الشهر: ديسمبر 2022

  • عشر سنوات في الكتابة

    لم أكن أعلم إنني أمضيت عشر سنوات في هذه الحِرفة، حتى أتت قارئة كريمة لتخبرني بهذه المعلومة الخطيرة، وهنا بعض التأملات مع جلسة تعبير للقارئ الكريم الذي أتمنى أن يسع صدره لما سيقرأ.

    ١. مقارنة المقالات مع الكُتب:

    دُعيت قبل عامين إلى إحدى نوادِ القراءة المحلية لمناقشة كتابي الثالث «وهم الإنجاز: كيف يتحرّك العامة وماذا يُحفّزهم». أحرص على الحضور لمجموعات القراءة، أكثر بكثير من حرصي على الظهور في القنوات التلفزيونية أو الراديو التي لا فائدة منها سوى تغذية «الإيجو» للضيف وتعبئة جدول القناة.

    صدمتي الكُبرى كانت عندما سألت الحاضرين عن نسبة قراءتهم لمقالاتي – شبه اليومية – على المدونة وعلى مختلف قنوات التواصل الاجتماعي، عشرة من خمسة عشر (ثلثي الحضور) لم يكونوا يعلمون أصلًا أن لدي مدونة كنت قد نشرت فيها مئات المقالات منذ ديسمبر ٢٠١٢م.

    عدت إلى المنزل وقمت بعمل مجموعة من الحسابات عن حجم القراء ونسبتهم للكُتب والمقالات، وخرجت ببضعة نتائج صادمة، أعيد المرور عليها مع بعض الإضافات:

    • ٩٠٪ من مجهوداتي الكتابية تُنشر مجانًا ودون مقابل للقارئ الكريم، على شكل مقالات. معظمها في هذه المدونة تحديدًا.
    • ١٠٪ فقط من عدد الكلمات التي كتبتها في حياتي لا زلت آخذ مقابلًا ماديًا منها، وهي على شكل كُتب وبعض المقالات لجهات إعلامية خارج مدونتي.
    • ٨٠٪ (تقريبًا) من قرّاءي المخلصين هم قراء للكُتب وليس المقالات (كانت هذه الصدمة الأكبر).
    • تجربة تجميع «أفضل المقالات» بين دفتي كتاب لم تنجح، واكتشفت أن هذا النوع من الكُتب محدود العدد من القرّاء.
    • أقل من ١٠٪ من المقالات (٨٠ من أكثر من ٨٠٠ مقالة منشورة) كانت ذات تأثيرٍ عالٍ ولاقت تفاعلًا ممتاز.

    ٢. إذاً، لماذا أكتب المقالات؟:

    • الكتابة حِرفة، والحِرفة مثل العضلة التي يجب أن تُمرّن لكي تقوى وتنمو. ووجدت أن أفضل وسيلة حقيقية لتنميتها هي عبر الكتابة المنتظمة بشكلٍ يومي، ولو بعدد أرقام قليل نسبيًا. هي مثل الذهاب إلى النادي لتمرين عضلات الجسد.
    • شخصيتي الاجتماعية تتعارض كثيرًا مع طبيعة الكتابة التي تتصف بالوِحدة لفترات طويلة، ووجدت أن المقالات طريقة منتظمة للحفاظ على أواصر الود بيني وبين القارئ الكريم، عكس كتابة الكُتب التي تأخذ وقتًا طويلًا حتى يرى منتوجها النور. المقالات تضمن التفاعل، وتخبر القارئ إنني ما زلت بالقرب.
    • تعطي المقالات مؤشرًا جيدًا للكاتب عن الموضوعات ذات التأثير الكبير، فمهما اقتنع الكاتب أن الموضوع الفلاني مهم للكتابة عنه، قد يتفاجأ بأن اختياره غير دقيق، ولا قيمة له. أذكر العديد من المقالات التي صرفت وقتًا طويلًا في كتابتها وصياغة أفكارها لم تأخذ حقها من وقت القارئ واهتمامه، والعكس صحيح.. مقالات أخرى كُنت قد صرفت في كتابتها نصف ساعة أو أقل، لتضرب ضربتها غير المتوقعة من التفاعل، وهذا الأمر حتى اليوم يسبب لي بعض الإرباك والحيرة رغم وعيي به.

