Month: August 2020

  • الحماس يحسب ضمن الذكاء

    كيڤن كيلي في مقالته التي أهداها للعالم في عيد ميلاده الثامن والستين وهو عدد النصائح التي تضمنتها المقالة، لفتتني مثل غيري إحدى نصائحه – رقم ٢ تحديدًا – حيث قال: الحماس يُحسب كخمسة وعشرون نقطة إضافية في معدل الذكاء.

    صراحة.. لم أجد شخصًا يعطي الحماس حقه في حياتنا اليومية حتى قرأت تعليق السيد كيلي بالغ البلاغة.

    يدفعك الحماس لاختراع حلول لأشياء لا يوجد لها حلول. يخبرك بأن هناك أمور متاحة غير المتاحة.

    ذلك الذكي غير المتحمس في حياته لأي شيء. توجد منه نسخًا كثيرة. وأنت تعرفهم. وتعرف أنك تفضّل أن تكون متمحسًا قليلًا.. أكثر منهم.

  • ملاحظتين جديدة قديمة لقُراء المدونات

    ١. لازلت حتى كتابة هذه السطور وبعد هذه الأعوام من الكتابة لا أعلم جديًا ماذا يُعجب أو لا يعجب القارئ الكريم.

    لا يستطيع الكاتب أن يرسم بوضوح شكل المحتوى الذي يؤثر على قارئه أو يساهم بأي تغيير عليه.

    يظل يذهلني تفاعل أصدقائي القراء الأفاضل تجاه بعض المقالات التي ارتأيت أن مواضيعها بديهية وبسيطة في فكرتها، وفي المقابل لا يتفاعلون مع الأفكار المرهقة أو مع المقالات التي أخذت مني ما أخذت من وقت وجهد كبيرين. كنت أعتقد أن المقالات المختصرة هي الأكثر قراءة، إلا أن الزمن أثبت لي (بلغة أرقام المدونة) بأن المقالات المطولة هي الأكثر قراءة.

    وكنت أحسِب بأن الأفكار المعقدة أو الصعبة أو الاستثنائية، هي التي تلفت نظر القارئ الكريم، إلا أن الحقيقة مختلفة تمامًا.

    الأفكار البسيطة تلفت القراء المتطورين والمتقدمين علميًا وثقافيًا قبل القراء العاديين، وهذا أمر بحد ذاته مثير للدهشة بالنسبة لي؛ وتعقيبًا، كنت أحيانًا لا أود أن أهدي كُتبي أو مقالاتي لبعض السادة الأفاضل القراء النهمين أو المعروف عنهم قراءتهم للكتب المعقدة والطويلة، بسبب خشيتي بعدم تناولهم لما كتبت بجدية، إلا أن ما يحدث هو العكس. وجدت أنهم أكثر انغماسًا وبحثًا عن زوايا جديدة عن غيرهم من القراء العاديين.

    ٢. كلما زاد الكاتب في صدقه وتعبه، كلما امتلك فرصة أكبر في التأثير. يشعر القارئ فورًا بصدق الكاتب، ويلمس بسرعة إن كان يحاول أن يُفتي عليه. إلا أن ملاحظتي الثانية أو يقيني المتجدد هو معرفتي بأن الطريق الوحيد للكاتب لينجح ويؤثر لفترة أطول، لا يخرج عن هذه الأمور: الصراحة المطلقة، التثقيف المستمر، الغزارة في الإنتاج.

    باختصار.. عدم الاستهانة أبدًا في عقلية القارئ.

    وإن كان هناك نقطة رابعة؛ فهي الابتعاد عن البديهيات، أو التطرق لها من زوايا غير بديهية.

    كان الله في عون الجميع.

  • هذا هو المُتاح

    نعلم أن ستاربكس لا يقدم أفضل قهوة في العالم. ولكنه يتواجد أمامك في اللحظة التي تُفكر فيها بالقهوة، أو في اللحظة التي لا تفكر فيها بشيء ليذكرك أنك تشتهي قهوة الآن.

    مثله معظم مطاعم الوجبات السريعة، بمجرد أن تجوع، فهي بلا شك الخيار الأول.

