شؤون اجتماعية

في النادي: هل لاحظتم أن الشباب أصبحوا خلوقين؟

قررت الاشتراك في نادي «وقت اللياقة» مستغلًا العروض الحالية، ومستثمرًا زخم برنامج المدرّب الشخصي الذي التزمت به في نادٍ وأنا في الخارج لمدة تزيد قليلًا عن الشهر، وطبعًا محاولة لتجنب الحر الذي بدأ ينطفئ هذه الأيام باستبدال المشي بآلة الدراجة.

أول ملاحظاتي كانت أن النادي أصبح شديد الازدحام فعلًا. أخبروني أن هناك فرعًا قريبًا كان قد تم إغلاقه، ليتحول معظم عملائه إلى الفرع الذي أزوره، كل يوم أصرف قرابة العشر دقائق بحثًا عن موقفٍ لسيارتي، في مختلف الأوقات، ظهرًا، عصرًا، مساءًا، وبالكاد أجد واحدًا في الحارة المجاورة.

بعيدًا عن التنظير؛ أجد أن هذا الأمر إيجابيًا في الحقيقة..

شعور جيد أن تجد جميع طبقات ونوعيات المجتمع تتمرن حولك، المُسن والمراهق وصاحب الشياكة والآخرين مثلي الذين يرتدون أول شيء يروه في الدولاب. كلما أتقدم سنة واحدة في العمر، تزداد مساحات تفكيري تجاه مستقبل بناتي، أحاول أن أُحِل هذه المعضلة بتأمل سلوك المراهقين والشباب الأكبر قليلًا، وبلا شك أعتقد إن نسبة كبيرة من المجتمع تحاول تربية نفسها على الانضباط، على الأقل في النادي الذي يعطي مفعول الإعصار كما يقول «تيت»؛ إن التزمت في التمرين، ستجد إنك مرهق بعد فترة، وستنام بشكلٍ أعمق بطبيعة الحال، ثم سيقودك هذا النمط إلى التحسّف على الوجبات السريعة التي ستُضيّع تعبك في النادي، لتبدأ التفكير في الأكل الصحي، وبعدها سوف ينعدل مزاجك وجسدك بسبب طرد التوتر من خلال التريُض بالتدريج لتُنتج أكثر في عملك اليومي، وبعدها ستجد أنك بسبب الرياضة أصبحت منتظمًا في أمور أخرى كثيرة جانبية في حياتك.

كلما أخبرت أحدًا إنني مشترك في هذا النادي، يكون أول تعليق سلبي تجاهه «أنه مزدحم» وأصبحت أقول: أن تكون مع هذا النوع من الازدحام خيرٌ من أي نوع آخر، وفي الحقيقة يجعلك الازدحام متحمسًا إن نظرت له بشيءٍ من الإيجابية.

ملاحظتي الثانية (دون مزايدة أو مجاملة) أن الشباب السعوديين عمومًا ومرتادي النادي خصوصًا أصبحوا غاية في الأدب والذوق، أجد دون مبالغة أننا أصبحنا شعبًا مؤدب أصيلًا، تجد في كل زاوية محاولات مستمرة مساعدة الشباب بعضهم البعض، المحترفين يساعدون المحترفين الآخرين في الأوزان الثقيلة جدًا، والمتوسطين لا يمانعون أبدًا تعليم المبتدئين في أفضل وضعية حمل أثقال. تجد لحظات كثيرة شخصًا بالكاد يُسقِط أثقاله لتُفاجئ بصراخ من حوله «شد حيلك يا بطل» أو «إيوة! إنت قدّها» متبوعة ببعض التصفيق. لاحظت أن معظم الشباب أصبحوا يستخدمون كلمات لطيفة ونبرات صوت متزنة، يسارعون للاستجابة على أي اعتراض أو ملاحظة من أحد الزملاء.

أحد الصِغار طلب مني بأدب أن أساعده بالرفع على جهاز السكوات، انتظرت أن يقول يا عم، لأتركه وأتحول أنا إلى قليلٍ للأدب، لكنه من حسن الحظ اكتفى بـ «لو سمحت»، بعد أن ساعدته اكتشفت أنه في العمر السادسة عشر، أصغر مني بعشرين سنة.. هو ومجموعة كبيرة ممن في عمره منتظمين جدًا علي ارتياد النادي، أراهم كل يوم؛ هذا الأمر أصابني بفرح غير مبرر.

قد يقول القارئ الكريم إنني أُبالغ قليلًا، لكنني في الواقع لم أرى هذا التفاعل الاجتماعي اللطيف في الخارج لسنوات وأنا أتمرّن.

وأُعلّق أيضًا: أن نفسية الابتعاد والإجازة ومحاولتي المستميتة للتنبؤ بمستقبل مشرق هي ما جعلت الأمر السلبي، إيجابي.. ربما.

أحمد مشرف

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. حصل على جائزة الكاتب السعودي من معرض الرياض الدولي للكتاب ٢٠٢٠، شريك في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.
زر الذهاب إلى الأعلى