    ٣. تحليلي الشخصي عن الفرق الشاسع بين قراء الكُتب والمقالات:

    • الكُتب في العادة تأخذ حقها جيدًا من تماسك الأفكار وتسلسلها، فكتاب ككتابي الأول «ثورة الفن: كيف يعمل الفنان وكيف يعمل الآخرون» واضح في موضوعه ومحتواه، وعندما يقتنيه القارئ فهو يعلم بالضبط ماذا سيستفيد، ولا يمانع صرف كثيرٍ من الوقت برفقته. كتابي الأخير «مئة تحت الصفر» سيرة واضحة لحياة الأستاذ عمار شطا، ولكل مهتم بالاطلاع على تجارب حياة ثرية بعمق.
    • طبعًا الجهود الأخرى المصاحبة للكُتب أكبر بكثير من المقالات التي لا تطلب سوى كتابتي لها، فالكتاب يعمل عليه محرر صياغة، ومدقق لغوي، ومصمم للغلاف، وبعض الأحبة من المراجعين لمحتواه قبل نشره؛ كل ذلك يعطي الكتاب قالبًا أكثر جدية وتماسكًا كما قلت، عكس المقالات التي تحمل كثيرًا إسهابًا غير مقصود، وبالطبع الكثير من الأخطاء الإملائية التي تزعج القارئ.
    • لأن أفكار الكتاب أكثر عمقًا وتأخذ وقتًا في صحبتها مع القارئ، فإنها ترسخ في ذهنه لفترات أطول، نادرًا ما يتأثر الإنسان بقراءته لمقالات عديدة، عكس الكُتب التي قد يغير إحداها حياته رأسًا على عقب.
    • عندما يجلس القارئ ليقرأ كتابًا، فهو يجلس لقراءة الكتاب، عكس المقالات التي يجلس بجانبها الإيميلات وحسابات التواصل الاجتماعي التي تأخذًا حيزًا من ذهن ووقت القارئ على شاشة الجوال أو الكمبيوتر.
    • أفكار الكُتب بالنسبة للكاتب تتطلب جهودًا أعلى بكثير من المقالات، تتطلب بحثًا وتقصي وبناء حجج، أما المقالات فهي فكرة بسيطة يبني حولها الكاتب عدة كلمات ليوصل فكرته. تتحول الفكرة البسيطة لأربعمئة كلمة يقرأها الإنسان في ثلاث دقائق ثم يمضي لشؤون حياته، وينسى ما قرأه للتو. أم الكُتب فهي تحتاج تأملًا وتفكيرًا أطول من القارئ الذي لا ينفك منها إلا بعض مضي بعض الوقت.

    ٤. الخلاصة:

