سيكلوجيا الإنسانشؤون اجتماعية

لماذا لا يُعبر المراهقين والعمالة عن ما بداخلهم؟

-١-

استوقفتني في أكثر من قصة مؤخراً أمر معين مع فئتين من الناس، وهم المراهقين والعمالة البسيطة. وهو عدم امتلاكهم بشكل عام القدرة على التعبير عن ما بداخلهم.

اتفهم هذا الأمر قليلاً مع العمالة، والسبب أن شعورهم بالدونية مع الأسف (على ما أعتقد) وضع ذلك الحاجز بينهم وبين من يعملون معهم، لتجدهم يعيشون في عالم افتراضي غير الذي يعيش فيه أربابهم. ويمكن ترجمة هذا الأمر في عدة خلفيات تساؤلية مثل: هل نعلم ماهو الوضع الاجتماعي الكامل لدى سائق المنزل أو العاملة؟ … هل نعلم ما هي خطتهم في هذه الحياة؟ .. أو كم هي الفترة أو عدد سنوات العمل المتوقعة حسب ما فكروا قبل مجيئهم؟ ..

وبتساؤل من نوع آخر: هل فعلاً نعلم الدوافع الحقيقية خلف هروب بعضهم المفاجئ من المنزل؟ .. لنسمع بحسم رد إحدى ربات البيوت على هذا الفعل لتقول: «لم نكن مقصرين معها!» .. أو «الجنسية الفُلانية ليس لها أمان! ..». وقبل تبّني إجابة ربات البيوت، أود حقيقةً أن أستوضح .. لماذا أصلاً لا نحصل على أي حكايات أو تعابير عن مشاعرهم اتجاه وضعهم قبل الهروب أو في أي وقت آخر؟ (إلا في تلك الحالات الحرجة جداً مثل وفاة أحد الوالدين).

لتُترك الإجابة على تبريرات ربات البيوت دون تبرير نفسها، وهنا أقول .. حتى بزعم الأهالي وأرباب العمل أنهم بالفعل لم يُقصروا، إلا أن الجزء الاخر من القصة لا يزال مفقود.

جربت شخصياً أن أُسقط هذا الأمر على بعض التجارب عندما جلست أكثر من مرة في جلسة واضحة وصريحة بتأكيد مُفرط بإعطاء الأمان في النقاش مع عدة عُمال بسيطين يعملون معنا في أحد الشركات، محاولاً أن أُثير بعض الصراحة حول أهم المواضيع التي تخصهم مثل: المستقبل .. الوضع الحالي .. رغبتهم في العمل أو إيجاد بديل، وكيف يمكننا أن نُحسن الوضع العام. إلا أن الأمر ينتهي  في أغلب الحالات بصمت كامل منهم .. أو برد مختصر بعدم وجود شيء يحتاج إلى تغيير .. لأُفاجئ بعدها بأفعال صادمة لم تعكس حقيقة الموقفين الأخيرة (بعدم وجود مشكلة) من جلسات النقاش.

-٢-

وبخصوص المراهقين .. أخشى أن تكون فجوة «النشأة» هي التي خلقت لهم هذا الحاجز، فلا أجد رغبتهم قبل قدرتهم تساعد على البوح بما يريدون أن يقولوه في الكثير من الحالات، أو حتى مجرد التحدث عن مخاوفهم وما يحبوه أو ما يكرهوه أمام أهاليهم وكِبارهم. وتجدهم في المقابل منغمسين تماماً في إتقان مهارة التعبير لأصدقائهم واللذين لا يملكون هم الآخرين في -حالات كثير- القدرة على معالجة مشاكلهم ومخاوفهم أو التفاعل معها بشكل عملي حقيقي، عوضاً عن التركيز على بعض المسكنّات.

بالتأكيد لا أُسقِط هذه الملاحظة على الجميع!، ولكن عندما أسترجع الكثير من المواقف أجد نفسي حائراً بالفعل أمام أي تصرف غريب يحدث من قِبل أحد الفئتين بعد البحث عن ما في قلوبهم، وأقول في نفسي «كان سيُحل الأمر بسهولة .. فقط إن قال لي بشكل مباشر ماذا يريد ولماذا .. أو ما هي مشكلته وكيف يمكنني المساعدة»، مثل ما حصل مع إصرار أحد العُمال عندما احتال حيلة كبيرة أضرت به وبمن حوله .. فقط لأنه كان يبحث عن القليل في زيادة الراتب أو مبلغاً من المال كان من الممكن أن يحصل عليه بسهولة إن طلبه أو استلفه!. وتجد في مواقف أخرى عدم تعبير أو إنكار أحد المراهقين على موقف معين من قِبل آبائهم ليُحرك الكثير من التصرفات غير المباشرة مثل التمرد أو العصيان والذي لا يكون في العادة هو السبب، إنما محرك داخلي لشيء أكبر.

أثير تساؤلاً اليوم وفضول لم يصل بي إلى إجابةً بعد، ولا أعلم إن كان القارئ الكريم تنبأ بمثل هذه الملاحظة أو استوعبها من قبل.

لماذا لا يملك البعض الرغبة أو القدرة للتعبير عن ما في داخلهم؟

أحمد مشرف

كاتب ومدون سعودي، مؤلف كتاب ثورة الفن، وهم الإنجاز، ومئة تحت الصفر. مقدم بودكاست أحمد مشرف، شريك في بعض المشاريع الصغيرة. مقيم بين ميامي وجدة.
زر الذهاب إلى الأعلى