    الخيارات المُتاحة هي التي تُشكل حياتنا.

    الاختيارات غير المتاحة دائمًا هي التي تُشكل حياتنا التي نريد.

    في الصحة يجب أن تختار غير المتاح؛ أن تطبخ في المنزل، وأن تبحث عن الاختيارات الصحية وتبتعد عن الأسهل.

    في الأصدقاء كذلك؛ هناك الأنواع المتاحة، وهناك من تحتاجهم ومن يجب أن تبقيهم بالقرب.

    شريك الحياة.. الوظيفة.. وغيرها من الأمور الأهم، كثيرٌ منها خيارات متاحة. ومهمتك أن تختار.

    أحيانًا بعيدًا عن المتاح.

  • لا شيء شخصي

    عندما ينتقد شخصًا ما منتجك أو خدمتك أو حتى تصرّفك.. هو لا يقصد شخصك الكريم.

    في الحقيقة هو قد لا يهتم بشخصكم الكريم. وأحيانًا لا يريد أن يهتم.

    هو يهتم بنفسه؛ وقد أشعره ما قمت به باستنقاص.

    لا شيء شخصي.

  • هل أنت مُسرِف؟

    قبل الإجابة على هذا السؤال، ربما يستحق أن نُعيد تعريف الإسراف قليلًا.

    وهنا بعض ما يأتي في البال:

    1. هو شراء كمية أشياء أكثر من احتياجنا (من ملابس، أدوات، طعام إلخ.)
    2. هو شراء شيء نحتاجه بسعر أعلى من قيمته، كأن نشتري مرسام (سعره المعتاد ١ ريال) بمبلغ (٥ ريال).
    3. هو شراء شيء سعره غير مبالغ به، لكنه أعلى من مستوانا المادي (مجازًا: كأن يشتري شخص سيارة بالقرض سعرها مئتي ألف ريال، وراتبه لا يتجاوز العشرة آلاف).

    قد يكون الإسراف خليط بين بعض أو كل هذه التعريفات.

    وقبل الخوض، أود أن أُلفِت النظر لمفهوم مهم وهو: القيمة مقابل السعر.

    ويعرّف وورن بافيت هذا الأمر بقوله «السعر هو ما تدفعه. القيمة هي ما تحصل عليه»، وهناك فرق جوهري، فالقيمة تختلف على حسب الحاجة والاستخدام.

    أعتبر مثلًا شراء قهوة ستاربكس يوميًا وأنا ذاهب إلى العمل نوع من الإسراف، إلا أن نفس القهوة إن اشتريتها وأنا برفقة الأصدقاء لا تعد كذلك، والسبب أن الحالة الأخيرة أدفع فيها مبلغًا مقابل قيمة القهوة مع وجود الأصدقاء والجلسة. أما الحالة الأولى فهي مقابل كوب القهوة، الذي قد أوفّر ما نسبته ٩٠٪ من سعره على المدى الطويل إن اشتريت آلة قهوة وبُنْ ستاربكس.

    لا يجب أن نستغرب من شراء مصوّر محترف لعدسة بقيمة عشرة آلاف ريال ودخله الشهري بالكاد يصل إلى هذا الرقم. القيمة هنا أعلى من السعر، فقد تساعده هذه العدسة على خلق جودة عمل أفضل وبالتالي فرصة دخل أعلى وهي من صميم عمله ويومه. إلّا أن نفس هذه العدسة إن ذهبت أنا واشتريتها، فقد يظن من حولي أنني قد جُننت.

    كنت في عام ٢٠١٤م في منطقة سان ميشال المزدحمة في باريس، احتجت أعزّكم الله إلى بيت الراحة، واكتشفت أن كل المطاعم في تلك المنطقة غير مستعدة للتعاون بهذا الشأن، مما اضطرني لشراء ساندويتش (أقرب ما يكون إلى الشاورما) من محل شعبي، بقيمة سبعة يورو (٣٥ ريال تقريبًا) من أجل أن أستخدم دورة المياه. بالطبع أكلته رغم أنني لم أكن جائعًا، ومع ذلك فقد رأيت بأن القيمة هنا تتوازى مع السعر الذي دفعته. فلم أكن أود تخيّل أي نوع من المحاولات الأخرى لحل تلك الأزمة. السعر هنا غالي نسبيًا على ساندويتش بالكاد يؤكل، إلا أن قيمته عالية.

    الإنسان لا يجب أن يركز كثيرًا في سعر الأشياء وقت الأزمات، وإلا لمات من الغيظ.

    الفخ الذي أخشى من الوقوع فيه هو وهم الاعتقاد بأننا ندفع سعرًا مرتفع مقابل قيمة عالية.

    كأن تأتي أم كريمة –متوسطة الدخل– تشتري لابنها ذو السبعة أعوام حذاء «قوتشي»، لاقتناعها بأنها تختار الأفضل لابنها، وهي في نظر البعض تفعل العكس تمامًا.. تخرّبه بإدخاله في جو العلامات التجارية منذ هذا السن، وثانيًا أنها بذلك تحاول أن تدفع قيمة تقصيرها مع ابنها في أمور أخرى.

    المثال الأخير سطحي قليلًا، لكن الفكرة قد تطال أمور أكثر عمقًا وتعقيدًا، مثل المدارس الخاصة، الأندية المكلفة، وأشياء متعددة قد تستحق أن نتوقف عندها ونحلل فيها معادلة «القيمة» مقابل «السعر».

    أدفع لمدربة سباحة لبناتي مبلغ أربعين دولارًا للساعة هنا في فلوريدا، تأتي لتدريبهم عدة مرات في الأسبوع، وعند مراجعتي لميزانية هذه الدفعات نهاية الشهر (لأستوعب أنها مُكلفة)، اكتشفت أن أداء بناتي في السباحة مؤخرًا تطور بشكل جذري، واستوعبت أن سعر الحصص يوازي القيمة المحصّلة، وصرفت النظر عن المراجعة.

    رأيت بأن التعريف الأفضل للإسراف كان من قِبل الكاتبة المالية اللطيفة ڤيكي روبن في كتابها Your Money or Your Life وهو بالمناسبة كتاب رائع عن الإدارة المالية الشخصية، أنصح الجميع بقراءته، وقد شَرحت:

    الإسراف: هو شراءنا لشيء نكتشف فيما بعد أننا لم نستهلكه بشكل منتظم.

    أي شيء تشتريه لا تستخدمه بكثرة يعتبر إسراف.

    إن اشتريت سماعة جوال بقيمة ٢٥٠ دولار، أصبحت تستخدمها بكثرة لدرجة أنك تشحنها مرتين في اليوم، فهنا ربما لا يعد هذا الأمر إسرافًا!

    وهنا نفهم أننا قد نكون مسرفين في أمور ومعتدلين في أمور أخرى، وأجد أن التفرقة هنا صحية لمتابعة سلوكنا ونعالج أماكن الخلل.

    ولكي أساعد القارئ الكريم بالإجابة على سؤال العنوان، ربما أشجعه على تحليل مشترياته مؤخرًا؛ فأن كان بعضها لم يدخل ضمن قائمة الاستهلاك العالي، فقد أسرف فيه.

    والإنسان المسرف هنا، هو الشخص الذي اعتاد على شراء الكثير من الأشياء دون أن يستخدمها بشكل فعّال.

  • ما يقال خلفك من المفترض ألا يصل إليك

    سمعت هذه الجملة من الصديق العزيز عمر عاشور قبل فترة.

    أستغرب أحيانًا حرصنا نحن البشر على معرفة ما يُقال خلفنا.

    فإن كان الهدف هو معرفة الأشخاص الجيدين من السيئين، فإن الحِرص على المعرفة هنا غير عملي بصراحة.

    أريد أن أكون واقعيًا بعض الشيء، ففي وقت الزعل من السهل أن يُقال عنك الكثير خلفك، وفي وقت الفرح يحدث العكس ربما.

    السلوك في حد ذاته بالطبع غير مقبول. لكن محاولتي اليوم تدور حول إقناعك أنت بعدم البحث عمّا يقال هناك.

    فإن كان من قالها يملك الشجاعة، فسيقولها أمامك ببساطة.

