Month: March 2020

  • عن المرأة التي تتعامل مع رجل مشتت: مقال ساخر

    «داخل حمَّامات مطار أمستردام، وضعوا مُلصقًا صغيرًا أشبه بذبابة في منتصف كل مبولة، وبعدها تغيَّرت الأحوال كثيرًا إلى الأفضل، فقد بدأ الرجال يستهدفون هذه الذبابة أثناء التبول، مما حسَّن دقة التصويب وقلل تناثر البول، وخفض تكاليف نظافة الحمامات إلى الربع.»

    كان هذا الاقتباس في مطلع «الباب الرابع» من كتاب «من علّم عبد الناصر شرب السجائر؟» للكاتب المصري الساخر اللطيف، عمر طاهر.

    ويكمل: «تستحق التقدير المرأة التي تمتلك مهارة التعامل مع هذا الكائن المشتت، [المرأة] القادرة على إدارة العلاقة مع كائن يرتبك وهو يمارس فعلًا غريزيًّا، يضعون له علامات لإنقاذ العالم حوله من الطرطشة، فما بالك به وهو يُعبر عن أي مشاعر أخرى أكثر تعقيدًا؟»

    يعرّف الكاتب ضمن تعريفاته كلمة «خِرِع» وهي كلمة مصرية متداولة عند بعض أهل الحجاز بوصفه: «هو الشخص المندهش المنبهر بالأحداث لدرجة أنه لا يحسن التصرف معها»، وهي صفة -إن استرجعتها المرأة في حياتها مع أي رجل- ستجدها متكررة في حالات كثيرة. وقد قالها الكاتب معلّقًا على ذكاء بعض النساء الذي يصل بها إلى قدرة عالية في ابتكار أوصاف أو ألقاب تجاه كائنهم المشتت كل فترة، إحداها هذه الكلمة، متفادية كلمات «تسم البدن».

    شخصيًا، أجد أن من الذكاء والحكمة أحيانًا إيصال القدر الكافي من التهزيء في المواقف الحياتية مع كل شخص ارتأينا استحقاقه لذلك، وطبيعتنا البشرية المتطورة هذه الأيام تحصر موضوع التهزيء في خانة إلقاء الكلمات فقط (أفضلها طبعًا الحوار البنّاء) لنصل بها إلى الحد الذي «يصحصح» الطرف الآخر ولا يجرح كرامته، فبالتأكيد لا يجب أن نضرب أو نشتم.. هذا إن كان هناك أصلًا داعٍ للتهزيء.

    ذكاء المرأة مع رجلها المشتت كما يصف طاهر لا يخرج عما قاله «جون كلير» بأن «طموح كل رجل أن يصل إلى قبره دون لحظة إحراج واحدة». وهذا الكلام واقعي إلى حدٍ كبير. فلا تزال «الأنا» والبرستيج الرجولي غير المعلن هو المحرك لـ ٩٨٪ من تصرفات الرجال في هذا العالم، وإن أحسنت الآنسات التعامل مع هذه الحقيقة، فهي قد أحسنت التعامل مع كل شيء تقريبًا في هذا العالم.

    بلغة أخرى، إن أحسنت المرأة التهزيء (وقت الحاجة) متجنبة: الفجور، والتجريح، وقلة الأدب، وعدم مساس الأنا، في نفس الوقت الذي يجعل رجلها المشتت «مصحصحًا»، غير مستحقً للتهزيء مستقبلًا، فهي في طور النوابغ.

    كان الله في عون الجميع.

  • بخير؟ وقائمة القراءة

    أعتقد أن الوقت قد حان هذه الأيام لهوايات جديدة من نوع محدد: الاستمتاع بالتفاهات، والاعترافات وتأمل حال الناس وهم يتجاوبون معنا في ظل هذا الانغلاق.

