان التغيير كما أخبرني. كان التغيير الذي أحدثه الكتاب على المستوى العملي، أمّا التغيير الذي أحدثه اللقاء الأخير فقد كان درسًا من أعظم دروس الحياة، وللقاء الأخير طاقة على إحداث الكثير من التغيير خصوصًا حين نعرف أنه اللقاء الأخير إلا بعد فوات الأوان. وكان آخر عهدي بمحمد كتاب، الكتاب الذي احتفظت به لأشهر كذكرى قبل أن أتبين أن هناك من هو أحق به وأن له مكانه الصحيح الذي لا بد أن يعود إليه، وصار مروري على ذات المحطة لها طعم لم أعهده من قبل، طعم بين الحزن والرضى والاشتياق.. وهل بين الحالات الشعورية حدود؟! لا أظن ذلك، ولا حتى أنتي يا مسقط تؤمنين أن شعورًا ما قد يكون في معزل، بل إن الشعور كالألوان لا حصر لها ولا عد حتى وإن كانت لها درجات لونية تميز لونًا عن غيره، لكن ما بين اللون واللون مساحات من الظن والرأي، وكذلك المشاعر، فما بين الشعور والآخر مساحات تختلط فيها المشاعر ببعضها، تختلط فيها باللحظة والمكان، ولا تشبه اللحظة الأخرى كما لا يشبه المكان.. المكان، لذا يستحيل أن نصنف المشاعر أو أن نحدها في أنواع معدودة.

    حكى لي أخي وصديقي هُناك هيثم الرحبي عن أمر المرحوم محمد النهدي والذي أهدى سُلطان الكتاب «كانوا شبابًا من خيرة شباب عُمان، وكان محمد أحدهم…» اختارتهم إرادة الله في حادث، لينتقلوا إلى رحمته الثلاثة ويبقى السائق.

    استمرت القصة في ذهني، كيف لإنسان أن يترك ذكرى على من حوله بالحرص على إخبارهم أن يقرأوا كتاب؟.. كيف يكون لمثل هذا الحدث وجود في مكانٍ ما يبعد عن كاتبه آلاف الكيلومترات، لا يعلم عنه أو يسمع به شيء سوى بالصدفة؟.. تواصلت مع سُلطان، في محاولة مني للتأكد أن كانت هذه القصة حقيقية أم روائية (قبل أن أعرف حقيقتها)، اتفقنا مرارًا على اللقاء، حتى أكرمني الله وتفضّل عليَ بلقائه سريعًا في لوبي الفندق في زيارتي الأخيرة لمسقط.

    «ما هي القصة؟» سألته.. ليُجيب «طلبت في تويتر اقتراحًا لكتاب سيُغير حياتي، واقترحت الآنسة فاطمة كتابك (ثورة الفن)، ليُعقّب محمد النهدي عليها بوعد بإهدائه الكتاب لي في أقرب فرصة» وهذا ما حصل في المحطة.

    الكثيرين حول محمد تعرفوا على شخص يبحث مثلهم عن الأحلام، يسكن في مكانٍ ما في مدينة جدة. يدّعي صدقه وإيمانه فيما يقول. ولسببٍ ما، وصلهم ما أراد أن يقول، أو بالأصح وصلتهم الرسالة، حتى وإن لم يكتب الله لبعضهم أن يعيشوا معها ومع رسائلهم.

    في طُلمة التساؤل كل يوم.. ظهر لي سُلطان مع قصته وجمال روحه. اعتذر عن عدم حضوره لورشة العمل التي قمت بها في مسقط، وعلّق «طلبت مني فاطمة (خطيبة المرحوم) قبل يومين من الورشة -إن حضرتها- بأن لا أذكر لك أي تفاصيل عن هذا الحادثة، ولا أن أقترب من سيرة كتابي القادم «حدثتني مسقط» وعن ذكري لقصة محمد ومع إهداءه لي كتابك. وبالمناسبة.. كانت قد حضرت لك.»

    سألته عنها.. وعن إن كانت قد حضر جزء منها لأن محمد كان سيحرص على الحضور ويُعرفني بنفسه ويُسلم عليَ. استوعبت لحظتها، أنه من العبث أحيانًا أن نبحث عن إجابات لأسئلة لا يُفترض بها أن تُسأل. واكتفى بالرد عليَ أن حفل زواجه كان سيلحق يوم الحادث بشهر. إلا أن المشيئة كانت أسرع.

    «هل تعلم أخي أحمد!.. لماذا اختار الله عز وجل أن يكون الإسلام من خلال رسالة من رسول؟.. لماذا كل الأديان في هذا العالم جاءت من رُسل؟ لأن حكمة الله اختارت أن يتلقى الإنسان رسالته إن كان مستعدًا لها، كل إنسان في هذا العالم يستقبل رسائله، ويملك رسائله الخاصة ليعيش من أجلها ويقدمها للآخرين.. كانت إحدى رسائل محمد أن يخبر الآخرين ويهديهم ما كتبت».

