Month: September 2020

  • هل أنا مدينة لك بالمال؟

    يتميز كل إنسان بتصرف أبله في سلوكه.

    شخصيًا لا أملك تصرفًا أبله، بل العشرات.

    وعندما تأملت حياتي، وجدت أن إحدى تخصصاتي غير المعلنة هي التصرف الخاطئ في المكان الخاطئ مع الأشخاص الخطأ. اعتدت أن أصافح النساء اللذين لا يصافحون الرجال، ولا أصافح من لا يملكن مشكلة في ذلك، فيظن المحافظين أنني متحرر والمتحررين أنني محافظ. أفتح السير الأكثر حساسية لدى الآخرين بالخطأ، وأحيانًا أُقلِّب كل الجروح والمواجع لدى الشخص الكريم الذي أمامي دون قصد. أتكلم حينما يجب أن أسكت، وأسكت حينما يجب أن أتكلم، أُحرِج المؤدبين، وأتغافل عن المتسلطين، حتى أستوعب كل ذلك في اليوم التالي، أو قبل النوم بدقائق.

    عمومًا إحدى هذه السلوكيات الغريبة مثلًا – بعد أن اشتكى بعض الأصدقاء عن ذلك – أنني عندما أريد أن أترك المكان وأودع الموجودين فيه، فإنني أقوم فورًا بذلك، دون مقدمات.

    حتى وُبخت من الجارة الكريمة السيدة مارينا على هذا الأمر مؤخرًا؛ «كيف تترك المكان هكذا فجأة والكل جالسين؟» علّقت، «هل أنا مدينة لك بالمال؟» وأخبرتها طبعًا أنها ليست مدينة بشيء، محاولًا أيضًا أن أفهم ما علاقة المال بهذا السلوك!

    ردت عليَ باعتقادها أنني ربما قد أتيت في المرتين السابقتين وكأني أنتظر أن تقوم لتعطيني شيء، وأن خروجي المفاجئ ما هو إلا ردّة فعل سلبية لعدم فهمها للموضوع، حتى قررت أن تنهي شكوكها بسؤالي مباشرةً «هل أنا مدينة لك؟ وإذا لا، لماذا تقول تصبحون على خير فجأة ودون مقدمات؟».

    وعدتها أنني سأكون حذرًا في المرة القادمة.

    وبهذه المناسبة، أود مشاركتكم أمرين، الأول: عندما تشعر بالريبة من سلوك صديقك، أقترح عليك أن تقوم بسؤاله مباشرة دون تضييع لوقتك وذهنك. والثاني: أنني أصبحت على قناعة صادقة أن الإنسان عندما يملك عيوبًا مضحكة، عليه بالحديث عنها أمام العلن، على الأقل بتهكّم، حتى لا تصبح هذه العيوب مصدرًا للحزن.

  • درسان من موزارت

    يحكي تشارلي مُنجر (٩٧ سنة) قصتين عن موزارت، الأولى:

    جاء شخص إليه وسأله: أريد أن أكتب نُوتات موسيقية، ماذا عليَ أن أفعل؟ رد عليه الملحن «كم عمرك؟» قال له: ثلاث وعشرون سنة. أخبره أنه ما زال صغيرًا على كتابة النوتات. تعجّب السائل وأردف بتعليق: «لكن أنت تكتب نوتات موسيقية منذ كان عمرك عشر سنوات!» قال نعم، لأني لم أكن أسأل الكِبار كيف أبدأ بكتابة نوتة موسيقية.

    الثانية:

    نفس الشخص الذي ملأ السمع والبصر بألحانه الخالدة، كان قد عاش حياة شديدة البؤس ومات صغيرًا في السن. وعندما تأمل مُنجر سيرته، وجد أن هناك أمرين كان من الممكن أن يتجنبهما الملحن ليعيش حياة كريمة؛ الأول: ألا يعيش حياةً باذخة (يصرف كل ما في حوزته) لأن هذا السلوك سيقود إلى الأمر الثاني وهو: أنك عندما تعتاد على ذلك، سيقودك هذا السلوك إلى نشوء الغيرة من الآخرين والاستياء من حالك. هذه الأمرين تقود إلى حياة بائسة.. وقد تموت صغيرًا (كما يعلّق مُنجر).