    • لا أخفي على القارئ الكريم إنني في صدد إعادة الحسابات تجاه هذه الحِرفة مع بداية هذا العام، أقصد طبعًا إعادة الحسابات في الجهود الموزعة، فمثلي شخص يحلم بصدق أن يمتهن الكتابة كحِرفة بدوام كامل، لا أفعل شيء خلال يومي سوى الكتابة، وحتى أصل إلى تلك المرحلة من المهم أن أحرص على تنمية أعمالي التجارية الخاصة لتوفر دخلًا أفضل لي ولأسرتي، وطبعًا زيادة نسبة القراء الكِرام الذين يحبون اقتناء الكُتب، أقولها باستحياء.. إلا أنها سبب أناني يتيم تجاه فكرة التركيز على الكُتب، بدلًا من المقالات.
    • من الأمور التي سعيت فيها في حياتي هي الحِرص على تسعير كُتبي بأقل سعر ممكن (٣٨ ريال لكتابي وهم الإنجاز وثورة الفن قبل الضريبة) سبب هذا الحِرص هو تشجيع المشتري على عدم التفكير مرتين قبل قرار الشراء، وطبعًا تشجيعه على اقتناء عدد أكبر من النسخ إن كان يريد إهداءها لأصدقائه وأحبائه. ولا أنسى إنني شخص قارئ قبل أن أكون كاتبًا، وقد أزعجني حقًا ارتفاع أسعار الكُتب المهول في معرض جدة للكتاب الأخير من قِبل دور النشر.
    • مهما كانت الجهود كبيرة في المقالات، فهي محدودة الوصول. عدد قراء ثورة الفن مثلًا وصل لعشرات الآلاف، أستطيع تعبئة ملعب كرة كامل إن جمّعتهم، في حين أن عدد قرّاء المقالات بالكاد يملأ صالوني بيتي من المخلصين والمنتظرين بحرارة للمقالة التالية، وهذا أمر محبط قليلًا لشخص كتب أكثر من مليون كلمة متاحة على موقعه الإلكتروني.
    • أميل اليوم مع فكرة التخفيف كثيرًا من كتابة المقالات شبه اليومية، والتركيز أكثر على الكُتب، لعل هذه الخلاصة هي الاعتراف الأهم هنا. فالوقت المخصص للكتابة في يومي محدود، والجهود الذهنية محدودة والعمر يمضي، ولا أريد أن أترك هذا العالم دون أن آخذ نصيبي في المشاركة بتغيير حياة الآخرين إلى الأفضل بأقصى مستوى من خلال ما أكتب.
    • أخشى أيضًا أن أخون بعض الأفاضل المحبين والمخلصين للمقالات بهذا القرار (إن اتخذته بصدق ووضع موضع التنفيذ)، وأجد أن إمساك العصا من المنتصف أمرٌ مطروح على الطاولة، فمقالة واحدة أسبوعيًا مثلًا قد تكون أمرًا لا بأس به كبداية، سأترك هذا الأمر للتجربة والظروف ورأي القارئ الكريم.

    أود أن أعترف أيضًا..

    الكتابة مهنة صعبة. تزداد صعوبة كل يوم. تأتي علي أيام لا أريد أن أرى شاشة الكمبيوتر لا أريد أن أكتب حرفًا واحدًا، والسبب إنني أعيش أيامًا كثيرة وأنا وسط تأنيب ضمير حاد بأنني مقصّر في كتاباتي، وأتألم كثيرًا عندما أكتشف أنني متأخر في إنجاز الكُتب المستقبلية التي ستُنشر. أعترف أنني أحيانًا ألوم نفسي على اختياري مهنة أكبر من قدراتي التي التزمت أخلاقيًا بها أمام نفسي.

    أقف كثيرًا عند حيرتي بين حلمي في شكلي الذي أتخيّله وأنا عجوز يجلس على لوحة المفاتيح لا يزال يشارك أحباءه كتاباته، وبين رغبتي في أخذ إجازة مطوّلة بعيدًا عن هذا العالم. أقف بعد هذه الحيرة أمام نفسي لأوبخها على الكسل وأضيف نوعًا جديد من تأنيب الذات لهذه الأفكار الشيطانية.

    أعترف أيضًا إنني لا أحب لحظات الضعف في حياتي بجميع أشكالها، ويعلم المقرّبين أنني لا أتهاون في إظهار أي ضعف لدي، ربما يكون «الإيجو» الخاص بالرجل هو السبب، ربما يكون حس المسؤولية هو السبب، وربما عبئ الثقة من الأحبة هو السبب.. الله أعلم. أكره الخسارة حتى في البلوت، أميل للقسوة في تبني آرائي وأفكاري وقناعاتي، وأتهكّم على الكسالى، وربما يكون هذا الخوف هو سبب آخر للتأنيب. أجد اليوم أن الحل الأوضح هو الجلوس بهدوء لتأمل الجانب الممتلئ من الكأس، وعدم ترديد أي فكرة سلبية.. مثل فكرة عدم استحقاقي لجائزة مرموقة في الكتابة عام ٢٠٢٠. عدم الالتزام في الكتابة شكل من أشكال الضعف عندي.

