الشهر: فبراير 2024

  • لا أحد منتبه

    تعلمين أن لا أحد سينتبه لكِ في المناسبة، أو على الأقل، لا أحد سينتبه لكِ بالدرجة التي رسمتها في مخيلتكِ. تكتشفين بعد التأنق الطويل أن كل من في المناسبة موزعين انتباههم على بعضهم البعض، وهم بالكاد يعطون أجزاءً من الدقائق للجميع. وإن راجعتِ نفسكِ قليلًا، ستكتشفين أنكِ قد بالغتي قليلًا، وربما تحاولين استثمار هذا الجهد بحزمة من التصوير أمام المرأة وبرفقة الصديقات. تبقى الذكرى، وينتهي أمرُ الانتباه.

    من حسن الحظ، أن لا أحد مُنتبه.

    لا أحد ينتبه لتغييراتك الإيجابية بنفس القدر الذي لا ينتبهون فيه للإخفاقات، أو، على الأقل للدرجة التي رسمتها في مخيلتك. وإن انتبه الكل أو البعض، فإن مصير هذا الانتباه هو النسيان.

    نُفلسف الأمر ونقول «لكن أنا كُنت منتبه!».. كنت منتبهة للفستان الذي لم يُكو كما يجب، أو كُنت أعلم أن الشماغ لم يُوضع فيه كمية كافية من النشاء، وفي حقيقة الأمر.. لا أحد منتبه. ومن الحسن الحظ أن لا أحد منتبه.

    لا أحد مُنتبه أن حجم الإخفاقات والإحراجات التي وضعتُ نفسي فيها في حياتي لا تُعد ولا تُحصى، يظهر جُزء مما أُريد أن أُظهِره للبقية، ويختفي جُزءٌ أكبر مما أحاول إخفاءه.

    عدم انتباه الآخرين من الأجدى أن يجعلنا نتلهّف للمضي قدمًا. لا نكرر الأخطاء، ونسعى للعيش مع الإحسان.

    لا نتوقّف كثيرًا عند التقصير، ونبحث عن الطرق التي تجعلنا أكثر رضى. ومع الرضى سوف نكون منتبهين لأنفسنا ولشكلنا أمام أنفسنا عندما تكون في حالٍ أفضل. عندما ننتبه ونشعر بالرضى، فإن انتباه الآخرين لن يحصل على المزيد من المبالغات.

  • ظاهرة الوشم على الأجساد

    أجلس وحدي في إحدى المقاهي في إسطنبول الصيف الماضي، وأنا أتأمل جميع الزبائن، لأكتشف شيئًا مشتركًا لدى كل الذكور: وجود وُشوم ظاهرة على أجسادهم. وأقول هنا «كل الجالسين دون استثناء. كلهم»، ولا أعلم بطبيعة الحال عمّا خُفي منها، ولم أتجرأ صراحةً أن أتأمل أجساد الفتيات، لكيلا أتعرّض للضرب.

    يبدو من الواضح أن نحت الوُشوم هو إحدى صرعات هذا العصر لدى المجتمعات الغربية على وجه الخصوص، والتي تبنّتها المجتمعات الأكثر محافظة مثل المجتمع التركي الذي تحوّل – كما رأيت على الأقل – إلى امتصاص كبير لما يقوم به الغربيين، الذي يملكون شيئًا يقولونه للآخرين من خلال رسوماتٍ على جسدهم، أكثر بكثير مما يُقال شفهيًا.

    أما في مجتمعنا، أصبح الكثيرون يملكون وشمًا أو وشمين على أجسادهم، أعرف أحدهم كان قد قام بوشم كل جسده من أسفل رقبته إلى قدميه، دون مبالغة، على ما يبدو أن الصرعة قد وصلت إلينا، وبدأت تنتشر.