  • النجاح في تعريف وورن بافيت

    بعيدًا عن المال والثروة والأسهم.

    يؤمن بافيت أن النجاح يتلخص في وصول الإنسان لعمر متقدم وهو مُحاط بمن يحبونه.. بصدق.

    «تسمع دائمًا عن ذلك الرجل الذي يصل إلى الخامس والستين أو السبعين وهو منعزل في الدور العلوي …» يعلق.

    طبيعة الإنسان تتغير مع كِبر السن، يُصبح صعب المِراس والإرضاء، وقد يستأنِس بالانعزال، وتصعب مجاراتهم في كثير من تفاصيل الحياة، وبالنسبة للكِبار أنفسهم، تعتبر مقاومة هذه التغيُرات مع تعويد النفس على حب الحياة، والتسلُّح بالمرونة، وطولة البال تجاه الآخرين، أمور تجعل من الإنسان يعيش حياة كريمة (وناجحة).

    ما قيمة المال إن لم يطيقني الآخرون؟

    محبة الآخرين هي رأس المال. تتحول إلى ثروة حقيقية مع التقدم في السن.

  • مشكلة النباتيين

    هذه المقالة ليست انتقاد لنمط حياة النباتيين، إنما لمحاولة تحليل أحد الأمور التي يمرون بها من ناحية نفسية، مع الأخذ في الاعتبار أنها تعني بشكل أكبر الأشخاص الاجتماعيين.

    يعتقد راين هوليدي أن الأشخاص الذين يعيشون في مُدن شديدة الغلاء (مثل مدينة نيويورك) يعانون من أحد المشكلة التي يعاني منها النباتيين، وهي ما يُطلق عليها في علم النفس «نضوب الأنا» (Ego Depletion): وتعريفها المختصر:

    أن ضبط النفس أو قوة الإرادة تعتمد على مجموعة محدودة من الموارد العقلية التي يمكن استخدامها… وعندما تكون الطاقة اللازمة للنشاط العقلي منخفضة، فإن ضبط النفس عادة ما يكون ضعيفًا.

    [بمعنى؛ أن هذه الحالة] تُضعِف القدرة على التحكم في النفس لاحقًا في أمور غير مرتبطة [1].

    ولكي أحاول أن أشرح هذا الكلام العلمي بطريقة بلدية (مع ذكر الشاهد): فإن قدرة الإنسان في ضبط النفس ومقاومة المغريات ليعيش مجرد حياة عادية وبسيطة أمرًا ليس سهلًا في الأساس، ولذا، فإن النباتيين ومن يعيشون في مُدن غالية – حسب رأي هوليدي – يستنزفون معظم ما يمكن الحفاظ عليه أصلًا من موارد عقلية (ومالية) قبل أن يبدأوا في مجابهة مشاكل حياتهم التقليدية. خصوصًا الاجتماعيين.

    كأن تحضر الفتاة إلى دعوة عشاء وهي تتضور جوعًا لتكتشف أنه ليس هناك خيارات نباتية، أو كأن يضطر أن يدعوا الشاب صديقه الذي زاره من الخارج لمطعم وهو بالكاد يتحمل مصاريفه الغالية. يبدأون من هنا دون الحديث عن مشاكل العمل والأبناء والرياضة والقراءة والمشاريع الإبداعية الموجودة على الرف.

    محاولة تقليل الانضباطات النفسية أو تجنّب المواقف التي تصيبنا بالتوتر عمومًا، أمور تستحق أن نخطط لها ونتمرن عليها. ليس إشارة بالطبع لموضوع النباتية، ولكن في باقي شؤون الحياة.

    أي مهمة أو سلوك أو شخص يستنزف مخزوني من المقاومة أو قوة الإرادة، يجب أن يختفي، ولو بشكل جزئي.


    [1]: Friese, Malte; Loschelder, David D.; Gieseler, Karolin; Frankenbach, Julius; Inzlicht, Michael (29 March 2018). “Is Ego Depletion Real? An Analysis of Arguments”. Personality and Social Psychology Review.

  • أنت تعبان بس.. ولست غبي

    أكتب لكم اليوم بعد فرحتي لحضور أول حصة يوجا في حياتي. أعتقد أنني سأستمر فيه.