    الكتابة في حياتي مثل اللوحة التي أرسم فيها الأفكار بكل أشكالها وألوانها، وأدعو فيها القارئ للاطلاع عليها. هي شكل من أشكال التعري الذي يسمح بانكشاف الروح أمام العامة، تتحقق معها أقصى درجات الإنسانية، وأقصى درجات ترك الأثر، وهذا الخليط السحري لا يقاوم.

    كاتب هذه السطور لا يتمنى سوى حياة بسيطة مع كتاباته، وثرية بالأفكار.. ثرية بالقرّاء.

    السطر الأخير يلخّص كل شيء.

    كان الله في عون الجميع، وسنة مباركة يا رب.

     

  • الأحاسيس المعقدة من حياة الآخرين

    يعلم صديقي أن ما يشعر به من أحاسيس معقدة تجاه نفسه هي في تركيزه على رؤيتها من خلال عيون الآخرين. ويعلم أيضًا أن ما يعيشه اليوم هو سلسلة طويلة من الاختيارات الصغيرة التي شكّلت حياته. حياته التي لا يشعر فيها بالرضى المُطلق؛ ولا النقم المُطلق.

    ما لا يعلمه صديقي أن العدل الإلهي يحوف أيضًا كل التفاصيل الصغيرة. كبسة زر من هاتفه تجلب ما يريد إليه، صحة وعافية ورفقة طيبة وراحة بال وأسرة شبه متماسكة هي ما يحتاجه، وليست عيون الآخرين التي تغويه؛ وتغوي عينيه تجاه ما لا يملكه.

    الرضى المُطلق يتشكّل عندما نقرر إننا لا نريد أن نشعر بالنقم. عندما أستوعب أن حياة الاخر ليست حياتي.

    نعتاد أن نهز رؤوسنا على فكرتي الحمد والرضى، ولا نعتاد على تبنّيهم.

    مع كل أهداف جديدة لكل عام، ربما يستحق الأمر بعض استحضار الرضى.

    وللمولى كل الحمد والرضى من قبل ومن بعد.

     

     

  • ما لا يقال في لقاءات التواصل الاجتماعي

    قابلت صديقًا بالصدفة منذ أيام، مضى على لقائنا الأخير سنوات طويلة دون تواصل. أعرف كل أخباره وتطوراته، لأننا أصدقاء على مختلف قنوات التواصل الاجتماعي، في هذا الأمر ميزة جيدة، لكنها بلا شك لا تُغني عن اللقاء -غير الافتراضي- الذي حرصت على الحصول عليه عندما أزور مدينة الرياض قريبًا، حيث يسكن.

    أود سماع الأخبار التي لا تُقال في التواصل الاجتماعي، أود معرفة كيف لي أن أساعده في مهامه الجديدة، وأعطيه فرصة لمساعدتي. كل الأخبار المهمة والتي تجعل من أي صداقة.. صداقة حقيقة لا تُقال خلف الشاشات. نوع من التكاسل كان يصيبني عند فرصة لقاء أي إنسان عزيز لأنني -وحسبما يخبرني عقلي- لا داعٍ للقيام بذلك. ومع التقدّم قليلًا في العمر أكتشف أن لا شيء يعادل حميمية العشاء أو القهوة مع الأعزاء، تشعر بعدها وأن عقلك لا يتوقف من كثرة التفكير في حزمة المواضيع والأفكار والتغيُّرات التي كانت من ضمن مخرجات الجلسة.