    لن أُلفت النظر اليوم إلى الصفات التعبيرية الشكلية الأخرى مثل الأقراط اللافتة كبيرة الحجم التي يضعها البعض على أنوفهم وحواجبهم، أو التطرّق لألوان الشعر الفسفورية، وقصّاتها الحادة، وذلك لكيلا يشعر القارئ الكريم إنني أخذته عشر سنوات إلى الوراء في انتقادي، ولكيلا يظهر له إنني نصبت نفسي في خانة الناصح أو الواعظ. فسياقي هنا ليس دينيًا. كما إنني لا أحاول جعل كلامي انتقادًا، بقدر محاولتي لفهم وتحليل هذا السلوك من ناحية نفسية واجتماعية.

    شخصيًا، لا أتقبّل فكرة الوشم، خصوصًا على النساء، ويعلم المقرّبين إنني أشعر بنوع من الاختناق والغثيان عندي رؤيتي له، ومع ذلك، سأقول إنَّ هذا الأمر تفضيلٌ شخصي، وسأتمسّك بحبل التوازن محاولًا الابتعاد عن الانتقاد ما استطعت إليه سبيلا.

    يقوم الواشم بوشم جسده لأحد خمسة أسباب:

    1. لكي يُعبّر عن نفسه تجاه أمرٍ ما.
    2. ليذكّر نفسه بحدثٍ أو مناسبة، أو قصة ما.
    3. لاعتقاده أن الوشم يُضيف عنصرًا جماليًا لشكله أو لجسده.
    4. للإشارة بانتمائه إلى مجموعة ما (مثل المنتمين للعصابات).
    5. للإشارة على تمرّده من أمر ما.
    6. وأسباب أخرى (ربما تكون تجميلية).

    يشترك في جميع هذه الأسباب عنصر واحد، وهو: التعبير الصريح (Making a statement) من خلال رسم شيء في الجسد، يعلم صاحبه أنه لن يختفي لبقية العُمر. هذا السلوك القوي، ربما يكون ردة فعل أكثر من كونه حاجة نفسية أصيلة، التي تسعى إلى فهم الآخرين لها وتقبّلها وإعطاءها الإحساس بأنها جزءٌ منها. بل ربما هو فرضٌ بالقوة للرأي بشكلٍ بصري، عوضًا عن التعبير كتابيًا أو شفهيًا عنه، مع تذكيرهم أن هناك شيء فيهم قد يوصل رسالة لم يتم استقبالها في الماضي.

    عندما يقوم أحدهم برسم اسم حبيبته، أو شكل ابنته المتوفاة على جسده، فهو يقول بلغة أخرى: «أنا حزينٌ على فقدها، ولا أريد أن أنسى إنني حزين، وأريد أيضًا أن أخبرك بحزني من خلال ما تراه في جسدي، شئت ذلك أم أبيت». هذا التعبير الذي يُشير صاحبه إلى تعلق بحدث أو شخصية أو فكرة، لا يرغب – من خلال الوشم – أن ينسى، ولا يُريد أن يتبدّل حاله، ولا يريد أن يتذكّر أن طبيعة الإنسان هي النسيان، مهما كانت قسوة الحياة، حتى وإن كان نسيانًا مؤقتًا.

    ثلثي قناعاتي وقراراتي الشخصية الصلبة تبدّلت، وتغيرت مع السنين، ليس لأنني استيقظت، وقررت تبديلها، بل لأن سنة الحياة وحكمة الله هي التي تفرض علينا التطور والتغير، أو كما نُحب أن نُردد دائمًا: الثابت الوحيد هو التغيير. رسم شيء يعبر عن أي شيء من المحتمل أن يتبدّل مع الوقت في جسدي، هو شكلٌ من أشكال محاولة إيقاف عقارب الساعة. أصبحت اليوم ذلك الشخص الذي كُنت أطلق عليه النِّكَات قبل سنوات، وأنا نفس الشخص الذي كنت أحارب قناعاته قبل سنين قليلة، ونفس الشخص الذي لم أتخيّل أن ينتهي به المطاف به كما أصبح، وفي حقيقة الأمر إنني سعيد ومحب وممتن لكل هذه التغييرات (مثل الكثيرين ممن هم في عمري)، فالحال – كما قلنا – متغير رغم ما نؤمن به من ثوابت، وإلا لما كان هناك قيمة للنضج على أي حال، الوشم، حتى وإن كانت القناعة خلفه «إضافة عنصر جمالي» فإن احتمالية الشعور بالندم تجاهه واردة.