    لا أعرف لماذا تأثرت للحد الذي كاد أن يجعلني أستأذنه، لأُنفِس عن نفسي بعيدًا عنه. فأنا بالكاد أعيش مع ظنوني وحياتي وتقلباتها.. نعم، أخبر الآخرين ما أود أن أخبرهم به، لكنني مثل الكثيرين في هذا العالم، لا أملك اليقين أحيانًا تجاه أمري ورسالتي.

    «استمر..» وكأن أخي سُلطان يقرأ أفكاري.

    يختار دومًا القارئ ماذا يريد أن يقرأ، ولا يستطيع أن يختار الكاتب من يقرأون له.. مع الأسف. انكبيت، على نفسي لدقائق بعد أن ذهب سُلطان، راجعت الكثير من الحسابات التي لم أكون مشغولًا في بحثها وسط الزحام. استمر عقلي في العمل ليومين. كيف لي أن أعرف أن هناك أشخاصًا يقرأون لإنسانٍ مقالاته وعبثه وكلماته، وليس بالضرورة أن يتفاعلون معه؟.. لماذا لا نملك القدرة على لقاء كل من أعطانا وقته وجزءً من روحه. لماذا اختارت هذه الحِرفة أن تكون وحيدة؟.. لأقول لنفسي أحيانًا: يا أخي لا أود أن أكون وحيدًا في معظم يومي.. إن كان لي الخيار.

    يسعُل الكاتب من خلال كلماته، يُفضفض، يكون قاسيًا على نفسه وعلى الآخرين، ويبحث مثل التائه عن شيء لا يعرفه، يظل يكتب ويكتب، ويعتقد أنه اختار الكتابة، وهي في الحقيقة من اختارته. أؤمن أنها وسيلة لحل العُقد والتعبير عن الذات وإخبار الآخرين أنه معهم يواجه ما يواجهونه. تختفي نواياها وعبثها مع زحمة الحياة، وتعود لتوبخ صاحبها وتذكّره أنه سيعيش في شيء من الصراع لبقية حياته. فإما أن يكتب، وإما أن ينشغل بالتفكير عن ماذا سيكتب.

    ستكون الكتابة هي الرسالة.. حتى يأخذ الله أمانته. وعسى أن تُبقي على شيء من تأثيرها على بناتي ومن حولهم. وحتى ذلك الوقت، سأقول لأخي محمد ومن مثله الذين لم ألتقي بهم.. شكرًا يا سيدي، أعدك بالصدق والاستمرار.

  • ما هو الشيء الأهم بالنسبة لك؟

    ندخل في الموضوع.. أُسوّق نفسي دائمًا من خلال الكتابة، ولا أحرص أن تلتصق بي أي صفة سوى أنني إنسان يكتُب، بعيدًا عن عالم الأعمال والكسب. شاهدي، أنني اكتشفت أن الكتابة (كحِرفة) ليست هي الأهم بالنسبة لي.. بكل صراحة.

    ولكي أبتعد عن التحذلق، فإنني أعني جدًا ما أقول. بل إن الشك لا زال يبالغ في إلقاء ظلامه عليَ تجاه هذه الحِرفة. ومهما كانت المحفزات والنواتج، إلا أن التساؤل دومًا موجود في مكانٍ ما في عقلي، وهو يدور حول سؤال إن كُنت ما أقوم به كل يوم مُقنع بما يكفي لتحقيق الطموح أم لا؛ فهنا وهناك دائمًا أمور شديدة الإغراء إلى جانب الكتابة في هذه الحياة.

    يعي أصحاب العقول المستيقظة أن مثل هذه الشكوك والأفكار التي تدور في الرأس بعيدًا عن مرأى الآخرين، أمرٌ لا بأس به إلى حدٍ ما، فهي ما تبقينا على محاولة الاستمرار في المحاولة، حتى يأتي ذلك اليوم الذي نقول في -ربما- أننا توصلنا للإجابة على الشكوك.

    عندما تأملت في نفسي قليلًا وجدت أن الأهم.. وأقول الأهم.. هو التعبير.

    ولكي أكون أكثر دقة: غايتي في هذه الحياة (حتى الآن على الأقل) هي رغبتي المُلِّحة على الاستمرار في التعبير عن مشاعري وأفكاري والتأثير على الآخرين ايجابيًا من خلالها، وبالطبع لا أنسى هدفًا كبيرًا وهو محاولة تغيير شخصٍ ما في مكانٍ ما في هذا العالم. ووجدت أن أسهل وأسرع طريقة للوصول لهذه الغاية، هي الكتابة. وإن كُنت سعيد الحظ، فالكسب المادي سيرافقني مع هذا الأمر.

