الشهر: أكتوبر 2021

  • لماذا يدافع الإنسان عن قناعاته؟ حتى وإن كانت على خطأ

    في مقالة كتبها بول جرام عام ٢٠٠٩م بعنوان «أبقي هويتك صغيرة»، يشرح بتصرّف:

    «كقاعدة عامة، فإن أي ذِكر [لموضوع] يخص الدين في منتدى عبر الإنترنت يتحول إلى حجة دينية [يتبناها صاحبها لوقتٍ طويل]. لماذا يحدث هذا مع الدين وليس مع [برمجيات الكمبيوتر مثلًا] أو الخبز أو مواضيع أخرى يتحدث عنها الناس في المنتديات؟ لأن الأمر المختلف مع الدين هو أن الناس لا يشعرون أنهم بحاجة إلى أي خبرة معينة ليكون لديهم آراء حول هذا الموضوع. كل ما يحتاجونه هو المعتقدات الراسخة، ويمكن لأي شخص أن يمتلكها.

    لن ينمو أي موضوع عن جافا سكريبت (لغة البرمجة) بنفس سرعة نمو موضوع متعلق بالدين، لأن الناس يشعرون أنه يتعين عليهم تجاوز حد معين من الخبرة لنشر تعليقات حوله. لكن في الدين الجميع خبراء. الدين موضوع لا يوجد فيه عتبة خبرة للتعبير عن الرأي. كل ما تحتاجه هو قناعات قوية … تفسيري المحتمل لهذا الأمر هو أنهم يتعاملون مع الأسئلة التي ليس لها إجابات محددة [يمكن إثبات صحتها القاطعة من عدمها]، لذلك لا يوجد ضغط رجعي على آراء الناس».

    ويكمل..

    «نظرًا لأنه لا يمكن إثبات خطأ أي شخص، فإن كل رأي صحيح على قدر المساواة، واستشعارًا لذلك، يسمح الجميع بالتحليق برأيه».

    كلمتين سرية هنا «يسمح للجميع بالحليق برأيه» و «كل رأي على قدر المساواة» ولأن طبيعة الفرد تميل للانتماء أكثر من ميلها للاستقلال الفِكري، فإن تبني أي رأي وتحويله لهوية، لا يتطلب سوى دفع مبلغ صغير وهو «معتقد راسخ». وهو أمر أرخص من  قد لا تُحتمل.الاستقلالية التامة. فعند الخروج من مسار أي فريق، فإن ردة الفِعل.

    والمشكلة..

    «لا يمكن للناس أبدًا أن يكون لديهم جدال مثمر حول شيء يمثل جزءًا من هويتهم».

    ينطبق هذا الأمر على القناعات التي تتحول فيما بعد لهويات (مثل الأشخاص الذين يتبنون نمط غذائي شديد الصرامة) فتجد الخوف من «ثقب المشاعر» واهتزاز الأنا أكبر من الخوف من اكتشاف الحقيقة كما يشرح الصحفي كريس هيدجيز:

    «تكمن طبيعة الوهم في أنه مصمم ليجعلك تشعر بالرضا. عن نفسك، عن مكانك … حول المكان الذي ستتجه إليه – بمعنى: هو يعمل كمخدر. أولئك الذين يشككون في هذا الوهم يتعرضون للتحدي ليس لصدق ما يقولونه، ولكن لثقب تلك المشاعر».

    نستبعد الدين هنا.

    ربما يكون الحل كما يوضح جرام.. أن على الإنسان تبني هوية صغيرة لنفسه فيما يخص شؤون الحياة. لتظل الخيارات والقناعات دائمًا مفتوحة.