    من ناحية نفسية، أؤمن دومًا أن العوام من الناس يميلون إلى القرارات الأسهل في حياتهم أكثر من ميلهم إلى القرارات الأصلح. فالأخيرة في الغالب تتطلب جهدًا أو مستوى ما من الانضباط؛ يعلم الجميع مثلًا أين تقع مصالحهم خلف قراراتهم، ولكن ليس كل «الجميع» مستعدين لبذل الجهد والانضباط لكي يحققوها. ويظل توازننا يتأرجح بين المصالح والتقصير والتوازن، حتى نقترب أكثر من الموت. وكلما اختار الإنسان الاستقامة في جانبٍ من حياته، كلما استقام له ذلك الجانب، آخرين من العوام لا يودون الوقوف على القرارات الأصلح، بل للطريق الأقصر للإحساس بالرضا.

    أتفهّم أن الوشم هو أحد تلك الطرق، ولكن لا أشجّع، ولا أتعاطف، ولا أملك قدراتٍ للقبول به (شخصيًا)، على الأقل هذه الفترة من حياتي. فأنا من فئة البشر التي تؤمن بالطرق الطويلة لحل المعضلات النفسية، الطرق الطويلة التي تتحول من طولها إلى طُرقٍ مستدامة، تحمل داخلها تغييرًا حقيقيًا لمن أراد التغيير. أميل للاعتقاد أن الاستشفاء والتوازن النفسي لا يأتي دون صبر، ودون تأمل حقيقي للنفس وسلوكها وعواطفها، وقبلهم مخاوفها. وأعد أن الوشم في أحيانٍ كثيرة هو «رُقعة» لتغطية «شُق» من المعضلات النفسية، صغيرة كانت أم كبيرة، وربما يملك القارئ الكريم الحكمة في توليف شكل «الشق» من خلال الأسباب الخمسة التي ذكرناها.

    التعبير!

    لا شيء مثل التعبير المنتظم عن الأحاسيس والأفكار.

    لا شيء يعادل حجم الصفاء النفسي للإنسان الذي يستطيع أن يعبر بانتظام. ومُهمة الإنسان المستمرة هي البحث عن وسيلة للتعبير؛ بعيدًا عن الإيذاء واختيار طُرق للتعبير، لا رجعة فيها من الندم.

    لا شيء يوازي الإقدام على استمرار تربية النفس وتهذيبها، ومحاولة الانتباه لها، ولما نحاول القيام به، وكأن الإنسان ينظر إلى نفسه في المرأة، وكم هو أمرٌ صعب! إلا أن صعوبته هي ما جعلت منه أمرًا يستحق العناء.

    الطرق المختصرة، مع الأسف لا تدوم. في حين أن أصعب الأمور تأخذ وقتها لكي تدوم بعدها.

    كذلك هي النفس التي تتغير، وتنمو لتُصبح أفضل.

    وأخشى أن الوشم ليس وسيلة مثالية للتغير أو الرضى.

  • لماذا حياتنا ليست مثالية؟

    هذا السؤال رغم بساطته، يستدعي أكثر من تأمل فيه.

    إحدى زوايا التأمل هي: أن أي شيء كلما زاد في توسّعه كلما استدعى بعض التضحيات. التوسّع هنا يعني المثالية، والتضحيات هي ما تجعل الأمور المثالية ليست مثالية.

    ينطبق هذا الأمر على كل شيء.

    نأخذ الطبيعة على سبيل المثال: كلما زاد طول الشجرة، كلما كانت أكثر عرضة للانكسار، بسبب العواصف، كلما زاد حجم الحيوان كلما كان أكثر عرضة للانقراض، لأنه يحتاج إلى طعام أكثر، ولأن سرعته سوف تقل في الركض، ولأن وقت الحمل والتكاثر سوف يكون أطول من متوسط عدد أشهر الحمل لدى بقية الحيوانات (فترة حمل جنين الفيلة مثلًا هي إثنين وعشرين شهرًا)، في حين أن كثيرً من الحشرات والفيروسات والبكتيريا ليست مهددة بالانقراض منذ مئات السنين.