    «الغاية» هي التعبير و«الوسيلة» هي الكتابة. دون أن أتطرق أيضًا إلى تلك القناعة المرعبة والتي تقول بأنني قد لا أُفلِح في شيء مثلها. وهناك نُسخ أخرى منّي تعبر من خلال الرسم، أو التلحين، أو التمثيل، أو الطبخ.

    أعتذر صدقًا على الحديث عن نفسي اليوم (وهو أمر لا أحاول التركيز عليه)، إلا أنني أُبرر بأن تأمل المقالة كان قد توصلت إليه مؤخرًا في حياتي وقررت أن أشارك به. فالمهم دائمًا هو الوعي تجاه الغايات، عوضًا عن أخذ الوسائل والاعتقاد بأنها غايات.


    [شرفونا يوم الأربعاء ٢٠ فبراير ٢٠١٩م، في أمسية عن البحث عن المكانة والإنجاز، في مركز سيدانة في مدينة جدة، من هنا التفاصيل]

  • هل أنت شخص كتوم؟

    إن وجّهت هذا السؤال على نفسي، فبالتأكيد لستُ كتومًا بالمعنى المعروف اجتماعيًا (على ما أعتقد). وأقصد مجازًا بالكتوم هو ذلك الشخص الذي لا يُعبر عن مشاعره أمام الآخرين. ولا يحرص أن يكون له رأيٌ مسجّل فيما يراه بشكلٍ عام؛ وبالطبع قد يكون هذا الأمر سلبيًا أكثر منه إيجابي بالنسبة للبعض. إلا أن عدم التكتم على الأفكار أو الآراء لا يتناسب بشكلٍ عام مع إنسان يمارس مهنة كمهنة الكتابة، والتي تتطلب وبشكلٍ مستمر تقليب الأفكار والتعبير عنها. اللهم أن الفرق يُختزل بين التعبير عنها لفظيًا أو على ورق.

    عندما قال الله عز وجل في كتابه «إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ…» فإنَ يراكم تأتي من الرأي هُنا، هو تقليب العقل على ما نُبصره أمامنا أو ما اطلّعنا عليه من فكرة أو أمرٍ ما. فالرأي ليس الإبصار كما نعتقد. وغالبًا ما يكون لكل إنسان رأي ما تجاه شيء ما، ونادرًا ما يحدث وأن يكون لشخص رأي لا يهتم بأمرِه كثيرًا، فتجده لا يحرص على التعبير عنه، وهذه الحالة صحية بشكلٍ عام. وعندما تجد شخصًا يقول لك «لا رأي لي في هذا الأمر» فهو يقصد بشكلٍ آخر أنه غير مهتم لهذا الأمر، ولذلك لم يُفكّر فيه.

    نقطتي التي أود الحديث عنها اليوم، هي أن الإنسان يجب أن يُعبّر عمّا بداخله، بالشكل المناسب له وعند الأمور التي يمكن له التعبير عنها، فالكتمان المستمر وأخذ حالة السكوت لمجرد السكوت لا أعتبره شخصيًا أمرًا إيجابي على المدى الطويل، وقد يُترجم إلى حالات انفجار أو عُقد نفسية إن استمرت، تمامًا كما نرى حالات النساء المُعنّفات في مجتمعنا، أو في حالات أخرى إن استذكرناها سنجد أنه كان من الأفضل لنا إن عبّرنا عمّا بداخلنا لنحصل على نتيجة أفضل. وقد كتبت مقالة سابقة عبّرت عن جُزءً من طفولتي في هذا الشأن.

    أُشجع ابنتي سيرين على التعبير عمّا بداخلها، وأقول لها دومًا قولي ما بكِ، وأخبريني عمّا تشعرين به.. لا تهم النتيجة، من المهم أن تعبري فقط، أخرجي الفكرة أو الشعور الذي في داخلك دون خوف، والنتائج سنتعلم كيف نتعامل معها لاحقًا.

    أو كما أخبرني أخي أكرم جمل الليل عن العُرف المنتشر في ثقافة أهل سان فرانسيسكو «يجب عليك دائمًا أن تقف، وتتكلم».. تقف على رأيك، وتتكلم عمّا يدور في رأسك. المهم أن تتكلم لنعرف ماذا يدور في ذهنك.

    التعبير عن الذات، يُكسب صاحبه القوة والاستقلالية مع الوقت. والتمرن على التعبير عمّا في ذاتنا يجعلنا لا نخاف، ويزداد حِس الصراحة المُطلقة لدينا، ويُشعِر الجديين حولنا بالأمان، لأننا لن نجعلهم يعتادوا على الخوف مما نكتمه، ويرونا واضحين كالشمس.