    سبب هذا الشعور الإيجابي أن الإنسان -كما يقول منقر- حيوانٌ اجتماعي بالفطرة، تتغذى روحه مع وجود الأحباء وأنصاف الأحباء. توهمك اللقاءات الافتراضية بأنك على تواصل حقيقي، لكن تكتشف هذا الوهم كلما كثّفت لقاءاتك على أرض الواقع.

    هيثم الرحبي (من عُمان) وأحمد رويحل (من مصر) أصدقاء في مقام الإخوة، أتحدث معهم كثيرًا عبر الهاتف لأنهم في دولٍ مختلفة، تزداد معهم المعزة والأخوة رغم بعد المسافة، وأكتشف إنني في أسعد حالاتي عندما تجمعني بهم الأيام على أرض الواقع، بعيدًا عن السماعة والشاشة.

    اتخذنا قرارًا أنا وهيثم ونحن في وسط طابور انتظار طاولتنا في مطعم نصرت في إسطنبول، بأن لقاءنا كل شتاء في تلك المدينة من النُسك السنوية لإتخان العلاقة أكثر، وأخبرته إنني سأسبقه في كل رحلة. لعل وعسى أن أكسب جرعة إضافية من فرحة الاستقبال.

    العلاقات الافتراضية لا بأس بها، إن كانت تختفي خلف لقاءات واقعية، نحرص عليها كحرصنا على أكثر الأمور أهمية في حياتنا.

     

  • هل جرّبت وأن تطلب ما تريده على العشاء؟

    أنا من هذه الفئة التي تستفز أهلي وبعض المقرّبين. أسأل عن الأكل الذي سيتم تحضيره عندما تأتيني دعوة على العشاء، وأساعد الداعي في الخيارات، فمثلًا.. يقوم كاتب هذه السطور بتبني نمط الكيتو في غذائه هذه الأيام، ومن المستحسن لي وللداعي الكريم ألا يقدّم أي طبق يحتوي على الكربوهيدرات، لن يعلم السيد الكريم هذه المعلومة إن لم أقلها نصًّا أو كتابةً.

    من المفارقة المضحكة أنني أحوس مع نفسي ومن حولي عندما أقرر دعوة الآخرين متسائلًا ماذا يفضّلون أو ماذا لا يأكلون. اكتشفت أن أسوء إجابة تأتيني عندما أسأل أي شخص ماذا تريد؟ هي «أي شيء». أحاول اليوم على حِسّها أن أُعِّلم بناتي بأن يكونوا أكثر تحديدًا في إجابتهم على مثل هذه الأسئلة المفتوحة، فلا شخص يسأل إلا بدافع أخذ إجابة محددة.

    أستثني أمرًا واحدًا أود التشجيع عليه، وهو أنك عندما تزور عميلًا مهمًا أو تحضر اجتماعًا قد لا يستغرق بعض الوقت، فإنني أقترح بأن نكتفي فور الوصول بطلب الماء، فالمهمة وقتها ليس الدلع بقدر حسم موضوع السؤال والمضي قدمًا لما أتينا من أجله.

    جرب عدم التحرّج من السؤال عن قائمة أكل الدعوة، وجرب أن تستحضر التحديد عندما يسألك أي شخص: ماذا تريد؟

     

  • أختار ما أختاره لنفسي من أجل الجميع

    «لماذا لا تكتب لنفسك فقط؟» جملة أسمعها منذ عشر سنوات في مسيرتي الكتابية. أختار مقابلها أن أكتب للجميع ما أكتبه حقيقة لنفسي، عندما أعاتبهم بمزاح.. فإنني أوبخ نفسي، وعندما أشارك معلومة فإنني بطريقة ما أُذكِّر بها نفسي. أختار ما أختار لنفسي وأشارك به الآخرين، لأن لا حياة في جنة دون آخرين.