    عندما تسقط الذبابة من ارتفاع ألف متر فلن يحدث لها شيء، بينما يموت الإنسان إن سقط من ارتفاع يوازي عشرة أضعاف طوله، وسينفجر الفيل كبالون محمّل بالماء إن سقط من ارتفاع ثلاثة أضعاف طوله.

    هذا ما يُفسّر مثلًا مشكلة البشر فارعي الطول؛ الذي يكونون مهددين أكثر من غيرهم للموت في سنٍ صغير.

    نحكي قصة روبرت وادلو:

    يعد إلى حدٍّ كبير أكبر إنسان عرفته البشرية على الإطلاق. أدى خلل في الغدة النخامية إلى تضخّم جسم وادلو بهرمون النمو، عندما توفي في سن الثانية والعشرين، كان طوله ٢٧٢سم، ووزنه ٢٠٠كلجم تقريبًا، وكان يرتدي حذاء مقاس ٦٨. يحكي هوسل عنه: «كانت تصوره القصص الخيالية كرياضي خارق، قادر على الجري على وجه أسرع، والقفز أعلى، ورفع المزيد من الوزن، وسحق الأشرار أكثر من أي شخص عادي. لكن تلك لم تكن حياة وادلو على الإطلاق. كان يحتاج إلى دعامات ساق فولاذية للوقوف، ويحتاج معها عصا للمشي. لم تكن مشيته أكثر من مجرد عرج، وهذا ما تطلّب جهدًا هائلاً.

    تُظهِر مقاطع الفيديو القليلة الموجودة لـوادلو رجلاً تكون حركاته متوترة ومربكة. ونادرًا ما شوهد وهو يقف بمفرده، وعادة ما يكون متكئا على الحائط للحصول على دعم. تم وضع الكثير من الضغط على ساقيه حتى أصبح نهاية حياته لا يشعر بركبتيه. لو عاش وادلو لفترة أطول، واستمر في النمو، لكان المشي غير المنتظم قد تسبب في كسر عظام الساق! ما قتله في الواقع كان مروعًا تقريبًا: كان وادلو يعاني من ارتفاع ضغط الدم في ساقيه، بسبب إجهاد قلبه لضخه في جميع أنحاء جسده الضخم، مما تسبب في قرحة، مما أدى إلى عدوى مميتة نهاية حياته».

    كل شيء يكبر أو يتوسع يحمل داخله بعض التضحيات. وكل شيء يكبر أو يتوسّع بشكلٍ زائد عن الحد، يجذب معه مخاطرًا بدلًا من التضحيات. هذه هي المعادلة التي نتناساها، ونحن نسعى إلى حياة مثالية.

    اكتمال الصحة والرشاقة يحتاج تضحيات مثل الحرص على النوم المبكر والتقصير اجتماعيًا، وساعات مع وقتٍ أكبر في النوادِ الرياضية، ورفضًا مستمر لما يُقدّم لنا من أطعمة. مثل هذه التضحيات هي ما تجعلنا مبهورين ببعض الرياضيين، لأنهم يستطيعون تحقيق ما يعجز الإنسان العادي تحقيقه من تضحيات.

    حياتنا ليست مثالية في العمل، لأن قدرات تحمّل الضغط داخلنا متفاوتة، فلا يمكن الحصول على مساحة أكبر من الحرية مع وظيفة تُعطي شهريًا بسخاء، ولا يمكن الحصول على وظيفة تعطي بسخاء دون تحمّل مسؤوليات وساعات عملٍ أطول، وشهادات، وخبرات، وتطوير علاقات ممتدة. لا يمكن الحصول على عملٍ خاص مستقر دون بدايات طاحنة، من نقص المال، ومحاولة إيجاد نموذج عمل جيد، وزملاء وشركاء مؤمنين.

    التضحيات موجودة ومستمرة، بعضها وقتي، وبعضها أصغر من الآخر، لكن لا وجود لعالم مثالي دون تضحيات.

    سؤالنا الذي يجب أن نجاوب عليه دائمًا: «ما هو حجم التضحيات الكافية التي نستطيع تقديمها؟ » قبل أن نسأل: «لماذا لم أحصل على ما أريد في كل شيء؟».