    قبل فترة قررت أن ألغي اشتراكي في نادي «الكروسفيت» بجانب منزلي بسبب إلزام القوانين لارتداء المتدربين للأقنعة وقت التدريب. ألغيت الاشتراك فورًا. لأن المدرب كان شديد الالتزام لدرجة أنه هلكنا في وسط التمرين بقوله «فوق أنفك.. فوق أنفك» محاربًا محاولاتنا المستميتة للشهيق.. أو للغش.

    أنا إنسان بالكاد أتنفس في الحياة الطبيعية، فكيف يريدونني أن أرتدي القناع وأنا أتدرب لمدة ساعة تدريبات شبه عسكرية! والمشكلة الأخرى في النوادي الرياضية هنا كما قال العزيز مهند ناصر «أن أي خرابة هنا يحولوها إلى نادي رياضي» وهذا تعبير دقيق، فمعظم النوادي عبارة عن قراج سيارات في مكان مهمل، يتم توضيبه بأقل التكاليف، ثم يقولوا لك تفضل، هذا نادي.

    على كل حال، أرسلت لهم رسالة معبرة أخبرتهم فيها أنني أريد أن ألغي الاشتراك، وهو ليس ذنبهم، لكن بسبب الظروف المذكورة فيما يخص القناع. وأصبحت أتصل عليهم كل أسبوع لأسألهم إن كان هناك أي تغيير في القوانين، وبالطبع لم يحصل، وفي المكالمة الأخيرة سألت الآنسة على الخط سؤالًا وضّحت قبلها مرتين أنه سؤال بيني وبينها؛ عن المدربين أو المدربات اللذين لا يدققون بشكل كبير على مسألة القناع لأحاول اقتناص أوقات حصصهم خلال اليوم، لتعطيني ردًا حازمًا بأنها القوانين وكل المدربين يملكون صورة واضحة عنها. شعرت أنها تريد أن تغلق السماعة في وجهي لكنني تداركت الموضوع وعدتها باتصال خلال أسبوعين وأقفلت الخط .

    وفجأة أمس، تذكرت موضوع اليوجا.

    كان الصديق فؤاد الفرحان قد افتتن وطار به مؤخرًا وأعلن عن ذلك في إحدى تغريداته. وقررت الساعة السادسة والنصف صباحًا البارحة أن أبحث عن «ستوديو يوجا» كما يحبون أن يلقبوا أنفسهم في مكان قريب، ومن حسن الحظ وجدت مكانًا يبعد عن منزلي أربع دقائق بالسيارة، وكان موعد الحصة التالية في تمام الساعة السابعة (بعد نصف ساعة). تحمست ولبست ملابس الرياضة العادية بسرعة وانطلقت.

    وصلت هناك قبل الحصة بعشر دقائق، وجدت أن المكان مرتب للغاية إضافًة للروائح اللطيفة وعدد لا محدود من النساء المسرعات يدخلون خلفي وكأن شيء ما يركض خلفهم. طبيعة البشر تجعلهم مستعجلين إن رأوا أشخاصًا آخرين مستعجلين، فأخبرت موظفة الاستقبال لحظتها أنني مستعجل وأود أن أجرب الانضمام للحصة الأولى التي سجلت فيها أونلاين قبل دقائق وسنتفاهم على كل التفاصيل المالية عند خروجي، إلا أنها اوقفني وقالت بما معناه «وين يالحبيب؟» نظرت إليها مستغربًا لتعلق «سيدي، يجب أن تحضر فرشة التدريب الخاصة بك ومنشفة يوجا غير قطنية، وقارورة ماء باردة لأن المكان حار.. نحن نقوم بتدريبات «يوجا حارة»، وننصحك بارتداء شبشب لأن ممارسة اليوجا لا تصلح وأنت ترتدي حذاءً رياضي، وأخيرًا؛ شكرًا لأنك ترتدي تي-شيرت رياضي وليست قطني لأنك ستتصبب عرقًا والملابس القطنية غير مناسبة لهذه المهمة. سيدي أقترح أن تأتي غدًا وسنكون بانتظارك».