    لا أحب نبرة الفردانية. وأحارب دومًا فكرة أن الإنسان يجب أن يختار كل شيء في حياته لأجل نفسه فقط. نحن لا نعيش وحدنا، ولا قيمة للنجاح عندما يكون لنا وحدنا، ولا قيمة للحياة كلها على بعضها إن لم تكن المشاركة قيمة أصيلة فيها.

    الأسرة والأصدقاء والزملاء والشركاء والعاملين، يساهمون -حتى بعيوبهم- لإيصالنا لبر الأمان الذي نود أن نكون فيه في أفضل حال، وعندما نقرر تكرار الجمل الدارجة (أنت الأهم.. كن سعيدًا.. لا يهمك الآخرون) فإننا نغذي داخلنا حِسًّا بالاكتفاء بأنفسنا وكأن لا علاقة لأحد بنا.

    عندما أقول الآخرين لا أقول المجتمع بعرفه، بقدر ما هو تخصيصٌ واضح للدوائر القريبة، لكل من يهمنا ويهمهم أمرنا، وفي حالتي ربما كل قارئ كريم داخل هذه الدائرة.

    أدام الله ظِلّكم.

     

     

  • كل الناس لديهم تعثّرات

    قرأت:

    بدأت أسأل كيف يفعل الناس ما يفعلونه، ولكن ما أصبح أكثر إثارة للاهتمام بالنسبة لي هو الاستماع عن التعثرات. إذا كانت هناك فكرة مدوية اكتسبتها بعد غربلة أيام هؤلاء الناس، اكتشفت أن لا أحد لديه كل الإجابات؛ لا أحد يعرف ماذا يفعلون. والجميع ينظر إلى أي شخص آخر ويحاول مواكبة ما يفعله والتكيف عند الضرورة. كلنا نتعثر. كلنا نرتكب أخطاء. لدينا جميعًا أيام لم نقم فيها بأي شيء.

    – مادلين دور، من كتاب لم أفعل الشيء اليوم (I didn’t do the thing today) (ص 14).

    تقابل مادلين شخصيات ناجحة ومعروفة تسألهم عن روتينهم الشخصي لتوثّقها في مقابلاتها المكتوبة على موقعها (Extraordinary Routines) وتسألهم كيف كانت مساهمة الروتين المتكرر في صنع ما صنعه منهم من نجاح. لتخرج لنا بهذا التعليق في كتابها.

    كلمة السر اليوم «لدينا جميعًا أيام لم نقم فيها بأي شيء». تقودنا هذه الجملة قليلًا للطبطبة على أنفسنا عندما نشعر إننا مقصّرين، في زمن يطلب منك عمل الكثير من كل شيء، دون التوقف وتأمل الحياة بهدوء. خطة إنجازات بداية العام يجب أن تُقاد بهدوء، لا نرمي بأنفسنا هكذا لأشياء وهمية لا ترحمنا ولا نرحم أنفسنا من عدم فعل أي شيء معها. لا أحد سيكرهنا إن قضينا بعض الوقت هنا وهناك دون ذنب أو توبيخ.

  • إن شعرت بالورطة لا تُعرّف بنفسك (مقالة ساخرة)

    يدخل صديقي رجل الأعمال المحترم إلى غرفة المحكمة لحضور جلسة لحل نزاع حصل بينه وبين خصمه، ينتظر القاضي لبعض الوقت، يتأخر في الحضور، يلقي نظرة على خصمه أثناء مغادرته دون أن ينظر إليه. يقرر العودة إلى مكتبه في انتظار رسالة نصية تطلب منه الحضور إلى موعد الجلسة الجديد.

    فور وصوله إلى المكتب يستقبل صديقي رسالة تفيد بأن موعد الجلسة أصبح في تمام الساعة الحادية عشر صباحًا من نفس اليوم، ينظر إلى ساعته ويكتشف أن الساعة لحظتها ١١:٠٠ صباحًا. يقرر أن يأخذ غترته التي خلعها للتو ليركض كالمجنون أمام موظفيه إلى السيارة، متجهًا إلى المحكمة التي لا تبعد عن مكتبه الشيء الكثير.