    استمرار تقبّلنا للحد الأقل من التضحيات للوصول إلى الحد المعقول من المردود هي المعادلة الأصعب. لأن نمط حياتنا المعاصر لا يحاول إقناعنا بالمعقول؛ فعلى نفس السياق نجد أن الشغوفين بأعمالهم وفنونهم، يحتاجون إلى بعضٍ من – تضحية – التحمّل للمهام المصاحبة، فالطبيب يجب أن يكتب التقارير، ويحضر اللجان، ويجامل المديرين، ويتفهّم نفسيات المرضى المتقلّبة، ثم إنَّ الكاتب يجب أن يتحمل ساعات الملل والتركيز، وتأخر الإرضاء، وقلة المردود.

    كل شيء لكي يصبح مثاليًا في حياتنا نحتاج معه أن نتصالح مع الحد المعقول من الألم، أو كما أحب أن أسمّيه: الحياة السعيدة تحتاج في حقيقتها اختيار الألم المناسب.

    لا يمكن للحياة أن تكون مثالية، لأن الجوانب المثالية تعني نقصًا في جانبٍ ما. استيعاب تحمّلنا لهذا النقص وتقبّله هو الخطوة الأولى. الكثيرين يتمنون أن يكونوا مثل إيلون ماسك، ولكن القليلين يستطيعون أن يمضوا قرابة العشرين ساعة في مكاتبهم، ويتقبّلون فكرة كره الكثيرين لهم (بما فيهم أهلهم وأبناءهم)، القليلين مستعدين أن يتقبلوا فكرة الحصول على ثروة هائلة في مقابل ثلاث حالات طلاق وأبناء متفرّقين مثل مُسك.

    «إن أسهل طريق للحصول على ما نريد، هو أن نكون مستحقين له» يشرح تشارلي منجر معادلة الرغبة والاستحقاق، التي لا تخرج عما أحاول الإشارة إليه، فالاستحقاق هنا: أن تبذل أكثر ممن يعتقد أنه مستحق.

    حياتنا ليست مثالية. لأن المثالية نسبية. تتحقق في جوانب، وتُهمل في جوانبٍ أخرى مقابل التضحية.

  • احترام الرجال

    كثيرٌ من العقبات تقف بيننا وبين أحباءنا فيما يتعلّق بالتعبير عن المشاعر.

    لا يميل الرجل إلى احترام نفسه، إن لم يحصل على نفس القدر من الاحترام -أو أكثر- من أحبّائه وأسرته على وجه الخصوص. لا شيء يستطيع الرجل تقديمه في هذه الحياة سوى الوقت والجهد والمال لمن حوله، وإن لم يحصل على الاحترام كمقابل، فإن البؤس سيقوده للبحث عن الاحترام بالقوة، أو من خلال طريقٍ لا احترام فيه.

    يقول الفيلسوف مونتين (١٥٣٣ – ١٥٩٢م):

    «في عصرنا هذا، تؤجِّل النساء عمومًا التعبير عن مشاعرهن وأفكارهن الإيجابية تجاه أزواجهن حتى يموتوا ويدفنوا. حياتنا يشوبها المشاحنة، وموتنا محاطٌ بالحب والامتنان … بل أن قليلٌ من النساء لا تتحسن صحتهن في الترمل، والصحة فضيلة لمن لا يعرف الكذب».

    حتى وإن كان التعبير عن الحب هو مطلب الجنسين العاطفي في كل العصور؛ فيظل إحساس الرجل بالحب محصورًا في الاحترام.

    لا يريد الرجل أن يكون محبوبًا بقدر ما يريد أن يشعر بإحساسٍ صادق باحترام المقرّبين له، وأن يظهر هذا الاحترام أمام الآخرين. فالرجل يعطي قلبه وروحه لمن يُعطيه الاحترام. ويبذل المزيد عندما يكون هذا الاحترام أمام الآخرين.