    شعرت لحظتها بالتطبيق العملي للتعبير الحجازي المعروف دخلت عليهم وأنا «غشيم ومتعافي». ودّعتها بعد أن شكرتها، وأكدت عليَ أنني سأستمتع بحياتي معهم، وبأن القناع ضروري للأسف، إلا أن لحظات الغش مسموحة (بعد أن أخبرتها معاناتي مع منافسيهم).

    وها أنا اليوم بعد الحصة الأولى وبعد أن طلبت البارحة الأغراض متحمسًا من موقع أمازون الذي أوصلها في نفس اليوم.

    الحصة الأولى كانت جيدة، المدربة ممتازة والأجواء رائعة رغم أن التمارين غريبة بعض الشيء. أعي تمامًا أن بعض أهل اليوجا يغلب عليهم ما نسميه في عرفنا «التهيؤ» معتقدين أنهم أفضل من غيرهم لأنهم «يوجيين»، يحاكيهم طبعًا النباتيين، والنسويين، ورواد الأعمال الشباب، والكُتّاب، وعازفي الروك، وسائقي دراجات هارلي وغيرهم ممن يتبعون إحساس الانتماء المصاحب للامتياز والفخر، في الوقت الذي يقول فيه الواقع أحيانًا.. وأقول أحيانًا مع الأسف أنه «محد درى عنهم»، خصوصًا الكُتّاب الشباب.

    تنبأت لهذا الأمر وقررت أن ألتزم باليوجا مع قليل من حس السخرية تجنبًا للوقوع في مأزق التهيؤ.

    عمومًا، ها أنا الآن في المكتب نائم. لا أعلم لماذا أشعر بهذا الحجم المتخم من الإرهاق والصداع، رغم أنني تناولت إفطارًا صحي ونمت عددًا لا بأس به من الساعات، وشربت مثل كل يوم «ترمسًا» من القهوة السوداء.

    شعور التأنيب لأنني لم أكتب كلمة واحدة اليوم فيما يخص مشاريعي الكتابية قادني للإحساس أنني إنسان غبي ومهمل. قاومت ذلك الإحساس بإقناع نفسي أنني مرهق فقط ولستُ غبيًا. ولأثبت أن المسألة مسألة إرهاق لا أكثر، قررت أن أكتب مقالة تتطلب قدرًا غير كبير من الجهد الذهني (بدافع الالتزام بعدد الكلمات التي يجب أن أنجزها ككاتب يوميًا). وها أنا.

    شكرًا على وقتك.

    كان الله في عون الجميع.

