الشهر: أبريل 2024

  • في الحفاظ على العلاقات الجديدة

    أملك الكثير من نقاط الضعف في حياتي الاجتماعية والمهنية. وإن كُنت أملك نعمة واحدة فقط، فهي القدرة على تكوين أصدقاء جدد في أي مكان، وعند أي ظرف في العالم، يعتبرني البعض اجتماعيًا إلى حدٍ لا بأس به، وربما يعود السبب في هذا الأمر إنني دوما ما أشعر إنني أحب الناس أكثر مما يحبونني.

    ثم إنَّ لدي حلمًا قديم، بأن أكتب كتابًا عن تأملاتي في سير العلاقات؛ العلاقات المهنية، والاجتماعية، والرومنسية، وعلاقات «المعارف» التي تدخل ضمن الصداقات، ولكنها ليست حميمية مثلها. سبب عدم تحقيق الحلم بصراحة، هو خوفي من الوقوع في فخ القصص شديدة الخصوصية، التي لا أحب التطرّق لها أمام العوام.

    يستطيع الإنسان أن يكتشف أن نقاط تحوّل كبيرة كانت قد حصلت له في حياته، من خلال علاقاته مع أشخاص ليسوا قريبين جدًا، وقد تحدّث السيد القدير محمد الحجي عن هذا الأمر في حلقة رائعة في بودكاست آدم بعنوان «كيف تحدد العلاقات الضعيفة مسار حياتنا؟» حيث ذكر أن هناك نسبة كبيرة الأشخاص الذين حصلوا على وظائف جديدة في حياتهم، كانت من خلال معرفتهم بأشخاص بالكاد دخلوا ضمن إطار الصداقة، أو بالكاد عُرِفوا عن قُرب.

    أجد أن أحد أهم المعوقات لكسب علاقات جديدة ذات جودة عالية في فترة التعارف، هي افتراض إمكانية الحصول على مصلحة مباشرة من هذه العلاقة. فعندما يضع الإنسان مصلحته الخاصة والمباشرة لحظة التعارف فإن الأطراف الأخرى – على أقل تقدير – تشعر بهذا الأمر، مما يجعلها لا تحرص على أخذ العلاقة إلى مستوى جديد.

    خُضت نقاشًا بهذا الخصوص مع أحد الأساتذة في حياتي، ليخبرني أن مشكلة، وسِمة لقاءات الشباب في مع معارف جُدد هي التركيز على ما فيه مصلحة مباشرة لهم. أكثر من التركيز عن إمكانية خدمة الناس، وهذا ما يجعل مهمة الحفاظ على العلاقات الجديدة لا تسير كما يجب.

    «عليك أن تسأل بصدق: كيف لي أن أُساعد هذا الإنسان في حياته؟» هو السؤال الذي يستحق الانتباه كما أخبرني، وليس «كيف أستفيد من هذا الشخص في حياتي؟». لأن نجاحك بالإجابة على السؤال الأول، سيضمن استمرار العلاقة على أقل تقدير، أما الثاني، سيضمن بنفس القدر هروب الطرف الآخر منك ربما.

  • استراتيجيات جديدة في التدوين

    هذه المقالة خاصة للأحباء القدماء المخلصين بوقتهم وذهنهم لما يُكتب في هذه المدونة منذ أكثر من عشر سنوات.

    أود أن أعطي نفسي الحق بتجديد اعترافي اليوم، أن المهمة الأصعب في التدوين ليس إيجاد الأفكار أو الإلهام أو البحث عن موضوعات تستحق الكتابة عنها، بل على العكس، أُواجه تحديًا كبيرًا معظم حياتي الكتابية يتشكّل في أن مخزون الأفكار والموضوعات المؤجّلة، أكبر بكثير من الوقت المتاح والجّهد الذي يمكن تخصيصه للكتابة عنها. ولذلك، أصبحت أعتذر منذ مدة طويلة عن قبول أي أفكار جديدة من أطراف خارجية، أو فرص تعاون كتابي مع أشخاص آخرين.