  • أتعرف كيف يتحكم الإنسان بمصيره؟

    «تحب أن تتخيل نفسك متحكمًّا في مصيرك، وتخطط بوعي لمسار حياتك بأفضل ما يمكنك. لكنك إلى حد كبير غير مدرك لمدى عمق سيطرة عواطفك عليك. تجعلك العواطف تنحرف نحو الأفكار التي تهدئ نفسك. تجعلك تبحث عن أدلة تؤكد ما تريد بالفعل تصديقه. إنها تجعلك ترى ما تريد أن تراه، اعتمادًا على حالتك المزاجية، وهذا الانفصال عن الواقع هو مصدر القرارات السيئة والأنماط السلبية التي تطارد حياتك. العقلانية هي القدرة على مواجهة هذه التأثيرات العاطفية، والتفكير بدلاً من ردة الفِعل، والتنبّه داخل عقلك على ما يحدث بالفعل، وذلك على عكس ما تشعر به. هذا الأمر لا يأتي بشكل طبيعي. إنها قوة يجب أن ننميها، بهذا السلوك نستطيع أن نعرف أقصى إمكانياتنا الحقيقية.»

    – روبرت جرين (قوانين الطبيعة البشرية).

    عندما نعتقد أن العقلانية تحارب العواطف دومًا، فنحن ربما لم ندرك الأمر بحجمه الحقيقي. فالوعي بـ«عقلانيتنا» هو الخطوة الأولى عند كل قرار نتخذه كان صغيرًا كان أم كبيرًا في يومنا. لا شيء يحدث بمجرد الإدراك دون عمل. التذكير وتنفيذ الاستمرار برفض قطعة السُكر التي أمامنا ليس خسارة.. بل كسب للمزيد من الصحة ولحظات إضافية بعيدين عن المرض والإدمان. قطعة السُكر تتحول وتتشكل لتكون ساعات نوم إضافية، وتأجيل، وكنبة بدلًا من الدراجة، نيتفليكس بدلًا من كتاب.

    كم هو صعب إخراج أقصى إمكاناتنا الحقيقية. الأصعب منه خذلان النفس بعد فوات الأوان بسبب العواطف. نشد الأزر قليلًا؟

  • لماذا يُحب الناس الأبيض والأسود فقط؟

    «لدى البشر غريزة درامية قوية تجاه التفكير الثنائي، دافع أساسي لتقسيم الأشياء إلى مجموعتين مختلفتين، مع وجود فجوة فارغة بينهما. نحن نحب التقسيم. جيد مقابل سيء. الأبطال مقابل الأشرار. بلدي مقابل البقية. إن تقسيم العالم إلى جانبين متميزين أمر بسيط وبديهي، وأيضًا درامي لأنه يتضمن صراعًا، ونحن نفعل ذلك دون تفكير طوال الوقت». يعلّق العالِم الراحل هانس روزلين، والذي يُصف نفسه إنسانًا واقعيًا بشكل مبالغ، أكثر من كونه إنسانًا متفائل كما عُرف عنه في كتابه (Factfulness).

    «فكر في العالم. حرب، عنف، كوارث طبيعية، كوارث من صنع الإنسان، فساد. الأشياء سيئة، ويبدو أنها تزداد سوءًا، أليس كذلك؟ الأغنياء يزدادون ثراء والفقراء يزدادون فقرًا؛ وعدد الفقراء آخذ في الازدياد؛ وسوف تنفد الموارد قريبًا ما لم نفعل شيئًا جذريًا. على الأقل هذه هي الصورة التي يراها معظم الغربيين في وسائل الإعلام ويحملونها في رؤوسهم. أسميها النظرة الدرامية للعالم. إنها مرهقة ومضللة.

    في الواقع، تعيش الغالبية العظمى من سكان العالم في مكان ما في منتصف مقياس الدخل. ربما ليسوا كما نعتقد أنهم طبقة وسطى، لكنهم لا يعيشون في فقر مدقع. تذهب فتياتهم إلى المدرسة، ويتم تلقيح أطفالهم، ويعيشون في أسر مكونة من طفلين، ويريدون السفر إلى الخارج لقضاء عطلة، وليس كلاجئين. إن العالم آخذ في التحسن خطوة بخطوة، عاما بعد عام. ليس على كل مقياس واحد كل عام، ولكن كقاعدة عامة. على الرغم من أن العالم يواجه تحديات ضخمة، لقد أحرزنا تقدمًا هائلاً. هذه هي النظرة القائمة على الحقائق».