  • عن الغيرة من مصر

    قرأت*:
    «يقول آلان دو بوتون: «لا يشعر الشخص بالغيرة ممن يفوقونه، إنما يغار ممن يماثله». بمعنى أنه لا يثير غيرتكَ أن يضع رجل أعمال يده على حديقة عامة خمسة وستين فدانًا ملك المواطنين في الشيخ زايد، لكن يقودك للجنون أن يضع جارك يده على مساحة أمام العمارة لركن سيارته «بجنزير». لا يثير غيرتكِ زواج امرأة عربية من «جورج كلوني»، لكن تقتلكِ الغيرة في حنة ابنة عمتكِ تغني أمامكِ وأنتِ العزباء: «وردنا مش وردكم.. ما خطبش ليه من عندكم».
    هناك فرق بين «أن تغار من» و«أن تغار على». مثال: كانت غيرة جيهان السادات «على» زوجها كبيرة عندما كانت فيفي عبده ضيفة سمير صبري في أحد برامج التلفزيون نهاية السبعينيات، وسألها صبري: «إنتِ من فين؟»، فقالت له: «من ميت أبو الكوم» ، فقال صبري فخورًا وفرحًا: «آه، بلد الريس». طبعًا اللحظة التي صارت فيها ميت أبو الكوم تقدم في جملة واحدة رئيس جمهورية وراقصة، كانت موجعة، فكان قرار غير مكتوب من قرينة الرئيس بعدم ظهور الراقصة والمذيع مرة أخرى على الشاشة. رأت قرينة الرئيس في تصريح فيفي إهانة لمكانة مصر، وهي المكانة التي عبَّرت عنها فيفي بعد أربعين عامًا بتصريحها الشهير: «دي مذكورة في القرآن يا أولاد الأ*ـبة». والغيرة نفسها أنواع (وأرجو أن تغفر لي نزوة الإفتاء التي تهاجمني كل 3500 كلمة):
    الغيرة العادية: هي حالة أنت مشغول فيها بنفسك، تتأمل ما يؤرقك عند الآخرين ويثير غيرتك، وتتخذ من نفسك نقطة ارتكاز لرد فعلك، تنتقم بأن تتقدم. مثال: سحبت أم كلثوم من سيد مكاوي كلمات أغنية «أنساك»، لأنه طالبها بالاتفاق على الأجر قبل العمل، وهو ما اعتبرته الست إهانة. وأعطت الكلام إلى بليغ حمدي، فلحنه، وكانت انطلاقة عظيمة جرت بعدها أعمال كثيرة أدخل فيها بليغ على فرقة الست الأورج والجيتار الكهربائي، وصارا تفصيلة ثابتة في فرقتها. وبعد سنوات، زال الخلاف بين مكاوي والست، وطلبت العمل معه. غيرة مكاوي من المساحة التي شغلها بليغ في لحظة قدرية جعلته يؤسس لحنه العبقري «يا مسهرني» على فرقة موسيقية بلا أورج أو جيتار. مسح ما أنجزه بليغ، وعاد بأم كلثوم إلى التخت على الرغم من مخاوفها الشديدة، وقدَّم عملًا فذًّا دفع أم كلثوم لأن تسحبه من يده إلى خشبة المسرح وتُقدِّمه إلى الجمهور بعد الحفل، وهو ما لم تفعله في حياتها مع أي ملحن، ولا حتى بليغ.
    عندك النفسنة: وهي حالة غيرة أنت مشغول فيها بالآخر أكثر من نفسك، تتمنى له الخسارة حتى تهدأ روحك. مثال: كانت نادية الجندي (التي لقبت نفسها بـ«نجمة الجماهير») تخصص موظفًا لحضور عروض أفلام نبيلة عبيد (التي لقبت نفسها بـ«نجمة مصر الأولى») ليقدم لها تقريرًا عن مدى نجاح الفيلم. وفي مرَّة استمر عرض أحد أفلام نبيلة أسبوعين فقط (وكان وقتها نجاح الفيلم لا يُقاس برقم الإيرادات، ولكن بعدد أسابيع عرضه)، فاتصلت الجندي بعبيد فرحة، وتركت لها على «الأنسر ماشين» رسالة: «ده الفيلم الأولاني، عقبال التاني». كان الفيلم المعروض وقتها تجاريًّا بحتًا، وتعلمت عبيد الدرس، فقررت أن تقدم فيلمًا ذا فنيات عالية، فكان «الغرقانة» مع محمد خان، وكان الفشل من نصيبه أيضًا، وتلقت البطلة من جديد عبر «الأنسر ماشين» رسالة الجندي: «أهوه التاني أهوه، والتالت جاي». عندك الحقد: وهي حالة غيرة أنت مشغول فيها بالآخر أكثر من نفسك، لكن لا تكتفي بتمني الخسارة له، بل إنك تقدم كل ما تقدر عليه لتكون سببًا في هذه الخسارة.»


    [*] عمر طاهر، من علّم عبدالناصر شرب السجائر، دار الكرمة ص٤١٢ (كيندل داخلية).

  • هل لاحظتم أن النساء لا يشكرون الرجال عندنا؟

    العنوان تهكمي. لندخل في الموضوع.

    قبل أيام، قام حساب «أبو ضاحي» على تويتر (وهو أحد الأصدقاء العزيزين وفضّل عدم ذِكر اسمه) بكتاب التغريدة التالية:

    بعدها بيوم، قام السيد الكريم مهدي الشهري، بالحديث عن نفس الخاطرة:

    كان تعليقي المختصر(بتصرف): «صراحة الارتياب محسوس. نلاحظ أن النساء يحتاجوا خمسة ثواني تحليل قبل أن يفكروا بقول شكرًا أو يعطيك العافية. وأشعر عمومًا أنهم يفضلوا عدم الرد على أخذ المخاطرة لاعتقادهم أن هناك احتمالية معاكسة بعدها. وهي ترسبات بديهة لزمن الصحوة».