    تجربة قراءة نوع جديد من الكُتب، وبالمناسبة هذه قائمة قراءاتي الحالية:

    كتاب رائع، وصلت إلى ثلثه، ينقل المعلومات الثقيلة وتخلف الأمريكيين في الغذاء إلى قالب جميل وخفيف الدم (حتى اللحظة). عيبه بالنسبة للكثيرين حجمه الضخم.

    أخبرت الجميع بأن رغبتي الجامحة للانتقال إلى الأدب الساخر مازالت في الأفق، ومثل هذه القراءات ستسهل المهمة. عمر طاهر. كاتب ساخر خطير.. هذا الكتاب الثالث الذي أقرأه له، وهو سياسي اجتماعي فكاهي، أعتبره آخر من انضم لقائمة أفضل خمس كتاب عربيين بالنسبة لي.

    يا لهذا الكاتب العظيم، تأملات في النفس البشرية تجعلك تمسك بقلمك لتؤشر في الكتاب طيلة الوقت، كتاب وكاتب خطيرين، التحدي الأكبر أن هذا الكتاب ثقيل في عدد الصفحات والمحتوى أيضًا، لا يمكن إنجاز قراءته بسرعة وسهولة.

    • اقتصاد من لا اقتصاد له للدكتور حمزة السالم (لسبب ما أصبح غير مُتاح على كيندل)

    أحد رواد الاقتصاد البارزين مؤخرًا، يتميز بحسّين متناقضين، خفة ظل وعصبية، وهي واضحة في كتاباته، وصلت إلى منتصف الكتاب، يعلمك باختصار كيف تفهم عالم الاقتصاد وقوانينه الرئيسية، مفيد جدًا.

    وسنكون بخير إن اقتنعنا بأن التغيير سنة الكون، مع الإبقاء على قناعة أن التسارع هو ما يجب أن نقنع أنفسنا معه أننا بخير.

    كان الله في عون الجميع.

  • الحجر وأهم ثاني شيء في حياتك: مشاكل شخصية حالية – مقال ساخر

    سأبدأ مع مشكلتي الثالثة وسأترك المقدمة للنهاية..

    مشكلتي الثالثة، أنني فعلًا أشغل نفسي هذه الأيام بالأمور التي أحبها جدًا، وهذا مُضر بالصحة. فأنا وإن كُنت أحب الكتابة مثلاً، اكتشفت إنني أحب الأكل أكثر.

    وأؤمن منذ مدة طويلة أن الإنسان يجب أن يصرف معظم وقته وجهده في أكثر ثاني شيء يحبه في حياته، فالمرتبة الأولى محجوزة دائمًا للأهل والأبناء والشهوات واللعب والكسل والنوم والأصدقاء والمال وفيفا، وأشياء كثيرة أخرى، ومن الموضوعية أن أتركها خاوية لأتحدث عن أكثر ثاني شيء نحبه!

    الشاهد، أنني في الحقيقة من فئة الأشخاص الذين حاولوا مقاومة الموجة بشكل مختلف قليلًا، فمنذ مدة طويلة اتخذت قرارًا استراتيجي مع حِرفة الكتابة، وهو عدم التطرق أو الاقتراب من المواضيع الدارجة، خصوصًا الاجتماعي منها، ويؤسفني أن الدارج مع كتابة هذه السطور هو ذلك الفايروس الذي لا أريد أن أذكر اسمه. ويؤسفني إعلان انهزامي.. هكذا ببساطة.. لأختصر الطريق. بلغة أخرى حاولت أن أُطبِّق مفهومًا شهير في عالم الفنون وهو: أن تحاول دومًا خلق فن يدوم على الأقل عشر سنوات مستقبلًا، بالبلدي.. يجب أن أستهدف من خلال هذا المقال قارئ ٢٠٣٠م، وهو مع الأسف سوف لن يهتم كثيرًا بما حصل قبل عشر سنوات.. هل تذكر إيبولا؟ وهل يهمك معرفة أخبار إنفلونزا الطيور الآن؟