    من غير المجدي أحيانًا أن نُفكِر إن كان الحال بالغ السوء أو بالغ التحسُن. ذلك يحدُث لأن أغلب الناس يفضلون أن يشاهدوا العالم بأعُين سوداء أو بيضاء تامة، فهي أسهل على الفِهم، يستمتع الإنسان بهذه النظرات بإحساس نشوة الفِهم حتى وإن كانت سطيحة، لا يريد أحد أن يشعر بالغباء! ولذلك نعتقد أن الوقوف مع فريق ضد آخر أو موقف ضد نقيضه يضمن لنا مكانًا مع مجموعة، مجموعة تُعطينا درعًا ضد عدم الفِهم أو إحساس الغباء.

    المثير للمتابع أن كل العالم بكل تفاصيله الجغرافية والاجتماعية والسياسية والدينية، يقع في مكانٍ ما في الفجوة الفارغة (التي ذُكِرت بداية المقالة). لا شيء أسود ولا شيء أبيض. حتى علاقاتنا وحياتنا، فيها الكثير من عدم السواد والأبيض الملائكي.

    حبنا للدراما يجعلنا نقف على تلك الألوان ونهُمل ما تبقى.

  • المشكلة ليست في القرار.. بل في الاستمرار فيه

    الأكل الصحي والرياضة والاستيقاظ المبكر؛ في كل مرة يتخذ أحدهم القرار بالانضباط فيهم يكون أغلب الظن صادقًا مع نفسه، لحظتها على الأقل! فهو لا ينافق أحدًا ولا يحاول أن يستعرض أمام الآخرين بهذا الروح المفعمة للتغيير بقدر الاقتناع بأهميته.

    كذلك في عالم الادخار والاستثمار. تسأل أي متخصص مالي عن سر الثراء يُجيبك دون أن يخرج في كلامه عن نصيحة تقليدية وهي: ضرورة تبني عادة الادخار والاستثمار بشكل مستمر لفترات طويلة دون انقطاع، وإن كنت صغيرًا في السن ستكون فرصتك لتحمل المخاطر والتقلبات أعلى.

    المشكلة أن الإنسان يتغير مزاجه وأهدافه وردات فعله باستمرار، أحيانًا في اليوم الواحد عدة مرات.. «يحدث التقدم ببطء شديد بحيث لا يمكن ملاحظته، لكن الانتكاسات تحدث بسرعة كبيرة جدًا بحيث لا يمكن تجاهلها» يعلق مورجان هوسل في كتابه «سيكلوجيا المال». الانتكاسة هنا: تغير المزاج والأهداف وردات الفعل.

    ويُضيف هوسل: «يعرّف نابليون العبقرية العسكرية: هو ذلك الرجل الذي يمكنه فعل الشيء العادي عندما يصاب كل من حوله بالجنون.» والعبقرية هُنا في استحضار الهدف الأكبر وسط جنون البقية، وهو أن نبقي على الاستمرار فيما قررنا فيه.

    لكن ماذا إن كان الجنون هو جنون الأفكار داخلنا؟ عندما يقع مؤثر يبعدنا عن قرار الاستثمار أو الصحة أو عدم لمس علبة السجائر أو العمل على مشروعنا القادم؟ ماذا إن تعاملنا مع فكرة أننا مجانين عندما نفقد التركيز. ماذا إن كان التركيز هو فقط تعلّم قول كلمة لا.

    فبها نتقدم خطوة للاستمرار في القرار. وهنا لا يكون هناك مشكلة لا في القرار ولا في استمراريته.

  • علاج مقترح لإدمان القهوة

    لا أتحدث عن إدمان تصوير القهوة. بل عن شربها.

    يتطبع أي إنسان بِطباع المكان الذي يسكنه بعد فترة، وكانت القهوة الأميركية اليومية إحدى نتائج مكوثي لعامين تقريبًا في الولايات المتحدة.