    ربما تكون أسمى أُمنيات الرجل – حسب وصف عمر طاهر على لسان كاتبٍ انجليزي – أن أقصى ما يتمناه في حياته هو: الذهاب إلى القبر دون لحظة إحراجٍ واحدة. وأقول أن كل لحظات الاحراج تختبئ داخل الاحترام المبذول إلى الرجل ممن حوله. ويقول المستثمر العظيم وورن بافيت: «إن أعظم مقياس للنجاح في نهاية حياتك يكمن في شيء واحد: أن تكون محبوبًا من الأشخاص الذين تود أن تكون محبوبًا لهم».

    وأعود لأقول أن الحب = الاحترام لدى الرجل.

  • تفاعلات القرّاء

    هنا بعض التأملات عن القرّاء.

    1. لأن حِرفة الكتابة تتسم بشكلٍ عام بالوِحدة، فإن الكاتب – أي كاتب – على ما أظن، يستمتع جدًا بتفاعل القرّاء معه في الحياة الواقعية، وعلى الإنترنت (أُفضّل أن أستثني تعليقات التواصل الاجتماعي لأنها غالبًا ما تكون خارج السياق العقلاني للتفاعل؛ سلبًا أو إيجابًا).
    2. عندما أحاول النظر إلي السبب الوحيد والحقيقي الذي يجعل الكاتب (على الأقل في حالتي) يستمر في الكتابة دون توقف هو: تفاعل القرّاء. ليس المال، ولا الشهرة، والمكانة، ولا أقول إنها أمور غير مهمة، ولا تُحاكي قلب أي شخص، إلا إنها لا تعادل في كفة الميزان وزن تأثير التفاعل عمّا كُتب أو ما تم قراءته من القارئ. لا شيء يُسعدني مثل أن أستقبل تعليقًا من أحد القرّاء على الإيميل.
    3. يعيشُ الكاتب بعد النقطتين الأولى نوعًا من الزهو يحتاج معه أن يذكر نفسه باستمرار أن لا قيمة له دون قرّاء مخلصين، يتواضع لهم، ومن أجلهم، ومن أجل أجله، وعليه تثقيف وتطوير نفسه باستمرار لكيلا يُصبح رخيصًا في تعاطيه للأمور. وأعتقد أن الخبرة تلعب دورًا كبيرًا هنا، فيصِل الكُتّاب إلى سلامٍ واستيعاب داخلي لحجمهم الحقيقي بعد مدة، ولا يحرصون على إثبات عكس ذلك بنفس درجة الحماس الموجودة في البدايات.
    4. يظل القارئ صاحب رهبة. وهنا قصة قصيرة: أصابني قبل أيام نوع من البؤس الشديد والحُزن الكبير في أثناء تسجيلي صوتيًا لكتابي الأخير «كله خير: كتاب ساخر لحياة أسهل»، حيث كُنت أقرأ بصوتٍ عالٍ ما كتبته -لأول مرة- ولمدة عشر ساعاتٍ متواصلة حتى انتهاء التسجيل. لأكتشف في أثناء القراءة أن هناك جملًا غير صحيحة التركيب، وبعض الأخطاء المطبعية التي سقطت سهوًا من قِبل مدققي اللغوي العزيز، وهذا أمرٌ طبيعي في الحقيقة، إلا إنني شعرت بخجلٍ بالغ، شككني في كل جهودي الكتابية السابقة، وقد تخيّلت شكلي، وأنا أمام قارئ مخلص، وهو يعلّق على تلك الأخطاء المحرجة، التي كما أرى، ليس هناك لها حلٌ سحري بعد كل هذه السنوات من الكتابة.
    5. يخشى الكُتاب عمومًا عدم ارتقاء كتاباتهم المستقبلية مع ما فضّله القارئ لهم، وهذا أمرٌ مربك قليلًا، فليس من المعقول أن يتوقف الكاتب عند هذه النقطة من الخوف، ولا يمارس ما تعاهد به مع نفسه من ممارسة للكتابة، ومن غير المعقول أن يخذل قارئه المفضل (ولو شكليًا) بسبب التوقف، وهذا ما يجعل الحِرفة بصراحة، تزداد في صعوبتها أكثر من سهولتها.

    كان الله في عون الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى