اسطنبول

  • St. Regis أكتب لكم من الفخم: سان ريجس

    قررت أن أكتب لكم اليوم وأنا في أحد مقاهي نيشانتاشيه أسفل فندق St. Regis الفخم (والذي لا أقيم فيه طبعاً، ولكن صدف وجوده بجانب مطعم الغداء، وصدف أيضاً أن المقهى تقريباً فارغ).

    سألت نفسي عندما استيقظت صباحاً؛ هل ستخرج كلمات مختلفة إن كتبت في مكان آخر غير مكتبي الأليف في جدة الواقع فوق شاورما شاطر؟

    وقبل أن أُجيبكم على هذا السؤال سأحكي لكم ما حصل … استيقظت من النوم وأنا أشعر بملل عجيب لأن جميع مهامي العملية قد انتهت منذ البارحة، لأواجه يومي الفارغ كما أريد، وقد ورد في ذهني السؤال أعلاه.

    خرجت من فندقي متأخراً نسبياً بنية تناول الغداء في نُصرت برجر، ركبت سيارتي المستأجرة والتي فاجئتني البارحة بخاصية جديدة فيها، وهي خاصية انعكاس شاشة الجوال على شاشة السيارة، والتي يمكنك من خلالها تقريباً التحكم بمعظم تطبيقات جوالك.

    وضعت خريطة Apple لأنها التي تعمل على شاشة السيارة (وليست خرائط جوجل الأكثر دقة وسهولة في الاستخدام):

    “Nusr-et Burger Nisantasi” وهذا المطعم أحد فروع مطعم نُصرت الشهير في اسطنبول. ميزته الوحيدة بالنسبة لي، أن زبائنه العرب والخليجيين أقل بمعدل ٩٠٪ وهذا ما يشجعني لسبب داخلي -مثل شعور معظم السعوديين- بالذهاب إليه.

    على كل حال، تفاجئت أنني أصبحت في القسم الآسيوي من إسطنبول، مما استدعى تضييع ٤٥ دقيقة للعودة إلى طريق المطعم الذي يبعد أصلاً عن فندقي ٢٠ دقيقة تقريباً، والسبب كان استخدامي الارتجالي لخريطة جديدة بدلاً من Google Maps.

    عندما وصلت .. طلبت طبقين من النادل مع مشروب .. وجدت أنني للأسف لم أشبع، لكن خجلي من انطباع الجرسون قادني إلى مداراة الأمر وطلبي للحساب.

    خرجت من المطعم .. الجو في قمة البرودة هُنا. كل المقاهي التي حول المطعم كانت مزدحمة، كُنت أود الجلوس بهدوء كما أجلس الان وأنا أتحدث معكم، لا يشغل بالي إلا أمر واحد فقط .. لم تكتب شيء اليوم .. لم تكتب شيء اليوم! .. وها أنا قد استأذنت من الشيطان لأخاطبكم.

    وعودة لسؤال بداية المقالة … هل ستخرج كلمات مختلفة إن كتبت في مكان آخر غير مكتبي؟ … الإجابة القصيرة بالطبع هي: لا، لأن نفس العقل الموجود في جدة هو نفسه الموجود الآن في اسطنبول!

    ولكن أقول بشكل مُطول … أولاً: أنني لم أجرب أن أكتب من قبل عن تجربة غداء محددة، وتفاصيل غريبة لا تهم القارئ كموضوع السيارة، والجي بي إس، واختياري لمقهى فندق سان ريجس. ولا أعلم بكل شفافية عزيزي القارئ مدى تقبلك لمثل هذه الكتابات وهذه المواضيع. لكنني اليوم قررت محاولة ممارسة الصدق مرة أخرى فيما أكتب. فبالفعل خجلت من النادل لأنني لم أشبع، وبالفعل تهكمت على بعض الأصدقاء الذين يحرصون على إخبار الآخرين أنهم يقيمون في فندق فخم.

    والأمر الآخر أنني … كُنت أود أن أُسكِت صوتي الداخلي والذي يطلب مني أن أنهي جزءاً من الكلمات التي يجب أن أنجزها اليوم.

    شارع نيشانتاشيه

    الكتابة

      تثير الأفكار، وتوثقها .. وتجعل منها أكثر واقعية، وهي في المقابل تجعل من القارئ يثير التسؤلات داخله رغماً عنه، لأنه ببساطة يقرأ، حتى وإن كان المحتوى (في بعض الأحيان) لا قيمة له.

    لا أعتقد أن شيء قد اختلف جذرياً من مكان الكتابة المختلف. ربما النفسية المصاحبة لإنجاز هذا الأمر قد اختلفت! .. لكن لا يعني هذا الأمر أن الإنجاز له علاقة مباشرة بالنفسية، فمقاومة المغريات (والشيطان) هي المطلوبة، في جدة أو في حفر الباطن!

    .. أوووه ها قد نزل المطر، وكأن الجو ينقصه بعضاً من البرودة!

  • حتى المحافظين كانوا سيخرجون إلى عشاء ليلة السنة في اسطنبول

    إن كنت أحد أبناء العوائل المحافظة، لربما ستبادر أو سيبادر أحد من أهلك باقتراح الخروج للعشاء في ليلة رأس السنة -بطبيعة الحال- تماماً كما حدث في دبي، وحدث في بقية العالم .. وكما حدث في اسطنبول.

    الإرهاب لا دين له … والبحث عن الترفيه في أي وقت حق مطلق لأي أسرة وأي فرد في أي وقت.

    توفيت الآنسة الكريمة لُبنى غزنوي -رحمة الله على روحها- من هذا الفعل الغاشم، وتوفي أبناء عائلة الفضل، وغيرهم من العوائل والذين اعتبرهم شخصياً ضمن خانة الأحباء والأهل، رحمهم الله جميعاً.

    أرجوك قارئي العزيز … لا تقترب أي خطوة من روح الكراهية، وأرجوك أن لا نتعاطف ولو للحظة مع هذا الفعل الشنيع.

    الكلمات لن تستطيع أن توصف هذا الفقد على الأهالي، ولن أستطيع أن أتقدم بأي شيء يعزيهم سوى الدعاء لهم جميعاً بالمغفرة ولأهاليهم بالصبر، وبعض الكلمات المكتوبة.

    ٤ عزوات ستُقام في جدة وحدها.

    ولا حول ولا قوة إلا بالله.

  • اسطنبول والموروث العثماني

    عندما تتحدث مع أحد الأتراك من الجيل القديم، ستجد الكثير من التفاخر بإنجازات الدولة العثمانية. وتجد في المقابل شبابهم (أكثر من ٦٠٪ سكان تركيا أعمارهم أقل من ٣٥ سنة) يعيشون كل تفاصيل حياتهم بعيداً عن أي موروث ثقافي عثماني عريق.

    يغلب على الشباب نمط الحياة الأوروبية المعاصرة أكثر من التركية العتيقة، النسبة الأعظم لا تتحدث اللغة الإنجليزية في اسطنبول رغم انتشار الأغاني، والمأكولات والعديد من المنتجات الأجنبية والأمريكية على وجه الخصوص في جميع أنحاء المدينة.

    لستُ هنا أتطرق للموروثات الدينية، بل الإجتماعية التي ورثناها نحن في مدن الحجاز ونعيش بقاياها حتى اللحظة رغم تمّدُننا وكثرة شبابنا. كنت أشاهد والدتي تلبس ملابسهم، ومعظم سُفرِنا في رمضان تحتوي على مأكولاتهم، وعندما أسألها تقول لي “معظم عادتنا وما نأكله أو نلبسه تعلمناه منهم في المدينة المنورة”.

    زرت اسطنبول مؤخراً، أحزنني وأفرحني في نفس الوقت حال المدينة … تطور مذهل حصل في اسطنبول على الأقل منذ آخر زيارة لي لها العام الماضي، العديد من المراكز التجارية الجديدة افتتحت مؤخراً، والكثير من الوجهات التي تستحق الزيارة أصبحت تُغرق المدينة. وأجد بشكل واضح اجتهاد الحكومة التركية للإرتقاء بها.

    عتبي قليلاً كان بتعامل أهلها القاسي مع الضيوف، وعند تحدثي بهذا الأمر مع زوجتي ردت لي بدبلوماسية “تخيل لو أن مدينتك تعج بالسياح كل يوم طيلة العام!”. أعجبني جداً وجود مكتبة في كل مركز تجاري، وأعجبني أكثر حرصهم الشديد على ماضيهم -رغم عتبي علي قسوتهم في الحاضر- وعند سؤالي الجريء لأحد أصدقائي الأتراك عن مزاجهم الصعب وأخلاقهم غير الآمنة، أصر أن هذا السبب يعود إلى ضعف الحالة الإقتصادية عند معظم السُكان والتي تنعكس سلباً على ضيوفها !!

    أجد أن اسطنبول (وتركيا) من أكثر ما شاهدت في حياتي من تناقضات … فهي مليئة بالفنون والموسيقى الساحرة والكثير من المزاج الصعب، تطور مذهل بشكل متسارع مع ازدياد وجود عدم رضاً عام عن الحالة الإقتصادية.  وأيضاً يُترجم هذا التناقض في وجود العديد من الآثار الإسلامية والكثير من الإنتماء للتيار العلماني، وحتى على المستوى السياحي … وجدت تنافساً كبير بدأ يرجح الكفة لصالح المنتجات والثقافة الغربية، على التركية.

    ربما يكون تناقضها هو سبب جمالها …

    (مجرد رأي شخصي).

زر الذهاب إلى الأعلى