    وبما أنني الآن في ملعبي وبين جمهوري، وددت أن أعطي الموضوع إسهابًا أكبر.

    يعلم البعيدين قبل المقربين مدى تحاملي على الرجال، أو بالمعنى الأدق وقوفي مع النساء أكثر من الرجال في كثير من الأمور(كوني أبًا لثلاث بنات). إلا أنني أجد نفسي اليوم غير قادر على الدفاع عنهن فيما تم ذكره. فبالفعل، لاحظت في العشرات من المواقف أن النساء – خصوصًا الصغيرات في السن – (ليس كلهن، لكن الأغلبية) في مجتمعنا: لا يردون السلام، ولا يشكرون من يمسك لهم الباب أو لمن يفسح لهن المجال في أي لحظة.

    تعليقي السريع: أن الإجابات الدفاعية المقولبة غير مقبولة.

    أنا أعرف أن هناك نسبة من الشباب قد يستثمرون هذه اللحظات ليكسبوا بعضًا من الود بغرض محاولة بائسة للتشبيك، وأعرف تمامًا أن هناك – كما قال لي أبو ضاحي – نسبة لا بأس بها أخرى من النساء تحتاج قليلًا من الذوق.

    أود أن أستسمح القارئ الكريم بعدم اختراع تبريرات استثنائية لنسقطها على الذوق العام، ولا أقصد بالذوق العام أي دوافع دينية (كالبحث عن الأجر) بل قبلها؛ دافع إنساني بحت – كما علّق أبو ضاحي – (كلمة شكرًا مقابل تصرف لطيف، وكلمة عفوًا مقابل شكرًا، وابتسامة مقابل ابتسامة، وهكذا..) «… فنحن لسنا روبوتات، بل بشر، تؤثر كل كلمة فينا».

    مثلهم مثل الرجال الذين يغلقون على سيارات الآخرين دون أن يعتذروا، أو الرجال الذين يقودون دون أن يؤشروا يمينًا أو شمالًا قبل اللفة. في الحقيقة أنا شخصيًا شبعت من التصرفات غير المقبولة من الرجال، إلا أن التوقف اليوم واجب عند تقصير سيداتي النساء، لأنهم دون مبالغة يملكون الحل والربط. ليس هناك رجلًا تعلم النظافة الشخصية والذوق العام والأدب بشكل رئيسي من والده بل من أمه. ليس هناك رجل تعلم معظم تعاملاته مع الآخرين في طفولته مثلما تعلّم من نساء العائلة وأمه.

    أُحمِّل النساء مسؤولية تحقيق الذوق العام، وأحد أشكال تطوره هو في التسديد وقد الخطأ والتعزيز وقت التصرفات الحسنة. فالرجال يظلون أطفالًا كبار مهما بلغ طول كرشهم أو حجم عضلاتهم.

    سنة الحياة تدفع الرجال للركض خلف النساء، وأحد أشكال هذا التتبع السلبي هو المعاكسات (ولو إنني وجدتها شبه مختفية مؤخرًا مع الجيل الصاعد)، لكنني في نفس الوقت لا أود أن يختفي الذوق كليًا، بسبب الاستثناءات.

    المعاكسة من السهل أن تُقطع بالحزم قليلًا، لكن من الصعب أن تَزرَع في الجميع سلوكًا مهمًا وسهلًا مثل أن نقول: شكرًا، يعطيك العافية، لو سمحت، عفوًا.

    هنا في أمريكا، أكاد أسمع هذه الكلمات مئتي مرة في اليوم. الجميع يقولها، الجميع يصبّح عليك ويمسي بالخير، أما عندنا، أصبحت أخاف أن أقولها في مكان عام يوجد فيه نساء بصراحة، لماذا؟ لأنني لا أود أن أظهر بشكل الغبي، مع احتمالية عدم الرد بنسبة خمسين بالمئة.

    وأخيرًا، أجد أن الصورة النمطية التي ورثناها من أيام الصحوة قد اختفت عن المشهد العام، والمتبقي منها مجرد ترسبات، أحد أشكالها توجس النساء في عدم الرد للرجال بالتقدير في الأماكن العامة. وأما بالنسبة للرجال، لا أقول إلا أعانكم الله عليهم.

    وكان الله في عون الجميع.

Back to top button