    يصل إلى المبنى وهو حاملًا أوراقه وعقاله الذي ارتداه بشكلٍ عشوائي، محمّلا ببعض العرق. يدخل على غرفة القاضي المزدحمة والمدونة بنفس الرقم المكتوب في الرسالة، يسلّم، ويعطي الأوراق له. ينظر القاضي مع مساعده الذي أعطاه أوراقًا تخص -على ما يبدو- قضية أخرى إلى وجه صديقنا بنظرة استغراب، ويخبره بنبرة حادة «يمينك»، ينظر صاحبنا إلى يمينه بحثًا عن أحد، يعيد القاضي توبيخه «يمينك يمينك.. بيدك اليمين تعطي الأوراق موب باليسار»، يعتذر صديقنا ويعطيه باليمين.

    يسأل مساعد القاضي صديقنا عن بعض تفاصيل قضيته، التي كانت غير حاضرة في ذهن المساعد والقاضي الذي بدى عليه مزاج معكّر لسببٍ ما، ثم يطلب منه أن ينتظر في الخارج، ليقوم صديقي بتكرار سؤال آخر للتأكد إن كانت هذه القضية قضية الشركة الفلانية الخاصة بخصمه، ويخبره القاضي بأن عليه الخروج مرة أخرى وسيكلمونه بعد دقائق.. لكن ببعض الصوت المرتفع.

    ينتظر صديقي في الخارج.. يتأمل حضور خصمه في أية لحظة لكنه لم يأتي. يمد رأسه من طرف الباب ليسألهم «تعرفوا اسمي؟» ليهزوا رؤوسهم بالنفي والهمس بـ «لا». يشكرهم ويغادر المبنى، منتظرًا رسالة تأتيه ليوم آخر، داعيًا الله أن يكون قاضيها ليس ورطة -على ما يبدو- مثل هذا القاضي، وبالفعل هذا ما حصل بالضبط. حضر بعدها بأيام جلسة أكثر تنظيمًا وأقل توترًا. ولم أسأله حتى اليوم إن كان قد كسب القضية أو امتدت لفترة أبعد.

     

  • (مقالة ساخرة) لا تصرخ وأنت تصور

    مهما بلغ منك الحماس. لا تصرخ وأنت تصور الحفلة.

    أعرف أن الكل يقوم بذلك، لكن أنت لا تفعل.

    قد تكون نجحت في مهمة إخبارنا أنك حضرت، وها أنا أحاول اكتشاف من يُغني وأستمتع معك، لكن صوتك أعلى.

    ما يميز دائرتنا الضيقة أن الكثيرين يحضرون، أنا شخصيًا حضرت زواجات وافتتاحات وحفلات في هذا العام لا تستدعي حضوري الفيزيائي، فهناك تغطيات من زوايا مختلفة، شكّلت هيئة المناسبة التي تبدو أمتع على الكاميرا منها على الطبيعة أحيانًا.

    أعرف أن الحماس مثير. لكنه مؤقت ويتركك في اليوم التالي وأنت نائم مع أصواتك التي تملأ شاشات هواتف البقية.

    حياة الآخرين ليست في نفس السياق ونفس الظروف، يتأمل الجميع أنفسهم وهم يتابعوك، يسأل البعض إن كان من المفترض بهم أن يكونوا معك، وآخرين يحمدون الله على نعمة العقل. أما الصراخ والتعليقات المُسهبة فيجب عليك إعادة حساباتك فيها، لأنها تقتل المتعة أحيانًا.

     

  • هل من المنطق أن نكون مشغولين أكثر؟

    عدة مقالات كتبتها في هذا الأمر، ولا زالت كل التساؤلات تُحيرني أكثر.

