الشهر: مايو 2024

  • تذكير باستشعار نِعم التكنلوجيا

    قرأت اليوم اقتباسًا عظيم:

    «أي تكنولوجيا متقدمة بما فيه الكفاية لا يمكن تمييزها عن السحر».

    – آرثر سي كلارك

    تعلّمت – بما فيه الكفاية – في حياتي، أن حجم المُسلّمات من النِعم في عقولنا، أكثر بكثير من حجم ما نعتقد أننا من الممكن أن نخسره. التكنلوجيا علي الأقل.

    أنا كبيرٌ بما يكفي لأستشعر حجم التغييرات في حياتي اليومية عمّا كانت عليه قبل عشرين سنة. الحجز، والطلب، والاستماع للموسيقى، ومشاهدة المسلسل المفضّل، والانترنت المتاح في معظم أماكن هذا الكوكب، والتواصل شبه المجّاني مع الأحبة، وإنجاز الكثير والكثير من المهام عبر الجوال. أصبحت كلها أمور عادية ومُسلمٌ بها، في حين كانت تطلب جهودًا ووقتًا مضاعفين في الماضي القريب.

    ربما سنتعلّم استحضار الكثير من النِعم عندما نعلم كيف كان أباطرة الكرة الأرضية والأرستقراطيين يقضون حاجاتهم – أعزّكم الله – في حمّامات مفتوحة على بعضها. وربما، سيكون من المنصف أن نستذكر عبئ التفاصيل الصغيرة في يومنا، دون وجود تقنيات تجعلها أسهل قليلًا؛ مثل حمل هاتفٍ ضخم نتعامل معه أنه «هاتف جوال».

    التكنلوجيا كالسحر. لا تكشف معها حجم تطور الإنسان وتقدمه عقليًا، بل سحرها قد يطول ليهدد قناعاتنا اليومية، أن ما وصلنا إليه أصبح من المسلمات.

    استحضار النِعم وشكر المولى عليها. شيءٌ من الامتنان، الذي قد يُبقيها.

  • التعليق على رأي نوال السعداوي تجاه الشرف

    شاهدت مقطعًا متداول مؤخرًا للراحلة الدكتورة نوال السعداوي، تتحدّث فيه عن مفهوم الشرف، ولا يُمكن له أن يُربط «بقطرة الدم» وإبعاده عن «القيم الأخلاقية». (رابط المقطع).

    وكوني لا أُحبِّذ الرد على أشخاص توفاهم الله لاعتبارات كثيرة، أحدها أن هذه الشخصيات إن كانت تملك الرغبة للتعليق، فهي لا تستطيع، لأن نفسهم ذهبت لأرحم الراحمين. إلا إنني قررت اليوم تسجيل موقفي، لاعتبارات أخرى، ترتبط بمن سوّقوا للمقطع ونشروه ومن آمنوا بالفكرة مما دفعهم لإعادة النشر، وأيضًا، محاولة إعطاء الفكرة المطروحة سياقًا موضوعيًا، بعيدًا عن التشخيص والتجريح.

    لا أملك موقفًا شخصي مع أو ضد الراحلة، إلا إنني أملك بطبيعة الحال موقفًا تجاه الفكرة.

    وهنا تعليقات دوّنتها قبل شهر، ولم أنشرها، عندما شاهدت المقطع المتداول عند أكثر من حساب.

    والله من وراء القصد.


    التعليق على مقطع نوال السعداوي:

    ٢٩ مارس ٢٠٢٤م.

     أتفق واختلف في حزمة من النقاط:

    1. أتفق: أن الشرف بالطبع لا يملك صفات عضوية (بيولوجية)، وأختلف: حول فكرة القفز لمفهوم الشرف وربطه بقطرة دم، فهذا أمرٌ غير دقيق. ومما لا شك فيه أن الشرف مفهوم أخلاقي نِسبي يتأثر بالبيئة والأعراف … إلخ، فكما هو مرتبط بقطرات الدم في مجتمعات، نرى في مجتمعات أخرى الشرف مرتبط بحسن السلوك، ومكارم الأخلاق، والصراط المستقيم، ولا أنفي أن الجانب البيولوجي مجرّد رمز لشيء آخر أخلاقي سامي.

    2. لازلت على رأي قديم، أن أي إقصاء لرمزية دينية (إسلامية وغير إسلامية) فيه نوع من الكسل، بل قد يصل للتطرّف! فليس عدلًا أن يقول شخص غير مسلم مثلًا: «أن المسلمين أغبياء لأنهم يدورون حول مكعّب أسود». فنحن كمسلمين، نمارس هذه الشعيرة بناءً على خلفية دينية، وإيمانًا عميقاً بديننا واستشعارًا لتأثيرها على النفس والرُوح، ولا يمكن اختزال ذلك في عيون غير المسلمين بأنه عمل فيزيائي محض (لف حول الكعبة). كما أنه ليس من الخُلق أن يطلق المسلم على غير المسلم نفس النوع من الأحكام، الموضوع أعمق طبعًا!

    3. لا أستطيع أن أقول أن «الحجاب» ضد «الشرف» في غرفة مليئة بالمتحجّبات، أو في مجتمع إسلامي، أو مجتمع محافظ عمومًا؛ فهذا نوع من الإقصاء الذي أخشى أن يكون فيه أيضًا الكثير من التكاسُل في البحث عن السياق، فالسياق ملك الموقف! ورمزية الحجاب في الإسلام – في رأيي – ليست لغطاء الرأس بشكلٍ مجرّد. بل هو رمز «للحشمة أمام العوام لدفع الأذى المجتمعي»، وكما أن لكل مقام مقال، أجد أن ذلك ينسحب على الملبس أيضاً؛ فالذكر – ليس كالأنثى – من ناحية التأثُّر العضوي بالنظر إلى امرأة متكشّفة، فيظهر لي أن الذكر كائن بصري أكثر من الأنثى بشكل عام، بينما أجد المرأة تتأثر بما تسمع أكثر من الذكر، ولذلك وُجِد مفهوم الحشمة، وارتبط بالدين للحفاظ على النسيج الاجتماعي، من الاختلالات في التواصل.

    4. تاريخيًا: قطرة الدم تعتبر رمزية لنقاء الأنثى من أيّ علاقات (جسدية) سابقة، وهذا أمرٌ لا طالما بحث عنه الرجل (في معظم الحضارات والديانات) عند المرأة. والسبب خلفه في الحقيقة، عضوي بحت: لأن المرأة الواحدة إن تم تلقيحها، فإن حياتها ستتغير إلى الأبد، ولا يحبذ الرجل (إن أتيح له الخَيار) أن يرتبط بامرأة تم تلقيحها من قِبل رجل/رجال آخر/آخرين، والعكس ليس صحيح.. فرغم ذلك، (في كثير من الأديان والحضارات) قد لا تُمانع المرأة الارتباط برجل قام بتلقيح عدة إناث أخريات قبلها.

    5. بالطبع الذكر لا يملك غشاء بكارة، لكنه سيكون «رجلًا» بمفهوم الرجولة كما وصفه المرحوم غازي القصيبي: إن تحمّل المسؤولية، ووقف على مصالحه ومصالح عمله وأصدقائه، وأسرته، ومجتمعه، ووطنه. وربما يتقاطع هنا وصف الرجل «الشريف» بالصفات المذكورة وهي «الرجولة».

    أخشى أن خلط السيدة نوال بالمفاهيم أضر أكثر مما نفع.

    والله أعلم.


    شكرًا لأخي وصديقي عُمر وليد عاشور، الذي أثرى هذه المقالة بتحريره وتصرّفه في كثير من الأجزاء.

  • يا صديقي لا أحد يهتم بك حبًا فيك

    في الأعمال: لا يكترث الآخرون في الحقيقة بك أو بمشاعرك أو بحسن نواياك، بنفس القدر الذي يكترثون فيه لمصالحهم الشخصية. هذا أمرٌ طبيعي، وإنكاره ضربٌ من الوهم.

    سيجاملك الاخرون إن طلبت الدعم مرة واحدة، وسيستمرون – دون مجاملة – إن أقرنت هذا الدعم بالمصلحة.

    من النادر أن تجد شخصًا يشتري جهاز آبل عشقًا للعلامة التجارية. بل لأن مصالحه وأعماله مرتبطة مع هذا الجهاز، وقد كان ستيف جوبز واعيًا لهذا الأمر، وهذا ما جعله يخلق حلولًا للمبدعين أكثر من التسويق لهم.

    لا أحد يشتري كتابك حبًا فيك، بل أنهم رأوا قيمة فيه لهم. لا أحد يستمر بالطلب من مطعمك حبًا فيك، بل لأن قيمة أكله مقابل السعر الذي تفرضه عليهم متوازنة. لا أحد يستمر في شراكته معك حبًا فيك، بل أنك مستمرٌ في تغطية نواقصه، كما أن لا أحدًا يحاول التقرّب منك بحثًا عن الأجر، بل لأن وجودك بالجوار يشعرهم بالأمان، أو بحصولهم على علمٍ أو خبرة لا يجدونها بالسهل من آخرين.

    لا أحد يهتم بك إلا أمك، حبًّا فيك. أما البقية فهم – دون عيب – يبحثون عن المقابل. المقابل الذي يجعل حياتهم أفضل قليلًا.

  • إن سألت الرجل عن طموحاته

    إن أخذنا أي رجل يمشي في الشارع، وسألناه عن عمله، وعن طموحاته، وعن تعليمه، وأجاب أنه لا يملك أيًا منها. لن يكون هناك حافز حقيقي لبناء علاقة طويلة الأمد بأي شكل تجاهه. في حين إن سألنا أي امرأة نفس الأسئلة، وأجابت بنفس الإجابة، سيكون الحال مختلفًا.

    قيمة الأُنثى محفوظة في أنوثتها وأمومتها ورغبتها وقدرتها على العطاء العاطفي والاحتواء على كل من حولها. تزداد قيمتها إن توّجتها بالطموح والتعليم والعمل. ولهذا، فإنه قد يكون من المعيب أن يختار الرجل لنفسه نمط حياة لا يتّسم بالعمل الدؤوب والطموح غير المتوقف، واستحضار الإحساس العميق بالمسؤولية. الرجل ببساطة لا يملك شيء إن لم يملك ما يصبو إليه في حياته.

    بيئة الرجل إن اتسمت ببعض التنافسية، وبعض الأخطار، فإنها ستزيده رفعة وحكمة مع الوقت. يستطيع الاستزادة بهذه المعطيات مع كل عام يكبر فيه، وعندما يكتمل نضجه وعقله فإن قيمته ستكون متعدية من دائرته الصغيرة إلى دائرة مجتمعية أكبر.

    يصف روبرت جرين نوعية حياة الناس بصفتين «حياة ميتة»: وهي في حال الإنسان الذي لا يملك ما يطمح إلى إنجازه في المستقبل: شهادة، ترقية، زواج، شراء بيت، إلخ. و«حياة حية»: وهي ما يحيا الإنسان من أجله كل يوم؛ وهو أخذ خطوة تالية تجاه شيء أكبر، وبحث دؤوب للرقي بالنفس.

    الرجل يجب أن يحيا حياة حية.

  • جرب وأن تترك معظم دفة النقاش لصديقك مرة واحدة

    ستتفاجأ أن سعادته برفقتك ليست كالمعتاد. الناس تعشق من تنصت إليها. والأصدقاء يزدادون حبًا وامتنانًا عندما يجدون صديقهم ينصت لهم أكثر مما يتحدّث إليهم. تجربة هذا الأمر مرة واحدة كل فترة، سيعطيك الكثير من المردود الإيجابي دون أن تشعر.

    الإنصات صعب، ولكن يسهُل إن كنّا واعيين لضرورة تطبيقه قبل أي لقاء، مع الأصدقاء ومع غيرهم.

    ولأنه أمرٌ صعب، فإنه سلوك ثمين، يقدّره القريبين قبل البعيدين.

  • أكبر ثروة يمتلكها الإنسان المعاصر

    هي قدرته على التحكّم في وقته، كما يُشير مورجان هوسل في الكثير من كتاباته الاقتصادية.

    لا يجب أن يركّز الإنسان على بناء ثروة، أو البحث عن إمكانية شراء أشياء استهلاكية جديدة. بل على إمكانية خلق نمط حياة يستطيع فيها إدارة وقته؛ يومًا بيوم، كما يشاء.

    هذه الثروة إن تأملها الإنسان، سيستوعب أن الكثير من الأموال والأعمال لا تعني بالضرورة الكثير من الوقت المتاح، ولا راحة البال الفائضة. ولا تعني أيضًا، أنه سيمتلك ما يريد من مساحات وقتية لتجربة شيء جديد، أو هواية مؤجّلة، أو المزيد من الوقت مع الأحباء والأصدقاء.

    الثروة الحقيقة للإنسان المعاصر (أو المزحوم بكل شيء) هو امتلاكه لقدرة عالية من التحكّم بساعات وشكل يومه، وليس فائضًا من المال والأشياء.

    هل يستحق هذا الأمر التأمل من إعادة التفكير فيه؟ والأهم.. هل يستحق أن نعمل لنصل إليه؟

  • دعوة للاهتمام بفترة التجربة

    بغض النظر عن المدة التي قد تستغرقها تجربة الأشياء والمهام والوظائف، وحتى العلاقات الجديدة (سواء الرومنسية أو المهنية)، فإنها ستكشف عن بعض الاختلافات بين الأفراد. هذه الاختلافات مهما حاول كل الأطراف إخفاءها، سوف تتجلى في التعبير عن أعماق الذات، التي قد لا تكون بالضرورة سلبية، بل متنوعة.

    فترة التجربة، هي ليست لتجربة الأشخاص، إنما لاختبار التوقعات.

    تستحق فترات التجربة أن يأخذها الإنسان بجدٍ أكبر. فهي تترك باب الخروج مفتوحًا للجميع.

    عندما جرّبت الرسم قبل بضع سنوات، اكتشفت أن هذا الشغف (الذي اعتقدت أنه شغف جديد في طور التشكل) سيكون جزءًا من نمط حياتي المستقبلي. ومع ذلك، عندما بدأت بالتقاط فرشاة الرسم واللوحة، بحلول الجلسة الثالثة، أدركت أن الأمر لم يكن له صدى حقيقي بداخلي. لم يكن هناك أي خطأ في ذلك، لكنه لم يكن «الألم المناسب» الذي أردت اختياره لنفسي. وعلى عكس الكلمات المكتوبة، التي أجد نفسي على استعداد لتحمل رتابتها، وطولها، وساعات الوحدة التي تأتي معها، وجدت أنها ليست مثل كثير من الهوايات. لا يتطلب الأمر استثمارًا ضخمًا أو أدوات عديدة إلى جانب الكمبيوتر، وبعض الوقت، والكثير من أحلام اليقظة، ولمسة من التفلسف على الآخرين.

    فترة التجربة، يقتنع بضرورتها أصحاب التجارب. الذين يعرفون أنها الخطوة الأولى لعلاقات طويلة الأمد مع الأشياء والأخرين. إن زانت، فقد زان الشيء الكثير بعدها.

زر الذهاب إلى الأعلى