    وبالطبع يُرصرص هذا الأمر البقية من الآخرين تجاهنا واتجاه آرائنا، فإن وُجِد ذلك الإنسان الذي يُصدم أو لا يتقبّل تعبيرنا المستمر، فمن الأصلح اكتشاف هذا الأمر مبكرًا، عوضًا عن انتظار تلك اللحظة التي بالكاد نعبّر فيها عن شيء ما داخلنا ليرُد علينا.. «ما أتوقعتك كذا!».. ولسان حالنا يجب أن يقول: «هذا ما أعبّر عنه، سواءً توقعت ذلك أم لا، سواءً أعجبك أم لا».

    شخصيًا، أحمد الله أن مهنة الكتابة هي وسيلتي الأولى للتعبير (حتى مع المقرّبين) وإلا تحول اسمي لأحمد المليء بالعُقد، عوضًا عن أحمد الذي يكتُب.

    الشاهد، عبروا…

  • مشكلة عدم الممارسة

    لدي اعتراف اليوم، أن الممارسة المتعمدة (Deliberate Practice) لأي أمرٍ نحبه ونرغب في ممارسته في حياتنا، يُصبح صعبًا جدًا إن تركناه لفترة. ستجد أنك وإن كُنت تُحب الطبخ وتركته لفترة، أن دخولك له وتعاملك مع أشيائه سيُصبح مُختلفٌ قليلًا عما اعتدت عليه. تشعر فجأة أن الطاوة أصبحت أثقل من ذي قبل، وتنسى أماكن البهارات، وبالطبع ستسأل نفسك مرتين إن كان يجب عليك أن تطبخ البصل قبل بقية الخضروات أم العكس؟.. وستتذكر فجأة أن الدجاج كان يفترض به أن يخرُج من الفريزر منذ البارحة. وما قد يحصل بعدها أنك ربما ستستعيد التفاصيل الصغيرة قليلًا.. قليلًا.. حتى تكتشف أن وحيًا ما أتاك من العقل الباطن ليعلمك ما يجب أن تقوم به في الخطوة التالية.

    الممارسة المتعمدة، دائمًا ما تكون اختيارية. فإن قررت أن تترك الفن الذي اخترته لنفسك منذ وقتٍ طويل ستختفي منك «الحِرفة» حتى وإن كان لديكَ بعض المهارات. مثل الذي شاهد مباراة اعتزال مارادونا وهو شديد البدانة، مع ملاحظة وجود لمسات فنية مختفية داخله في مكانٍ ما!

    تمامًا مثل الرسّآم، وتمامًا مثل شخص يحاول أن يكتب بعض انقطاع شهر.. شهر واحد فقط!

    أقصى درجات الإنجاز في الفنون هي عندما تتحول الممارسة المتعمدة لها لروتين يومي، وكأنها إحدى فروض الصلاة. لا تتخيل حياتك دونها، أو بلُغة أكثر دقة، لا تود أن تتخيل حياتك دونها رغم أنه لا يوجد أي شخص سيُحاسبك إن اخترت ممارستها أم لا. هي في العادة أمرُ لا يشعر بحاجته إلا صاحبه، ولا يحارب على إقناع نفسه بممارسته إلا صاحبه، كالرياضة، والمذاكرة، أو كما كان يقول لنا أهالينا «إن ذاكرت فلنفسك، وإن أهملت.. أيضًا لنفسك».

    القطعة الأولى من هذه المقالة كانت شديدة الثُقل، وها هو الوحي يمارس دوره المعهود الآن مع الوصول لهذا السطر. ولهذا كان يردد الروائي «ستيفن كينج»: «ستتحول شخصياتك لشخصيات عِوضًا عن أشخاص حقيقيين.. إن تركتهم لأكثر من يومين».

    لا يوجد ما يجعل الإنسان أكثر نضارة فيما يمارسه سوى اتخاذ القرار يوميًا بممارسة ما لن يعاتبه عليه أحد إن لم يمارسه.

    اخترت أن تكون طبّاخًا؟.. مهمتك أن تطبخ كل يوم دون أن يطلب منك أحد.

    كاتب؟.. اكتب كل يوم، في وجود الإلهام أو دون وجوده.

    الممارسة الاختيارية هي قرار نتخذه كل يوم لنذكّر أنفسنا بأهمية وجودنا في هذه الحياة.

    نذكِّر به أنفسنا بأننا لم نُخلق لنكون عُرضًة للظروف وموجات الحياة. كلما نمارس ما نختاره، فإننا نخبر الآخرين وأنفسنا بأننا إنسانيين ولسنا قطيع من الغنم، نختار ما نريد القيام به، لأننا نملك العقل ببساطة، ولا نملك أمرًا آخر يجعلنا أكثر قُربًا للحياة.. الحياة الحقيقية التي نختارها.

زر الذهاب إلى الأعلى