    الانتباه اليوم في هذا العالم المتسارع أصبح نادرًا وغاليًا. وليس هناك داعٍ لأن يضيع خلف الكواليس.

    نحن بالكاد نُكوِّن رأيًا تجاه الآخرين من خلال ما نراه في التواصل الاجتماعي.

    بالكاد نربط صورهم بواقعهم.

    بالكاد نميز الحقيقة من الاستعراض.

    كان الله في عوننا.

  • هل الحظ بشكل مجرد من الممكن أن يصل بالإنسان إلى مكان بعيد؟

    .. أحاول الإجابة على هذا السؤال مع قرب انتهائي من كتاب ماري ترمب الشهير (Too much and never enough) عن عمها دونالد. الكتاب باع أكثر من ٩٥٠،٠٠٠ نسخة حين صدوره في يوم واحد. (مبيعات يوم واحد فقط من هذا الكتاب تساوي تقريبًا عشرين ضعف مبيعات تاريخي الكتابي وما كتبته طيلة حياتي حتى الآن).

    أتكلم هنا عن حظ العم (رجل الأعمال)، وليس ابنة الأخ.

    كلما تأملت في التفاصيل أكثر، كلما كان من المثير معرفة أن رجل الأعمال دونالد ترمب لم يكن فعلًا بأي مقياس عصامي أو عملي إنسانًا ناجحًا (حسب الكتاب).

    قصة واحدة:

    تحكي ماري عندما كان عمرها تسعة وعشرين عامًا، وهي خريجة تخصص علم النفس، وجيدة جدًا في الكتابة (إضافًة إلى قدرتها الجيدة على تلميع صور الآخرين كما تدعي) حيث قام عمها بعرض وظيفة مؤقتة لها لتعمل على مشروع كتابة كتابه الثاني.

    وافقت. وبدأت رحلة البحث عن المعلومات العملية عنه.

    حجز لها تذكرة إلى فلوريدا وبعض المدن الأخرى لتلقي ببعض التنفيذيين الذين يعملون في إدارة الكازينوهات لتقتنص المعلومات بشكل غير مباشر تخص عمّها، إلا أنها بقيت تستمع إلى قصص ومواقف عن الكازينوهات والأعمال اليومية المعتادة دون أي ذِكر مباشر لقيادة الفذة وإدارته.

    «كانت الرحلة قمة في تضييع الوقت» كما وصفتها، «قررت أن أخبر عمي بأنه من الصعب جدًا أن أكتب كتاب عنه دون مشاركته المباشرة معي ليحكي لي عن حكايات التأسيس والإدارة وغيرها من التفاصيل العملية، والتي هي أصلًا صلب الكتاب» إلا أنها لم تحصل منه على أي معلومة مفيدة.

    وفي أحد الأيام؛ اتصل بها عمها متحمسًا ليخبرها أن صديقه الناشر طلب منه أن يرتب موعد لها (كونها الكاتبة الرئيسية للكتاب – Ghost Writer)، «توقعت أن يسألني عن موعد التسليم والخطوات القادمة» كما قالت، إلا أن ما حدث كان غريبًا بعض الشيء.

    «التقيت به في أحد المطاعم الفخمة في منهاتن نيويورك» تحكي ماري «وبعد مقدمة ودية، أخبرني أنهم في دور النشر قلقين من نقص خبرتي ككاتبة لإدارة هذا المشروع، وهم يبحثون عن شخص آخر. ورغم أنني أخبرتهم بأنني قد قطعت شوطًا لا بأس به في الكتابة، وبأن عمي راضٍ تمامًا عمّا كتبت. قاطعني الناشر: عمك لم يقرأ شيئًا مما كتبتي آنسة ماري…» وانتهى اللقاء والمشروع معه.

    واستوعبت – على حد قولها – أنها لا تعرف بالضبط ماذا يفعل هذا الرجل في حياته.