    كيف للإنسان المعاصر الذي يملك تواصلًا مع كل العالم بين يديه، ويستطيع أن يطلب كل ما في العالم من ما بين يديه، أن يُصبح اليوم مشغولًا أكثر من أي وقتٍ مضى؟

    التذاكر، والمقاضي والبنوك والملابس، وشراء وبيع الأسهم، وإصدار الوكالات الشرعية، كانت حتى وقتٍ قريب تتطلب منّا تشغيل السيارة وقضاء ربع يوم حتى نُنجزها، في حين أن ما يفصلها اليوم عن الإنجاز هو ضغطة زر. يحوف هذه الضغطة الكثير مما يُسميه أهل المدينة المنورة حالة «الفاضي المشغول».

    لا أرى حولي إلا كثير من الانشغال، والكثير من العُمر المصروف والكثير من.. لا أعرف ما أُسميه، لكن سأطلق عليه مؤقتًا: اللا شيء.

    أتأمل هذه الفكرة التي تُزيدني حيرة، وأضم نفسي من فئة المصطدمين بها.

    آخذ اليوم استراحة من الأفكار، في محاولة للتساؤل مع القارئ الكريم، الذي ربما سيعتقد -مثلي بدايةً- أن نمط الحياة السريع فيها ما يصف المتنبي «الخِصام وهي الخصمُ والحكمُ».

    الانجاز هو ديدن العصر، في حياة يملأها الانشغال، بكل شيء سوى الإنجاز.

     

  • تحديات الثلاثين يوم

    أعترف اليوم إنني أؤمن بتأثيرها إلى حدٍ كبير.

    ليس بالضرورة أن تكون ثلاثين يومًا. أسبوعًا أو أسبوعين أو واحد وعشرون يومًا (كما يحاول إقناعنا رواد تطور الذات بأنها الوقت الكافي لتغير العادات) ربما تعطينا بعض الإثارة. التحديات التي نعطيها لأنفسنا تُخرِج أحيانًا أفضل ما عندنا، في وقتٍ يحتاج فيه الإنسان إلى نوع من الدفع دفعًا بعيدًا عن منطقة الراحة، لكي يُخرِج أفضل ما عنده.

    سبب إيماني بها.. أن الإنسان إن نجح في إحدى تحدياتها مرة واحدة فقط، فسيظل طيلة حياته يملك مؤشرًا لإمكانية تِكرار نجاحه. إن دخل ذلك الرجل تحديًا بالتوقّف عن أكل الكاربوهيدرات لمدة أسبوع، سيعرف بعدها أن هذا الأسبوع يمكن أن يمتد لأشهر ولفترات أطول.

    في كل الأحوال أعتقد أن إقحام أنفسنا في تحديات عملية وحياتية من فترة لأخرى أمرٌ صحي إلى حدٍ كبير. نحن نحتاج إلى تذكير أنفسنا إننا نستطيع الفوز إن أردنا ذلك، نستطيع الانضباط والاستمرار في الانضباط إن تسلّحنا ببعض الهِمة وشيء من روح التحدي. وفي تجارب أخرى أشعر أن أهمية إدخال مراقبين لنا على الخط أمرٌ قد يساعدنا على الفوز في التحديات التي نضعها على أنفسنا.

    أكتب هذه الكلمات مع اقتراب موسم التحديات؛ قرب انتهاء السنة الميلادية على خير. وهنا أميل قليلًا مع فكرة أن هذا الموسم هو أحد الأوقات الممتازة للبحث عن أفضل نُسخ من أنفسنا، مع الانتباه لفكرة إننا لا يجب أن نُحبط من عدم نجاح التحديات، بقدر ما يجب الايمان أنه من الأولى معاودة المحاولات مرة بعد مرة.

    كل التوفيق مع تحدياتكم أيًا كانت.

    كان الله في عون الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى