سيكلوجيا الإنسان

لماذا ما نفتقده يملكنا؟

لا يملك عبدالعزيز منزلاً في كاليفورنيا، لكنه يملك أربعة منازل في مُدن مختلفة في العالم، ورث إثنان منها واشترى إثنان. يشعر بالأسى لعدم امتلاكه لهذا المنزل، وقد أصبح يعمل بجد طوال عامه الحالي ليمتلك ذلك المنزل بالقرب من سانتا مونيكا. لا يهمه دخله الذي تجاوز الـ ٣٠،٠٠٠ ريال شهرياً، ولا يريد أن يفكر سوى بطرق جديدة تجعله يستثمر قدر ما يستطيع وبأسرع وقت ليمتلك المنزل.

لا يشعر بالأسى كثيراً من حقق الميدالية البرونزية في الأولومبيات، لأنه يعرف بشكل مطلق أن إسمه قد سُجل في التاريخ كأحد الذين حصلوا على ميدالية في إحدى الدورات العالمية، ولكن لا يزال زميله ومنافسه الذي حصل على الفضية يعيش حالة طاغية من الفشل لأنه يعلم أن الفرق بينه وبين الذهبية كان جزءاً من الثانية.

طُرد Pete Best من فرقة البيتلز مطلع السبعينات، انكب في البداية داخل حزنه الشديد من هذا الإجراء الذي وجده تعسفياً في البداية، بعد أن أقنع أعضاء الفرقة مدير أعمالهم بطرد «بيست». لم يعش بيست حزنه لبقية حياته، فقد تعرف على صديقته كاثي (أصبحت زوجته فيما بعد) ليكمل معها مسيرة طويلة من الحب والوئام حتى يومه الحالي وهو في منتصف السبيعنات من عمره. استوعب بيست أن طرده كان أعظم أمر في حياته -كما يقول-، لأنه وبسبب ذلك الحزن المؤقت استطاع بطريقة ما التعرف على زوجته وبناء حياة جديدة، مريحة نفسياً – على حد قوله – رغم انتهاء أنشطة فرقة البيتلز بسنوات قليلة بعد انفصاله عنهم، ويعقب Mark Manson في كتابه أن بيست بالفعل استطاع التعايش بعيداً عن الأضواء والزخم الذي صاحب فرقة البيتلز وقتها، ليكون ممتناً بأن خروجه كان من أفضل الأمور التي حصلت له في حياته.

 في المقابل Dave Mustaine المغني الذي طُرد من فرقة Metallica عام ١٩٨٣، انكب في حالة هيستيريا من الغضب والحزن، أدمن الكحول والمخدرات لفترات طويلة، حاول الإنتقام من الفرقة عدة مرات بأشكال مختلفة .. كان أكثرها إيجابية (ربما) محاولاته المتواصلة بتحقيق مبيعات أغاني تتجاوز مبيعات ميتاليكا، إلا أنه فشل في هذا الأمر.

يفتقد مُستين ميداليته الذهبية في كل مرة يجد نفسه أقل بدرجات من الفرقة التي طردته، لم يستمتع طوال فترة الثمانينات (والتسعينات) بنجاحاته الخاصة وملايينه التي حققها من حفلاته ومبيعات ألبومه .. كل ما كان يشغل باله تساؤله: «كيف أصبح أكثر ثراءاً ونجاحاً من ميتاليكا؟» .. بل أن الأمر طال ليحاول الإنتحار من فشله في تحقيق مبيعات تفوق مبيعات الفرقة التي طردته.

كان يمكن لمُستين تجاوز الأمر بسهولة، إلا أنه فضل أن يحارب .. وأن ينافس في لعبة محسوم أمرها لصالح ميتاليكا، وكان الأهم من ذلك إمكانيته على الإستمتاع بكل تفاصيل نجاحه الساحق مقارنتةً بغيره من المغنيين الباقيين، أو ربما كان بإمكانه أن يعيش فقط بطمأنينة مثل ما فعل بيست في حياته. إلا أنه قرر أن يتألم … قرر أن يتألم من الشيء الذي لا يملكه (ولن يملكه ربما) ..

مثل ما يتألم صديقنا عبدالعزيز في بداية المقالة.

أحمد مشرف

كاتب ومدون سعودي، مؤلف كتاب ثورة الفن، وهم الإنجاز، ومئة تحت الصفر. مقدم بودكاست أحمد مشرف، شريك في بعض المشاريع الصغيرة. مقيم بين ميامي وجدة.
زر الذهاب إلى الأعلى