    إلا أنني أواجه بعض المشاكل الغريبة تمامًا عليَ تزامنًا مع غرابة حال العالم وعزلته.. وهي أن هناك دافع غير محسوس داخلي يود أن يكتب ويتناول المواضيع الساخرة فقط. فأنا -وربي العالِم- أميل وأتمنى أن أميل أكثر إلى التعابير /الأدب الساخر والمتهكم في كل ما أكتب، فأجد أن الحقيقة والعلم والثقافة والإقناع كلهم يختبؤون داخل هذا النوع من الفنون، خصوصًا إن تسلّح بتثقيف ذاتِ عالٍ. بل أنني أجد أن التعبير الغربي الشهير بقوله «الناس يأخذون كلام السياسيين على سبيل المهزلة، ويأخذون كلام الكوميديين بجدية» صحيح إلى حد كبير.

    مشكلتي الثانية، أنني فعلا لا أريد أن أتحدث عن شيء متعلق بالفايروس، إلا أن العقل لا يريد أن يخرج من حجره هو الآخر. وجدت في تأملي مؤخرًا أن وجودك في بيئة أيًا كانت، مؤثر إلى حد أبعد مما تتصور بكثير، فإن كنت وسط عالم لا يتحدث سوى عن ذلك الفايروس، فستكون مهمتك صعبة جدًا بمحاولة عدم التحدث عنه، وإن قال لك أحدهم أنه «مطلوب صديق لا يتحدث عن الفايروس» فانصحه بأن لا يكون دراميًا. هذا أحد أهم الدروس التي خرجت بها عن قناعة وتجربة حقيقيين، بأن تُحيط نفسك -بعد الحجر- بأناس لا يتحدثون عن شيء لا تود سماعه أو سخافات لا تود أن تقترب منها.. أو ما شابه ذلك على وجه العموم.

    مشكلتي الرابعة، أنني فعلاً فقدت الإحساس بالوقت، فأنا أركض كل يوم في محاولة سرقة الساعات الفارغة لصالح أهم ثاني وثالث شيء أحبهم، وأصبحت أوبخ كل من في البيت في محاولة الانغلاق لأنجز ما يمكن إنجازه دون إزعاج. أصبحت حياتي كلها تدور حول «كم كلمة أنجزت؟» و«ماهي الوجبة التالية؟»، ومن حسن الحظ أن جنوب فلوريدا لم يقرروا بعد كيف سيكون شكل «حظر التجول» فالناس هنا شبه محجورين مقارنة بأحبابي في المملكة. وهذا ما جعلني أستطيع أن أسرق من ساعة إلى ساعة ونصف يوميًا في ممارسة رياضة الجري.

    الاستيقاظ مبكرًا، وتقديم الوجبة على عدد الكلمات أولاً، ثم استيقاظ البنات وإعطائهم وجباتهم مع حس إبداعي عالِ، ثم إيهام نفسك وأنت أمام جدار الغرفة وشاشة الكمبيوتر والطاولة التي ستساهم بحصولك على آلام فقرات بعد سنوات قليلة، وإضاءة إيكيا التي ترتطم برأسك كل يوم تقريبًا دون أن تفكر بتغيير مكانها، أنك الإنسان الأكثر إنتاجية في هذا العالم، ثم تظل تتمسك بوهمٍ مصاحب بإقناع نفسك أن ما تقوم به هو أعظم شيء في التاريخ وأجمل خبر في الدنيا، أو كما أشار الأديب الأمريكي العالمي «جون شتاينباك» الذي قاده نفس هذا الوهم بالحصول على جائزة نوبل للآداب عام ١٩٦٢م، وإبداع رواية «عناقيد الغضب» ومشاريعه الكتابية الأخرى.

