سيكلوجيا الإنسان

عن ظاهرة القتل الجماعي في أميركا وما يمكن لنا تعلّمه

ترددت في نشر هذه المقالة، لأسباب حساسة.. ولكن أجد نفسي الآن أود مشاركتها.

«هناك هذا مسار واضح متّسق. يبدو أن صدمة الطفولة المبكرة هي الأساس، سواء كان العنف في المنزل، أو الاعتداء الجنسي، أو انتحار الوالدين، أو التنمر الشديد. ثم ترى النمو تجاه اليأس، ثم ثبات اليأس، والعزلة، وكراهية الذات، والإحساس بالرفض في كثير من الأحيان من الأقران. يتحول ذلك إلى أزمة يمكن تحديدها ورؤيتها، حيث يتصرفون [المجرمين الصغار] بشكل مختلف. وفي بعض الأحيان يكون لديهم محاولات انتحار سابقة.»

كان هذا التعليق على لسان الدكتورة جيليان بيتيرسون، والتي شاركت زميلها جيمس دينسلي في تأليف كتاب يتناول القضية البائسة وشديدة الأثر:  قضية القتل الجماعي، والذي يحمل عنوان The Violence Project (مشروع العنف).

وتتبع بقولها: «ما يختلف عن الانتحار التقليدي هو أن كره الذات ينقلب ضد مجموعة. بدأوا يسألون أنفسهم، «ذنب من هذا؟» [ثم يميل التساؤل] هل هي جماعة عرقية أم نساء أم جماعة دينية أم زملائي في الصف؟ تتحول الكراهية إلى الخارج. هناك أيضًا سبب آخر وهو البحث عن الشهرة والسمعة السيئة.»

أزمات الطفولة فقط؟

إن راجع أي إنسان حياته سيكتشف أن في بدايات لحظات اليأس والانكسار والخسائر الفادحة تقوده نفسُه لمحاولة التملص من هذه المشاعر عبر تحميل الآخرين أو الظروف المسؤولية. كاملة.

ولذلك دائمًا ما كانت إحدى أهم الفضائل التي تساعدنا على المضي في حياتنا هي ما أُسميه فضيلة «تحمّل المسؤولية» أو «لوم الإنسان لنفسه» على الأقل في الحاضر وبعد البلوغ وبعد الإمساك بزمام الحياة عند الكِبر. فالكثير منّا قد واجه نوعًا من العُقد، والتحديات النفسية والكثيرين أيضًا قد نجوا بنسب متفاوتة. إلا أن رصيد الإشادة الأكبر يذهب لمن تجاوزها كلها لحياة أفضل.

ولكن، ماذا إن استمر الانكسار؟ ماذا سيحصل إن تأكد وآمن الإنسان بأن قدره هو الرفض والعزلة والإحساس بالكراهية؟ كيف سيُمسك زمام أمور حياته دون أن يركض خلف شبح التعبير عن هذه المشاعر التي تتحول إلى إجرام منظم يروح ضحيتها أطفال أبرياء؟

الحقيقة المؤسفة الأولى هي أخذ قرار المجرم بالانتحار؛ وقبلها قرار الانتقام!

«لا أعتقد أن معظم الناس يدركون أن هذه الحالات حالات انتحار، بالإضافة إلى جرائم قتل قبلها. القاتلين الجماعيين يصممون هذه الحركة لتكون أعمالهم النهائية. عندما تدرك ذلك، فإنها تقلب تمامًا فكرة أن شخصًا ما يحمل سلاحًا في المشهد سوف يتوقف بأي شكل من فِعل ذلك. هؤلاء الأفراد أتوا ليقتلوا ويُقتلوا. من الصعب التركيز على الانتحار وحده هنا، لأنها جرائم قتل مروعة. لكنها جزء مهم من التصرف. وفي نفس الوقت نحن نعرف الكثير عن عالم منع الانتحار.» تعلّق بيتيرسون.

وماذا لو استوعبنا أن القتلة هم أفراد عاديون من المجتمع قبل أن يتحولوا إلى قتلة؟

بيترسون تعلّق «إذا شرحنا هذه المشكلة على أنها شر محض أو أي تسميات أخرى مثل الهجوم الإرهابي أو جريمة كراهية، فإننا نشعر بحالٍ أفضل لأنها تجعل الأمر يبدو وكأننا وجدنا الدافع وحل اللغز.

لكننا لم نحل أي شيء. لقد شرحنا المشكلة للتو. ما تفعله هذه المصطلحات الإشكالية حقًا هو منعنا من إدراك أن الرماة الجماعيون هم جزء منّا. يصعب على الناس الربط في هذا الأمر، لأن هؤلاء الأفراد قاموا بأشياء مروعة ووحشية. ولكن قبل ثلاثة أيام، كان مطلق النار في المدرسة هو ابن شخص ما أو حفيده، أو جاره، أو زميله، أو زميله في الفصل. علينا أن نتعرف عليهم في وقت سابق على أنهم «أشخاص مضطربون» إذا أردنا التدخل قبل أن يصبحوا وحوشًا».

كلمة السر الأولى هنا «التعرّف عليهم» ولأننا في مجتمعاتنا محظوظين بندرة هذه الظاهرة، فإن أول ما يقودني إليه التحليل اليوم هو «التعرّف على الظواهر قبل الأشخاص» وقبل أن تُحدِث انفعالات، كما سنذكر.

هل قد يكون هوس الشهرة؟

نزعة الإنسان للبحث عن المكانة مع من حوله تقوده لرغبة الوصول إليها مهما كانت الوسيلة أحيانًا، فقد تكون الشهرة هي الغاية، أما الوسيلة فليس شرطًا أن تكون أمرًا سامية. وقد أثبت التاريخ أن أحد أهم محفّزات المجرمين للقيام بجرائمهم على مرأة البشر، هي فكرة تخليد أسمائهم في التاريخ. وربما يكون «مارك ديڤيد تشُبمان» قاتل المغني الشهير جون لينون أشهرهم، حيث برر ذلك صراحًة.

لا يميل الإنسان للتعقّل قدر ميله للاستجابة إلى عواطفه ولما يتوق إليه في حياته.

وهنا سببٌ آخر (سطحي قليلًا) يجعلنا نستخف بظاهرة انتشار مشاهير «السناب شات» وبقية قنوات التواصل الاجتماعي، ونكتفي بلسان حال يقول «كم إعلان تجيب ملايين».

وإن سألت بعضًا من المتابعين المخلصين لهم، قد لا يعطوك إجابات صريحة عن قيمة المحتوى الذي يقدموه، إلا أن السبب الدفين خلف المتابعة هو رؤية «ما يتوق إليه الإنسان» عاطفيًا من خلالهم، فكثيرين يتمنون السفر دومًا، ويتمنون حضور أهم المناسبات الاجتماعية، وأن يكونوا على قدرٍ عالِ من الأناقة والتقدير، والأهم أن يكونوا مشهورين، حتى وإن كان ذلك على حساب القيم. فالشهرة تغذي العاطفة، والعقل لا يغذيه سوى الجهود الكبيرة والأعمال المضنية والتي تستعصي على العامة، فنتجه لفكرة الشهرة، دون التركيز على ما قبلها.

نتعلم من ظاهرة القتلة العشوائيين أن الإنسان عرضة للتطرف إن لم لكن لديه رادع، ونتعلم أن الظواهر السلوكية قد نكتفي بكونها ظواهر حتى تتحول تدريجيًا إلى هوس، مع الخوف بأن يقود هذا الهوس للتطرف.

بالطبع ليس لدينا بفضل الله ظاهرة بهذا المستوى من التطرف في مجتمعاتنا، ولكن خشيتي أن ننجرف إلى أي تطرُّفات، حتى وإن كانت أقل بكثير من هذه الظاهرة المشؤومة لدى الغرب.

وأخشى أن يقوم أحد المشاهير في يومٍ ما برفع مستوى الجرأة وعدم التعقل للحصول على متابعين أكثر مثلًا. أخشى أن تتكرر تجربة الصحوة لتخلق لنا «حور عين» بهيئة جديدة تتمثل في الشهرة ورغبة تسجيل الأسماء في التاريخ.

الوقاية؟

هي كلمة السر الثانية التي أشارت إليها بيترسون، المتابعة اللصيقة للسلوكيات غير السوية قد تكون حلًا آخر، ودونهم، قد نشهد مجتمعات مثل مجتمع الولايات المتحدة والذي يسير نحو فقد الذات من خلال هذه الجرائم التي أصبحت أكثر غزارة من أي وقتٍ مضى، وأكثر ميلًا لأجندات تخدم «الديمقراطية الراديكالية» منها للقيم المجتمعية. وربما نشهد دعم مجتمع المثليين هو جوهرة عدم الوقاية هذه الأيام، وهو والله أعلم التطرف القادم الذي سيخلق أشكالًا أخرى من القتلة الجماعيين.

أحمد مشرف

كاتب ومدون سعودي، مؤلف كتاب ثورة الفن، وهم الإنجاز، ومئة تحت الصفر. مقدم بودكاست أحمد مشرف، شريك في بعض المشاريع الصغيرة. مقيم بين ميامي وجدة.
زر الذهاب إلى الأعلى