    تستطيع شراء كيلو من بُن القهوة الأميركية بقرابة العشر دولارات من إحدى متاجر «كوستكو». هذه الكمية المدفوعة بسلوك استهلاكي أميريكي تقليدي تشجعك بشكلٍ غير مباشر في تعاطيها أكثر من الإنسان العادي خلال الشهر، ولا أنكر أن حبي للقهوة عمومًا لا يمانع الكميات الكبيرة، وخوفي من حصول الخفقان اليومي أجبرني على البحث عن حلول بديلة وبالطبع لم يكن الشاهي والأعشاب على طاولة الاقتراحات.

    كان الحل هو أن أشتري كيلو آخر من بُن القهوة منزوعة الكافيين، ليتم خلطهم كل صباح مع القهوة العادية.. لتكون النتيجة قهوة بكميات كبيرة مخففة الكافيين.

    شحنت هذه العادة معي عندما عُدت إلى جدة.

  • هناك أمور لا يحلها إلا الصبر

    عندما نتابع بعض أعظم العقول في التاريخ، سنجد أن الصبر وحده كان أحد أهم الأسلحة الأهم التي تصدوا به للكثير من العقبات، وأحيانًا يكون هو الأداة التي جعلتهم يحصلون أيضًا على الكثير من المكاسب.

    «في الواقع، نشعر بالحاجة إلى مزيد من المعلومات بسرعة أكبر.  يميل نفاد الصبر هذا إلى الامتداد إلى جوانب أخرى من حياتنا، مثل قراءة كتاب، ومشاهدة فيلم. يقل مدى انتباهنا، وكذلك تسامحنا مع أي عقبات في طريقنا.» يعلّق روبرت جرين في كتابه «طبيعة النفس البشرية».

    «انتظر يوم أو يومين قبل أن تتخذ أي قرار. ثانيًا: عندما نواجه تحديًا مهمًا في حياتنا، يجب أن نبقي أعيننا على الأهداف طويلة المدى حتى نصل إليها، يتطلب ذلك [في حال ارتباط التحدي مع أشخاص آخرين] أن نقيّم نقاط الضعف والقوة لديهم ونحاول استثمارها. هذه النظرة الواضحة تجعلنا مبتعدين عن التفاعل العاطفي غير المبرر… وأخيرًا، من المهم أن نملك إيمانًا بأن الوقت سيقف في صفنا وسيُديم الحال الأفضل».

    رأيت في حياتي محاولات سريعة ومكثّفة وممتدة من أشخاص لمعالجة أحزان شخص عزيز فقد أحد أحبته من خلال اقتراح خرجات وسفر وابتسامات واقتراحات لتجنب الحزن، وننسى أن الأيام وحدها كفيلة بتخفيضه.

    ينطبق ذلك على المرض، أو خسارة وظيفة أو مبلغًا من المال أو حتى انتهاء علاقة عزيزة. نتناسى أن الخسارة جزء أصيل من حياتنا. ولأننا مبرمجين على السرعة، أصبح الصبر مهمة أصعب من أي وقتٍ مضى. فهناك سيل من الأخبار والمستجدات والتغييرات كل يوم؛ توهمنا بأننا يجب أن نكون على نفس النهج حتى وإن كان مضمار حزن أو ألم.

    أصبحنا سريعين في تلقي الأخبار وسريعين في تناول وجباتنا، ونريد أن نكون سريعين في الترقيات ونبحث عن سرعة استجابة لطلباتنا وتوقعاتنا من أزواجنا، ونريد أن نكون سريعين في علاج أنفسنا من الألم والبؤس.

    ننتظر الحلول السريعة، وننسى أن الصبر هو الهدوء في ردة الفعل يتبعها هدوء في التركيز على الهدف الأكبر ليتبعها انتظار التغيير إلى حالٍ أفضل.

    الحال لا يتغير بسرعة، تغير أنت لحالٍ أفضل.

زر الذهاب إلى الأعلى