    ثم تكتب عدد كلمات لا تعلم إن كانت الناس من شدة فراغها ستقرأها في مدونتك أم لا، ثم تسترق بعض النظرات إلى نِكات الجوال وأصوات الجيران وسلوك المراهقين الغريب وأنت تشاهدهم من نافذة الكِبر! وبالطبع.. تفتح الباب كل ربع ساعة منتظرًا شيء نسيت فعليًا إن قمت بطلبه أون لاين أم أنك أبقيت عليه في قائمة «الأمنيات – Wish List». هذه التصرفات لا يمكن لإنسان عاقل مشغول أن يتأملها بهذا الوضوح. إلا أن حالة الإبداع لا تلتصق بصاحبها إلا بمعايشة نوع من أنواع الضغط، وها أنا أعترف أنني من شدة انشغالي أصبحت في طور إبداع غير الذي رسمته لنفسي. بل إن طموحات هذا الإبداع طالت بأن أشارك ما أكتبه هذه الأيام في مسابقة وزارة الثقافة الكريمة!

    تأملت أيضًا رغبتي بأن أخدم هذا العالم بأفضل ما يمكن (وربما تكون هذه مشكلتي الخامسة)، فقررت فجأة أن أتحمس وأخرج للمتابعين بمشروع جديد (أعلم جديًا أنني لا أرى نفسي فيه).. وهو إقامة ورشة عمل كتابة أون لاين، محاكيًا أحد المشاهير الذي خرج وغنى لجمهوره أون لاين، وأيضًا مجموعة الطبّاخين الذين أتابعهم أكثر من زملائي الكُتاب وهم يقومون بعرض وجباتهم وطرق تنفيذها.. وطبعًا غيرة من بعض الصديقات الفاضلات الذين أغرقوا «التايملاين» الخاص بي وهم يقدمون محاضراتهم النفسية والريادية وأنا أتفرج عليهم حاملاً كيكة الشوكولاتة في يدي والتي أصنجت زوجتي من كثرة طلبي لها.

    أود أن أشعر بأنني شخص ذا قيمة بأي شكل.. فجأة.. وكأنني طوال سنوات كنت أخدع الآخرين!

    وكأنني لا أقوم كل يوم بصنع إفطار بناتي وعشاءهم بأفضل شكل!

    أود أن أنتقل إلى خانة المؤثرين وراكبي الموجة في الوقت الخطأ. وحِس الرجولة والأنا لا يريد أن يسكت دون أن يأخذ حيزًا من فراغ الآخرين الموزع بالعرض على كل شيء كان لا يهم وأصبح مهمًا!

    كان الله في عون الجميع

    مقدمة:

    أتأمل هذه الأيام سلوك الناس من زاوية واحدة، وهي إيجابية-أو-سلبية «الحجر الصحي» على نفسياتهم. في الحقيقة، أشعر بنوع من الانتصار عندما أسمع شخصًا ما يقول إنه إلى حدٍ ما مستمتع أو لا يواجه مشكلة جذرية مع الحجر، وأشعر بنوع من السعادة عندما أسمع أن شخصًا ما مشغول جدًا في يومه سواء بوجود أو من دون وجود حجر عليه.

    وجدت من ناحية فلسفية، أن عقل الإنسان فعلًا هو المتحكم به وفي نفسيته، فالظروف بالطبع لا يمكن لنا التعامل معها إلا بطريقتين: إمّا المقاومة أو الانسجام، والمقاومة هنا تحمل في بطنها معنى سلبي، كالبحث عن طرق تحايُل نستطيع من خلالها تغيير الظروف، وهي ما لا أشجعه بالطبع.

  • الإطار

    كل الخيارات متاحة هذه الأيام.

    الفرق أنها خيارات محصورة في إطار. هذا الإطار مكاني. في الوقت الذي اعتدنا فيها في فترات سابقة الإطارات من نوع مختلف.

    طالما الخيارات متاحة داخل العقل، فلا يهم حجم الإطار المكاني.

    كان الله في عون الجميع.

     

  • الإنسان عدو ما يجهل

    في أواخر يوليو ٢٠١٤م، كان الأمريكيان «كينت برانتلي» و«نانسي ريتبول» قد أُصيبا بڤايروس «إيبولا» وهما في مهمة طبية غرب أفريقيا تتعلق ببحثهما حول الفايروس. قامت الولايات المتحدة (بإشراف الرئيس الأمريكي أوباما آنذاك) بإرسال طائرة إخلاء طبي لنقلهم إلى الولايات المتحدة لاستكمال العلاج في أسرع وقت، وتقديرًا لجهودهم المهنية.  ما حصل وقتها، أن بعض الصحف أساءت ذكر الموضوع، لتظهر بعض المانشيتات في اليوم التالي تقول: «إيبولا وصل إلى الولايات المتحدة!».

    استقبل هذا الخبر رجل الأعمال «دونالد ترمب»، واستلم الجمهور بسلسلة بتغريدات حادة يحذّر فيها استقبال مرضى «الإيبولا» في الولايات المتحدة، وقد كتب نصّيًا في تغريدته الأولى:

    “Stop the EBOLA patients from entering the U.S…. THE UNITED STATE HAS ENOUGH PROBLEMS!”

    «أوقفوا مرضى الإيبولا من الدخول إلى الولايات المتحدة، فالولايات المتحدة تملك ما يكفي من المشاكل».

    كانت غزارة تغريدات «ترمب» على مدى الأشهر التالية مزعجة للمسؤولين في هذا الشأن، ويُخيل إليَ أنه تحمّس مع الخبر الخاطئ بالطريقة الخاطئة باندفاع كبير.. وكأن ما كان ينقصه مستشار ما يخبره «سيدي.. هدئ اللعب رجاءً»، قاد ذلك الاندفاع نائبة مستشار الأمن القومي للرئيس أوباما «آمي پوپ» للتعليق: بأن ما يفعله ترمب (وهو على بعد أشهر من قراره للترشح للرئاسة الأمريكية) ما هو إلا ابتكار لقلق جديد ينشره أمام المليونين ونصف متابع له على تويتر!

    وفي أواسط شهر مارس ٢٠٢٠م، صرّح الرئيس الحالي للولايات المتحدة بأن «الفايروس [يقصد كورونا] لا يملك أي فرصة ليفتك بنا»، ومع عدة تصريحات تهكّمية أخرى منه في الإعلام بأن العالم قد بالغ في ردة فعله تجاه هذا المرض الذي لا يتجاوز في خطورته الإنفلونزا العادية، هذا ورغم تفاعل ومناشدة الكثير من الجهات الرسمية للتعامل بشكل جدي أكبر مع هذه المصيبة، في ظل أن الولايات المتحدة (بجميع ولاياتها) قد قامت بعمل ١٣،٠٠٠ فحص رسمي للفايروس منذ يناير ٢٠٢٠م حتى تاريخه، بينما دولة مثل كوريا الجنوبية تمثل أقل من سُدس الولايات المتحدة تقوم يوميًا على الأقل بعمل ١٠،٠٠٠ فحص رسمي للفايروس لمواطنيها والمقيمين.. يوميًا.

    وأخيرًا، قررت الولايات المتحدة نشر حالة الطوارئ، وأخذ الموضوع بجدية قصوى قبل كتابة هذه السطور بأيام.

    *****

    شخصيًا.. أقوم بالكثير من التصريحات والتصرفات الاستفزازية من فترة لأخرى أمام أصدقائي، كأن أخبرهم أنهم فاشلين في لعبة ما، أو أنني سأكسّر رؤوسهم في صكة البلوت القادمة؛ الغرض منها تهييج المشاعر وإضفاء بعض الإثارة، وأقوم بنفس الشيء عندما ألعب لعبة «الفيفا» مع أبناء إخوتي. تعطيني هذه التصرفات وقتها نوع من الدافع والتحدي الخفي والإحساس بالأدرينالين وهو يسير في جسدي. أستمتع جدًا بروح التحدي التي تظهر في الشخص الذي أمامي. كل ذلك في سبيل محاربة الملل، مع التنبه بشكل واضح بأن احتمالية خسارتي واحتمالية وجود ردة فعل عنيفة من أصدقائي موجودة.. إلا أنني لا أمانعها إطلاقًا، فهي في النهاية جزء من تركيبة الإثارة والحماس. وفي النهاية لا تخرج عن كونها في إطار الألعاب بين أقرباء وأصدقاء.

    شاهدي، أنني في تلك اللحظات أنا على وعي كامل وإلمام بتصرفاتي. وبالطبع لا أقوم بنفس الأمر إن تعلّق بشيء حول أسرتي أو بناتي أو مالي. فالتصريحات والتصرفات هناك محسوبة، ولا تتحمل إلا أقصى مستوى من الجدية.

    عدم الاندفاع بالاستفزاز أو بالتصريحات أو بالتصرفات السيئة أمام الأمور المهمة سببه جهلي بالنتائج. فمن الأجدى لي الصمت والترقّب والتعامل بجدية، على أن أصبح عدوًا لما أجهله بما أقول.

    كان الله في عون الجميع.


    المصدر:

  • التعليم العام والخاص والخيابة

    قبل أسبوع، كُنت جالسًا في إحدى اجتماعات العائلة عندما استعرضت عليهم إحدى مشاريعي القائمة هذه الأيام -غير القابلة للنشر للعامة ولكم أعزاءي القراء- وهي «مقارنة بين مخرجات التعليم الحكومي والأهلي وكيف أصبحوا اليوم كل من تخرجوا من القطاعين: دراسة على الجيل الثالث من عائلتي (أحفاد والدي)».

    كانت نتائجها المبدئية باختصار تقول: بأنه كلما زاد معدّل صرف الآباء على أبناءهم في الدراسة (بين مدارس خاصة ومدرّسين خصوصيين) كلما كانت نسبة خيبتهم أكبر.

    بالطبع هناك استثناء، وهذا بالتحديد أحد أهم الأسباب التي تجعلني أتمهل في نشر ما توصلت إليه حتى أستفيض أكثر في التفاصيل. إلا أن الأمر الاخر اللطيف والبديهي المكتشف، بأن الطالب الشاطر سيكون شاطرًا سواءً في المدارس الحكومية أو الأهلية.

    وهناك رأي فلسفي آخر يقول: أن الأهالي يدفعون لأنفسهم إحساس الرضا بأنهم مسؤولين، أكثر من كونهم يدفعون قيمة مدارس أبناءهم الخاصة. تمامًا مثل أن يشتري الأب لطفله حذاء «بيربري»، فالطفل لا يعي الفرق بين العلامات التجارية الفاخرة والدونية، ولا يعي فرق السعر، لكن الأب يعي ذلك.. وهو يخبر نفسه أنه يختار لابنه الأغلى والأفضل ويحاول أحيانًا بمثل هذا التصرف أن يغطي إحساس ما بتأنيب الضمير، بغض النظر عن ذوق وإعجاب الابن بذلك الحذاء.

    بدأ موضوع البحث بالإمساك في رأسي بعد أن علّقت إحدى صديقات إخوتي (سيدة خمسينية) عن حال ابنتها التي دخلت المدرسة الخاصة المعروفة في جدة «دار …» من صف الأول الابتدائي حتى الثالث ثانوي، لتتخرج وتدرس في جامعة الملك عبدالعزيز «أدب إنجليزي»، وهو تخصص مستهجن ولا يليق بحجم الصرف التي قامت به السيدة -على حد تعبيرها- طوال تلك السنين، فهي لم تستثمر لتخرج ابنتها للبحث عن أي تخصص بالكاد سيقبل بها، عوضًا عن الحلم التقليدي حول الطب أو الهندسة. بل أن خيبة الأمل مع هذه القصة – إن لم تخنّي الذاكرة – اكتملت بعدم رغبة الفتاة بالعمل في وظيفة بعد تخرجها من الجامعة، بل فضّلت البقاء في البيت في النهاية في انتظار بعلها المستقبلي.