    ولأنني وقّعت على ثلاثة التزامات كتابية طويلة الأمد (أخشى ألا أندم على هذا الاعتراف، وهذا الالتزام) فإن نصيب القارئ الكريم لهذه المدونة سوف يكون محدودًا. ولذلك، قررت تجربة شيء جديد، وهو أن أكتب عن حزمة موضوعات أود التطرّق لها في نهاية كل أسبوع، على أن تُجدول خلال أيام الأسبوع التالي بعد الكتابة.

    وهنا بعض الملاحظات عن هذه الاستراتيجية:

    1. لن يتعطّل خط سير الأفكار الخاص بالكُتب. فعندما يترك الكاتب الكتاب الذي يكتبه لفترة طويلة تصبح فيه الأحداث والشخصيات «أحداثًا وشخصيات، بدلًا من أُناس حقيقيين وأحداث واقعية» كما يُشير الروائي ستيفن كينج. وهنا سيكون التركيز كل يوم على الكتاب القادم، باستثناء اليوم المخصص للمقالات.

    2. سيتبرمج العقل أن هناك يومًا ووقتًا محدداً خاصاً بالتدوين، وتغطية الموضوعات التي أود الكتابة عنها، بعيدًا عن الالتزامات الأخرى. لأن ذهن الكاتب هو أغلى ما يملكه، فإنه من الصعب عليه أن ينتقل من موضوع إلى موضوع كتابي آخر في اليوم نفسه، وهو الأمر الذي كُنت عليه طوال العشر سنوات الماضية، وهو في الحقيقة شيءٌ مرهق، لم أستوعبه إلا مؤخرًا، ولذلك قررت تجربة «الاستراتيجية الجديدة في التدوين».

    3. لن أغيب على القارئ الكريم للمدونة. الذي أعده صاحب الأولوية القصوى لكل ما أكتب، لأنه يعاصر لحظات التفكير والأخطاء والتطور، كما يمكنه مناقشتي عبر الرد على القائمة البريدية، التي تعلّمت معها ألا أترك أي رسالة دون رد (قدر المستطاع).

    4. كتابة المقالات هي مكافأة الكاتب المنضبط. هذا ما كُنت أحمس نفسي عليه طوال سنوات طويلة. لأن كتابة المقالات فيها تواصل سريع ومباشر مع القارئ، دون محاولة تنافس شرسة تجاه الكُتب الأخرى عندما أكتب الكتاب، وطبعًا تنوع الأفكار في التدوين يعطي نوعًا من الحماس غير الظاهر للقارئ. فكتابة الكُتب تعد في أصالتها ليست خطًا حماسيًا طويل المدى، فتمر كتابة الكُتب بلحظات ملل، أكثر بكثير من لحظات الحماس واللهفة على كتابة فصل أو جزء ما، كتابة الكُتب محدودة الموضوعات، أما التدوينات، فهي استجابة لأحداث الحياة.

    5. التدوين مثل تمارين الاستطالة واليوجا. ليست بنفس القدر بأهمية تمارين القوى. إلا إنها مفيدة لتجهيز العضلات للسباقات والبطولات والتمارين الصعبة الأخرى. التدوين تمارين استطالة للمفردات والجُمل، والتركيز الطويل غير المنقطع.

    عمومًا، أعتقد إنني وصلت لمرحلة مع قرّائي الأحباء إنني لا أخفي إلا الأمور الشخصية القليلة في حياتي، وما دون ذلك، فإنه يعرف ما يُخفي العقل والقلب من خلال الكلمات. والقناعات كانت قد تناثرت لفترات طويلة، أزعجت البعض، وأفرحت آخرين.

  • في البحث عن أصدقاء جُدد

    من عُمر الخامسة والثلاثين فما بعد، يجد الأشخاص صعوبة في بناء علاقات جديدة. بنفس القدر يجدون صعوبة في الحفاظ على استمرارية التواصل مع العلاقات القديمة الحميمة (مثل أصدقاء الطفولة أو أصدقاء مرحلة الجامعة). يعزّينا مارك مانسون في إحدى مقاطعه الرائعة بهذا الخصوص أن هذا الأمر طبيعي.

    تتشابه ظروف وأوقات الأصدقاء إلى حدٍ كبير في بداية العشرينات؛ الكل مفلس، والكل يملك الكثير من الوقت، والكل لا يعرف ماذا سيفعل خلال الخمس سنوات القادمة، والكل غير ملتزم تجاه أسرة يعيلها، أو مسؤوليات مهنية كُبرى. في حين أن الالتزامات، والتخصصات، والاهتمامات، وتفاوت الظروف الاجتماعية بين الأصدقاء يصل إلى أقصى حدوده بعد سن الخامسة والثلاثين، ومعها يقل الوقت المخصص للأصدقاء، ويزداد معدل الانتباه للأمور الأخرى.

    يتحول التواصل ما بين الأصدقاء (على الأغلب) إلى واجب اجتماعي، وضرورة تقف في إحدى المراتب المتأخرة في سُلّم الأولويات، عكس النمط السائد الذي يضع الأصدقاء والتواصل معهم في أعلى قائمة المهام التي يجب تنفيذها منذ الاستيقاظ وحتى نهاية اليوم، في فترة المراهقة حتى بداية العشرينات.

    الجزء المُشرِق في هذه المعادلة، أن نسبة اقتراب الأصدقاء مع أصدقائهم العزيزين تُصبح أكبر مع التقدّم في السن؛ بالطبع ليس من ناحية الوقت، وإنما من ناحية الإيمان الحقيقي بأن الدقائق التي تُصرف بالقرب منهم ستكون ثمينة. إضافة على ذلك، قلة التقاطعات المهنية أو التقاطعات الحساسة، مما يضمن استمرار مودة أكبر لوقتٍ أطول مع مسافات متوازنة. فلا أود أن أتحدث مع صديقي الأعز عن التحديات المهنية وفرص الشراكة، بنفس القدر الذي أرغب فيه بالجلوس والاستئناس به أو السفر معه.

    وبالنسبة للصداقات الجديدة، ربما يتحتم على الإنسان أن يحرص على هذا الأمر كلما سنحت له الفرصة، البعض من أصحاب الجودة العالية والاهتمامات والقيم المشتركة، خيرٌ من الازدحام الذي لا يوُصلنا إلى المرحلة التالية.

  • تشارلي مُنجر والتوقّعات

    «القاعدة الأولى لحياة سعيدة هي خفض التوقّعات. هذا شيء يمكنك تبنّيه بسهولة. إذا كانت لديك توقعات غير واقعية دومًا، فسوف تكون بائسًا طوال حياتك».

    – تشارلي مُنجر.

    لا يشعر الإنسان بالأسى إلا بسبب التوقعات. أو كما يسمِّيها مارك مانسون «الآمال المعلّقة» (Hopes). فالحزن مرتبط بما أردنا تحقيقه أو توقّعنا حصوله، ولم يتم. وكل السعادة تُبنى عندما تحصل النفوس على ما لم تتوقعه، وأتاها دون أن تطلب.

    عندما يعد المُدير موظّفه بترقية ما، ولا يتم هذا الأمر، لا يسع الموظف إلا الشعور بالأسى من عدم تحقق ما أراد، أكثر بكثير من محاولة الجلوس بهدوء؛ والإنصات للدروس التي تستوجب التوقف والسؤال: لماذا بالفعل لم أحصل على ما أُريد؟

    يشجعنا (قبل الجلوس والسؤال) الراحل تشارل مُنجر على تهذيب النفس لتكون دائمًا منخفضة التوقعات والتطلُّب، تجاه أي شيء وكل شيء. خفض التوقّعات لا يجعلنا نهاية المطاف أكثر واقعية وسكينة بيننا وبين أنفسنا، بل يُخفف الثقل على الآخرين.

    تعلّم مُنجر من العالِم الراحل ستيفن هوكينج، عندما أُصيب بشلله الكامل في عامه الواحد والعشرين، عندما برمج عقله تجاه كل أمور الحياة وتحويلها من «توقعّات» إلى «علاوات» أو «هدايا»، أو مثلما كان روزفلت ينظر بشيء من الانسجام تجاه ما يحصل معه في حياته (حتى بعدما أصبح رئيسًا للولايات المتحدة، وهو على الكرسي المتحرِّك): «إذا لم تتمكن من استخدام ساقيك، وأحضروا لك الحليب عندما أردت عصير البرتقال، فإنك تتعلم أن تقول “لا بأس” وتشربه». يخبرنا مُنجر ما حصل معه منذ سنٍ صغير بأن: «كل شيء في حياتي أصبح هدية، لأنني لم أتوقّع الحصول على كل شيء». ويخبرنا عن نموذج استحقاقه: «لكي تحصل على ما تريد، عليك أن تستحق ما تريد. هذا العالم ليس مكانًا مجنونًا بما يكفي لمكافأة كل الناس».

    تحكي لي والدتي دومًا أن كل شيء تمنّته في حياتها كانت قد حصلت عليه. وعندما سألتها مرة عن تفاصيل أمنياتها، اكتشفت أنه في الحقيقة لم يكن هناك أمنيات. واكتشفت أيضًا أن ما حصلت عليه – حسب شرحها – لم يكن أمنيات بقدر ما هو مكافآت على الصبر، دون طلب.

    لا يجب أن يُمنّي الإنسان نفسه بقدر البذل. بل بقدر الثقة في الكرم والحِلم. كرم المولى، وتحلمٌ لا يتوقف.

    لا يتحقق الحِلم دون عمل مستمر، وبذلٌ أكبر بكثير من الجلوس وانتظار ما نعتقد إننا نستحقّه.

  • عندما يتوسّل إليك شخص سيموت عمّا قريب

    مع قرب الألفية الماضية، حصل حادث مأساوي للروائي الشهير ستيفن كينج، يصف نفسه بعدها: «أصبحت مشيتي مختلفة عمّا كانت عليه من قبل»، وأصبح أيضًا كما قال في مقدمة الجزء الأول من سلسلته «برج الظلام»؛ أكثر تأملًا في مسألة التقدّم في العُمر، والتي كان عقله يتقبّلها دومًا، ويرفضها قلبه.

    يشير في المقدمة أن الإنسان عندما يكون دون العشرين (في التاسعة عشر كما عنّون المقدمة) لا يملك أي إحساسًا بالوقت والعُمر. يعتقد أن كل شيء سوف يكون على ما يرام، حتى تبدأ الصدمات تتشكل، بحوادث تهدد الحياة، أو بدء ظهور الشعرات البيضاء، والكِرش، والتجاعيد على الوجه.

    يُعرف كينج بغزارته المُلفِتة في حجم انتاج الروايات والقصص القصيرة، وطوال الخمسين عامًا الماضية، كان من ضمن مشاريعه التي تأخر في إنهائها هي الأجزاء السبع من سلسلة «برج الظلام». بعد الحادث بثلاث سنوات، قام بعمل حفل توقيع لرواية أسماها «بويوك ٨»، وقد تقدّم أحد القرّاء لأخذ توقيع نسخته، يحكي كينج قصة ذلك اللقاء:

    «عندما وصل أحد الأشخاص إلى مقدمة الصف، قال إنه سعيد للغاية لأنني مازلت على قيد الحياة. (أفهم هذا كثيرًا، وهو يتفوق على السؤال «لماذا لم تموت بحق الجحيم؟») قال أيضًا: «كنت مع صديق عزيز عندما سمعنا أنك تعرضت للحادث؛ قلت له يا رجل، لقد بدأنا للتو بهز رؤوسنا وقول: «ها هو البرج (برج الظلام)، يميل، إنه يسقط. آه، اللعنة، لن يكمل كتابة باقي أجزاء القصة الآن».

    ويكمل كينج: «فكرة أنه بعد بناء «برج الطلام» في الخيال الجمعي لـمليون قارئ، ربما سيتطلب الأمر منك تحمّلًا لمسؤولية جعل القصة (بكل أجزائها) متوفرة طالما أراد الناس قراءتها. ربما يحدث هذا الأمر خلال خمس سنوات فقط؛ على حد علمي، قد يكون خمسمائة. يبدو أن القصص الخيالية، السيئة منها والصالحة قد يطول أمدها. وقد أدركت بعد الحادث الذي تعرضت له أنه سيتعين علي أن أُنجز كتابتها».

    بالنسبة لي كان الجزء الأكثر مأساوية وحزنًا في مقدمته عندما وصف حال القرّاء الذين تعلّقوا بالقصة ووصلوا إلى منتصف أجزائها، ولم يكن وقتها كينج قد أنهى كتابة الأجزاء السبع. أتته سيدة عجوز تبلغ من العمر الثانية والثمانين طلبت منه (بل توسّلت إليه) أن يحكي لها عن نهاية القصة. يصف تلك المرحلة:

    «خلال فترات التوقف الطويلة بين كتابة ونشر حكايات «برج الظلام» الأربع الأولى، تلقيت مئات من الرسائل التي أدخلتني في رحلة طويلة من الشعور بذنب كبير. في عام 1998 (عندما كنت أعاني من انطباع خاطئ بأنني لا أزال في التاسعة عشرة من عمري)، قابلت جدّة تبلغ من العمر اثنان وثمانون عامًا. وأخبرتني بكل لطف: «لا أقصد إزعاجك بمشاكلي، ولكن! أنا مريضة جدًا هذه الأيام».

    أخبرتني السيدة أنه من المحتمل أن يكون أمامها عام واحد فقط لتعيشه (أربعة عشر شهرًا تقريبًا، كما توقّع لها الأطباء، بعد تشخصيها بالسرطان). وعلى الرغم من أنها لم تتوقع مني أن أنهي حكاية رولاند (بطل السلسلة) في ذلك الوقت من أجلها فقط، إلا إنها أرادت (بعد توسلها الحار) أن أخبرها كيف ستنتهي القصة».

    لم يكن وقتها كينج يعرف نهاية القصة التي تخيّلها وكتبها بكل تفاصيلها. فهو يتبع المدرسة الروائية التي تقول بأن على الروائي أن يفاجئ نفسه أثناء الكتابة قبل أن يفاجئ القارئ.

    يكمل كينج:

    «السطر الذي جرح قلبي (على الرغم من أنه لم يكن كافيًا لبدء الكتابة مرة أخرى) هو وعدها: «بعدم إخبار ولو روحًا واحدة عن النهاية».

    بعد مرور عامربما بعد الحادث الذي أودى بي إلى المستشفىتلقت إحدى مساعداتي، مارشا ديفيليبو، رسالة تحمل نفس مضمون السيدة العجوز من شخص آخر حُكم عليه بالإعدام، (كان المتبقي من فترة بقائه على قيد الحياة هو ثلاثة أشهر، وقد وعد بأخذ سر معرفة نهاية السلسلة معه إلى القبر) الأمر الذي أصابني بالقشعريرة أيضًا. كنت سأعطي هذين الشخصين ما يريدانهملخصًا لمغامرات رولاند الإضافيةإذا كان بإمكاني فعل ذلك، ولكن للأسف، لم أستطع. لم تكن لدي أي فكرة عن كيفية سير الأمور مع رولاند وأصدقائه. لكي أعرف، يجب أن أكتب. كان لدي ذات مرة مخطط تفصيلي عن سير القصة، إلا إنني أضعته. (ربما لم يكن الأمر يستحق القرف، على أي حال.) كل ما كان لدي في الحقيقة هو بعض الملاحظات.

    في نهاية المطاف، ابتداءً من شهر يوليو من عام 2001، بدأت في إعادة استكمال كتابة السلسلة. أدركت حينها أنني لم أعد في التاسعة عشرة من عمري، ولم أعد معفيًا من أي من العلل التي يرثها الجسد. كنت أعلم أنني سأبلغ الستين، وربما حتى السبعين. وأردت إنهاء قصتي قبل أن يأتي دوري».

    أنهى ستيفن كينج كتابة السلسلة عام 2003. ويعتقد أنها أجمل ما كتب طوال حياته. يبلغ اليوم التاسعة والسبعين من العمر، وهو لا يزال على نفس مستوى نشاطه وغزارته عندما كان بنصف عمره.


    لا يعي القارئ أن الكاتب يتعلّق بتعلّقه. لا يواسي وحدة الكتابة الطويلة إلا معرفة أن هناك شخصٌ ما في مكانٍ ما في هذا العالم يقرأ له، وسط ازدحام الكون بالملهيات. تختبئ روح الكاتب بين الأسطر والكلمات، وتلتقي مع روح القارئ عندما يترك كل شيء ليقرأ. ليس ما أحاول قوله شاعريًا بقدر ما هو نوع من إحساس يخلط بين الرعب والفرح والحزن، وإحساس أكبر أن كل كلمة تحمل معها سهمًا من تحمل المسؤولية.

    تعرّفت على قارئة (من دولة السودان) أخبرتني أنها قد قرأت كل مقالاتي التي تجاوزت التسعمئة وهي وسط نيران الحرب. كانت قد أبدت اعتذارها على تأخر هذه المهمة، لأنها كانت تواجه صعوبة في إيجاد اتصال مستمر بالإنترنت. وقد علقت تعليقًا لطيف تُشيد فيه بأن الكتابات عبر العشر سنوات المضية كان من الواضح فيها تغير نفسية كاتبها ونضوجه.

    قارئ آخر كتبت عنه (من سلطنة عُمان)، كان قد أهدى صديقه كتاب ثورة الفن وهو مليء بالملاحظات اليدوية المكتوبة، قبل أن يغادر الحياة بشكلٍ مأساوي في حادث أودى بحياته وحياة رفاقه في السيارة. علمت في وقتٍ لاحق بعدها أن خطيبته كانت قد حضرت لي إحدى ورش العمل التي قمت بها في مسقط عام ٢٠١٨م، تقديرًا لمحبة خطيبها الذي كان سيحضر.

    أحد الأفاضل، كان قد رفض لقائي معه عندما طلبت منه أن نلتقي، بعد أن كتب رسالة لي يعبر عن امتنانه لما كتبت عبر الإيميل، قضيت قرابة النصف ساعة في قراءتها، ولا أعلم حتى اليوم السبب الحقيقي خلف رفضه.

    أُسمي أحيانًا الأحاسيس المصاحبة للكتابة باللعنات؛ لعنة الجلوس كل يوم لساعات طويلة مع ملل لا يتوقف وحرب ضروس مع الملهيات، ولعنة اختيار حِرفة تزداد صعوبة، ولعنة عدم القدرة فيزيائيًا ووقتيًا الجلوس مع كل قارئ لفهم نفسيته، أو على الأقل، لشكره على وقته.

    نفس هذه الأحاسيس هي التي تولِّد رغبة لا تجف من الاستمرار، ورغبة لا تجف بالإيمان أن هناك لعنتين إضافيتين: لعنة العزوف عن الكتابة، ولعنة الاستمرار فيها.

    مثل الكثير من التحديات في الحياة، يخترع الكاتب لنفسه حججًا لكي يستمر فيها، وحججًا لكي يتوقف. لا تمر الأيام معه بشكلٍ طبيعي، فهي إما نشوة بالتعبير، أو نقم من التقصير. ورغم كل ذلك. لا يسع الإنسان السوي إلا أن ستمر في حياته كما رسمها لنفسه. شأنه شأن الكاتب الذي اختار هذه الحِرفة نتاجًا لخلوته.

    ودون قرّاء.. سوف لن يكون هناك جدوى من هذه اللعنات. أو هذه النِعم!

    حسنًا.. هي نِعم من المولى. واللعنات فضفضات.

زر الذهاب إلى الأعلى