    النقطة الأهم والمرافقة لهذه القصة، هي بأن دونالد كان استغلاليًا جدًا لثروة والده والتي ساهمت بظهوره وشهرته، بل أنه وفي إحدى الفترات كان قد واجه تحديًا ماليًا ليضطر وقتها الاقتراض من البنك بضمان أصول والده. وتحكي ماري بأن معظم الأموال المقتَرضة كانت تُصرف على شكله وهيأته أمام الآخرين، التي حرص بشكل كبير للحفاظ عليها؛ والده لم يكن يمانع ذلك بالطبع، خصوصًا بعد وفاة الابن الأكبر فريد (والد ماري) الذي كان متمردًا قليلًا ومختلفًا في طموحاته عن أخيه وعن بقية العائلة، بعد أن قرر أن يصبح طيارًا.. وسرعان ما كسر والده هذه الأحلام، ولتبعات هذا الأمر قصة مطولة أخرى مذكورة في الكتاب، لا داعي لذكرها هنا.

    عمومًا، أعلم أن موضوعه أصبح مستهلكًا إعلاميًا، خصوص مع اقتراب الانتخابات الأمريكية في نوفمبر القادم. إلا أنني هدأت اليوم مفكرًا في محاولة رصد بعض الشخصيات في حياتي التي حالفها الحظ بشكل رئيسي لتصل إلى مواصيل كبيرة. استثنيت من هذا التأمل: الورثة، وأصحاب العلاقات الشخصية مع ذوي النفوذ. كنت أحاول أن أجد مثل هذه الخلطة الغريبة. دعم الأب، بيئة صعبة للاستعراض فيها لفترات طويلة مثل مدينة نيويورك، تعاون البنوك، والعشرات من المشاكل مع الضرائب والفضائح والنساء والشخصيات العامة الأخرى.

    لم يحضر في ذهني أي شخص.

    على كل حال، اليوم لا أحاول أن أعطي درس مستفاد بقدر ما هي محاولة للبحث عن تحليل أو إجابة عن فكرة الحظ واجتماع الظروف.

  • لماذا لا ترتبط الذكريات بالمال؟

    «لماذا ينسى الكبار ما تم صرفه ماليًا عليهم في طفولتهم، ويتذكرون فقط الذكريات؟».

    الإجابة بسيطة: لأن مصدر الذكريات خليط بين أشخاص عزيزين وظروف زمانية مكانية نادرة الحدوث.

    قد تنسى الفتاة الفستان الذي اشترته لها والدتها عندما كانت في العاشرة بقيمة ثلاثة آلاف ريال. لكنها لا تنسى ساندويتش الشاورما وعصير المانجا، عندما خرجت يوم دون موعد مسبق مع أباها.

    ينسى الأبناء المبالغ الطائلة التي صُرفت عليهم في مدارسهم، ولكنهم لا ينسون إجازات عيد الأضحى. لا ينسوها.. لأن الصفة الأكبر هنا الجَمعة، وليس التكلفة المالية.

    بالطبع من السهل أن ندّعي أن الذكريات مهمة وأننا – كآباء – ملتزمين في زراعتها في عقول أبنائنا، وأن المال ليس مهمًا، وأن السيارات الفارهة والملابس الفاخرة والعلامات التجارية لا تصنع لحياتهم قيمة (على الأقل مثل قيمة الذكريات)، وبأننا لا نحاول أن نقنعهم بكل هذا الهراء المعروف في عقل القارئ الكريم مسبقًا، إلا أننا في نفس الوقت يجب أن نسأل بجدية: هل نقوم بذلك فعلًا أم ندّعيه؟ وإلى أي مدى؟

    وجدت أن الاستثمار في أي علاقة يجب أن يُصرف في خلق الذكريات؛ عبر المواقف والحكايات والتصرفات البسيطة.

    كسرت ابنتي (سبع سنوات) أمس سماعتي الـ Beats بقيمة ٢٦٠ دولار. حطمتها دون أن تقصد، وعيها وعمرها لا يستوعبان قيمتها المادية. وربما لا تعرف ماذا يعني هذا الرقم بالدولار، هل هو كبير أم صغير؟

    بعد عشر سنوات، سوف لن تتذكر السماعة. لكنها ستتذكر بدقة كيف تعاملت معها وقتها.

    كان الله في عون الجميع.

    [ما بعد النص: أود أن أنوه القارئ الكريم أنني أملك سماعة «بيتس» و«أيربود برو». وكلاهما حصلت عليهم مجانًا بسبب تجميعي لنقاط أميريكان اكسبريس وموبايلي عبر السنوات.]

  • للفنان والكاتب: إياك أن تُجوّع نفسك

    يعتقد نسيم نيكولاس طالب (مؤلف الكتاب الشهير: البجعة السوداء) بأن أحد الاستراتيجيات التي تجعلنا أصحاب تاريخ مهني (غير قابل للكسر) هي في عدم البحث عن خيارات وظيفية متوسطة المردود والكفاءة العقلية. «يجب أن يكون للكتاب الأدبيين وظيفة وضيعة أو (إن أمكن) سهلة المهام، وأن يكتبوا في أوقات فراغهم. وإلا فإن الكتابة من أجل لقمة العيش وفقًا لمعايير الآخرين تحط من قدر أدبهم. نفس الشيء بالنسبة للفنانين. لم يكن أفضل الفلاسفة أكاديميين، لكن كان لديهم وظيفة أخرى، لذلك لم تفسد فلسفتهم المهنية».

    شخصيًا أتفق مع هذا الرأي جدًا، سأشرح من زاويتي لماذا:

    1. إن كنت فنّانًا بالكاد تجد مصروف يومك، فإنك ببساطة لن تستطيع أن تبدع في إنجازك أيًا كان ما تمارسه. العمل والاستقرار المالي هنا قد يشغل وقتك، لكنه في المقابل يعطيك مساحة ذهنية أفضل. تصبح بعدها المسألة بالنسبة لك مسألة تنظيم جدول من أجل فنّك، وليس حمل هموم مالية.
    2. التضحيات تكون بعيدًا عن الأمور الأهم في حياتك؛ أن تضحي بقبولك بساعات عمل إضافية أفضل من أن تضحي بتسويق شيء لا تؤمن به من خلال فنّك من أجل الحصول على بعض المال. الأخ الكريم ماهر موصلي تحدث عن هذا الأمر في لقائه الأخير الرائع.
    3. الوظيفة/العمل بشكل عام يجعلنا أكثر انضباطًا، عكس الفنون عندما تسيطر بشكل كام على حياتنا، فهي تدفعنا للكسل أكثر من النشاط. الفنان النشيط والغزير استثناء.

    أميل للاعتقاد بأن ما يفعله الكثير من الشباب الفنانين أو الموظفين الجزئيين (Freelancers)، جيد إن كان يحقق ثلاث أشياء في حياتهم: أولًا: عدم اضطرارهم للبحث عن سُلف من الآخرين (فهنا لم يعد نمط حياتهم حرًّا كما يعتقدون). وثانيًا: قدرتهم على تعليم ذواتهم الانضباط في الاستثمار أو الادخار. وثالثًا: ممارسة العمل بشكل شبه ذاتي، وليس مُقادًا بكلمة نسميها مجازًا «شغف».. وأُلصق هنا أهمية تغطية المصاريف والاحتياجات الأساسية، إلى جانب القليل من الترفيه.

  • لا تنتقد ولا تقبل الانتقاد

    أحاول الالتزام بأن أكون من ضمن مدرسة عدم تقبل الانتقاد. ولا زلت أرى أن الانتقاد (البنّاء وغير البنّاء) ليسوا ضروريين كما يؤمن الكثير. أتحدث هنا عن نوعية الانتقاد التي تأتي كما نقول بالعامية «من الباب للطاقة» أي من دون سابق إنذار، أشمل في كلامي أيضًا النصيحة لوجه الله.

    الشخص المحتاج للنصيحة سيطلبها. كذلك المحتاج للانتقاد والنقد.

    بالنسبة للمقربين، يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم بطبيعة الحال.

    أمّا بالنسبة للآخرين، فأشجع على حصر النقد والنصيحة في طور «تحت الطلب»، أو تقديم البعض منها كأداة لإسكات كثيري الشكوى.

    وإن كنت لا تستطيع تمالك نفسك من النقد؛ فإياك أن تنتقد بدافع التسلية (حتى للمقربين).

    العالم أصبحوا حساسين أكثر من ذي قبل! كان الله في عونهم.

Back to top button