    على كل حال، لا أود أن أبالغ في هذا الشأن، فالموضوع معقّد ومتشعّب، إلا أنني أود أن أُشير بأن أحد الأمور المهمة التي خرجت بها بأن نجاح الطفل الدراسي يعود إلى توفيق الله تعالى، ومشاركة الأهل بشكل كبير في التربية والدراسة والتكوين الشخصي، بغض النظر عن نوع المدرسة.

    باغتتني ابنة أختي – حادة الشخصية – وقتها بسؤال: ماذا عنك أنت؟ ماذا درست وكم كانت نسبتك عند التخرّج؟ لترد عليها خالتها بأنني تخرّجت بحوالي الـ (٧٤٪)، لتنفجر ضاحكة.. مو معقول! لا أصدق.. أنت يا خالي ٧٤٪؟ .. هاهاها.. كل ذلك و٧٤٪؟ … أخبرتها أن خالتها بالغت في الأمر.

    إلا أنه وعلى السيرة، فإن موضوع النسبة (الجامعية أو الثانوية) مهمين لحد ما صراحةً؛ فهم يعطونني مؤشرًا لمدى تماسُك عقل الشخص الذي أمامي. وعلى نفس المنوال والسيرة، كانت لدينا حِزمة مقابلات شخصية للتوظيف قبل أسابيع، لم نستطع أن نحدد شخصية المتقدمين -لعدم وجود خبرة لدى معظمهم- سوى من خلال مؤشر يتيم، وهو معدّل التخرج.

    على كل حال، بالفعل بالغت أختي بالرد على ذلك السؤال، وقد تداركت الموضوع بقول الحقيقة وكسر المبالغة حيث أنني تخرجت بنسبة ٦٦،٨٪، لتقترب ابنة أختي حد الإغماء من شدة الاستهجان والضحك، وبأنها حتى وإن حاولت بنية صادقة أن تصل لهذا المعدل الواطي فإنها لن تستطيع.

    كان الله في عون الجميع.

  • حزمة اعترافات

    اليوم لدي حِزمة اعترافات لا طائل منها، وربما لن تضيف لعقل القارئ الكريم، إلا أنها ككثير من الأمور في هذه الحياة، يجب أن تكون موجودة وكفى. مسؤولية استخراج الدروس ليست علي اليوم رجاءً:

    1. مضى زمنٌ طويل لم أكتب فيه حرف. الفترة الأطول منذ عام ٢٠١٤م. وعلى عكس جميع الفترات السابقة، فإنني اليوم وأكثر من أي وقتٍ مضى أملك في جدول مشاريع هذا العام مشاريع كتابية أكثر مما كتبته طوال حياتي، وهي يجب أن تُنجز قبل نهاية السنة. كيف؟ الله أعلم.

    أُحسَب هذا العام (٢٠٢٠م) ضمن فئة الأشخاص الذين يملكون بدايات جديدة جذرية في حياتهم. فالاختلافات الحياتية والعملية لم أكن أتوقعها من قبل، للدرجة التي تجعلني ها هنا أتحدث عن جزء من ظروفها، في حين أنني لا أدعوا الأحباء الكُتاب دومًا للحديث عن أنفسهم وحياتهم الخاصة، إلا أنني اليوم أود أن أستعير بطاقة الاستثناء، التي أصبحنا نستخدمها كل يوم كأنها بطاقة صرف آلي أو ائتمان.

    1. أُسرتي تعيش -مؤقتًا- في فلوريدا.. وها أنا هنا معهم بعد أن استطعت أن آخذ آخر رحلة على الخطوط السعودية إلى واشنطن قبل قرار منع الرحلات الدولية (حرفيّا كانت الرحلة الدولية الأخيرة من جدة).

    لا أود أن أذكر سبب منع الرحلات الدولية هنا لقارئ عام ٢٠٣٠م، ففي داخلي طاقة عِناد كبيرة تجاه أخبار ذلك الشيء الذي شلّ حياتنا وقادنا لتغييرات قد تلامسنا لسنوات عديدة قادمة. على كل حال، انقسام الشخص بين نمطي حياتين مختلفتين تمامًا، أمر مرهق قليلًا. لدي أعمالي والتزاماتي وشركتي الجديدة في جدة، ولدي زوجة وبنات يتوقعون أن أكون معهم طيلة الوقت في جنوب فلوريدا. عندما أكون في جدة، يعتقد أهلي وأصدقائي أنني إنسان «فاضي» ليس ورائي أسرةً تسأل عني. وعندما أكون في فلوريدا، يتوقع الأحباء هنا أنني أيضًا «فاضي» طالما أنني لستُ في جدة حولي مكتب وزملاء وعملاء، ولأنني بالطبع لستُ منضمًا لبرنامج الابتعاث.

    هناك صنفٌ ثالث، يعتقد أنني أعيش أجمل أيام حياتي، لأنني أملك بعض الرفاهية في التنقل بين مدينتين كل شهر ونصف، وهذا أمر لا يُقدّر بثمن. وهو في الحقيقة كذلك، إلا أن لحظات الإرهاق وارتجاف اليد والرأس من تعب الرحلة التي تتجاوز العشرين ساعة بشكلٍ دوري شهزي يُنسيك أي حسْ مرفّه، ناهيك عن فارق التوقيت المزعج لنومك ولأعمالك.

    فلكي تنجز مع مهامك في السعودية، فإما أن تستيقظ باكرًا جدًا، وإما أن تُطيل السهر، لتستطيع التواصل مع أصحاب المهام هناك.

    1. أعتقد أنه من المجدي أن أخرج ببعض القراءات بعد أن أنتهي من تجربة العيش بين مدينتين، ربما على شكل كتاب، وربما على شكل مقالات مطولة، بعضها عن أدب السفرات، وبعضها عن تأملات اجتماعية نفسية (وربما سأخصص كتاب أو كتيب عن عادات الأمريكيين السيئة في التسوق والطعام وأنهم لا يرحمون أنفسهم مع الطفح الغذائي الذين يعيشون فيه!)
    2. للمرة الأولى في حياتي اقترب من حلم كان غريبًا ومستحيلًا. وهو أن تصبح الكتابة مصدر دخل رئيسي.

    مشكلة هذه النقطة أن الإنسان لا يعرف أحيانًا ماذا يريد من حياته، فإن تفضّلت وسألت أي شخص في هذا الكون (ماذا تريد من حياتك؟) ستجده يندفع ويخبرك بوظيفة أحلامه، أو ليخبرك عن حلمه باقتناء منزل/سيارة/ساعة/سفرة//زوجة العمر. إلا أن العزيز «رايان هوليدي» كتب في مقالة مطولة عن ماهية ذلك الشعور الذي يصيبك عندما تملك كل شيء حلمت به في حياتك.. ليلخصه في كلمتين: لا شيء.

    شعور بارد، ليس كما توقعته، لا يشعرك برضى داخلي كبير ربما، إلا أنه يعطيك فرصة للتفاخر المؤقت أمام الآخرين، ويعطيك نوعًا من الضياع الذي لا تستطيع وصفه. في الوقت الذي أصبحت فيه هذه الحِرفة -الكتابة- جزءً لا يتجزأ من شخصيتي وحياتي وتكويني، فهي في ذات الوقت أصبحت الشيء الأصعب بشكل غريب. الكتابة ككتابة ليست صعبة، إلا أن حوافها وسلوكياتها والإبقاء على مؤخرة الجسد فوق الكرسي كل يوم ودون توقف، أمر ليس سهلًا فعلًا. والكُتّاب على وجه العموم لا يستحقون أي نوع من التقدير على أفكارهم قدر التقدير والاحترام على قدرتهم بتطنيش ملهيات الحياة ليجلسوا ويكتبوا، حتى إن كان ما كتبوه هراءً منثور.

    رغم أنني لم أكتب منذ مدة، فبالتأكيد أن الكلام لا ينتهي.. نحن من ننتهي إذا توقفنا عن عمل شيء ما اخترناه أن يكون وسيلتنا للعيش.

    كان الله في عون الجميع.

Back to top button