أحمد مشرف

أحمد مشرف

كاتب ومدون سعودي، مؤلف كتاب ثورة الفن، وهم الإنجاز، ومئة تحت الصفر. مقدم بودكاست أحمد مشرف، شريك في بعض المشاريع الصغيرة. مقيم بين ميامي وجدة.
  • المكان الخاطئ للنصيحة الخاطئة

    طبيعة الإنسان تقوده للإدلاء بدلوه في أي موضوع يُسأل عنه. تخفُت غريزة الإفتاء كلما كان موضوع السؤال نوعيًا أو إن كان يتطلب خبرة محددة لا يمتلكها بقية العوام.

    إن سألت أي إنسان عن رأيه في مطعم معروف سيُجيبك برأيه السلبي أو الإيجابي إن جرّبه من قبل (كزبون)، لكن تفاصيل الإجابة قد تكون مختلفة إن سألت طبّاخًا محترف، والذي قد يُعطيك رأيًا تقنيًا بحت، قد يخدم وقد لا يخدم الزبون العام للمطعم. عند رغبتك بزيارة المطعم اقترح أن تسأل زبونًا سابق، وعند رغبتك في افتتاح مطعم مشابه عليك الطبّاخ المحترف والزبون السابق.

    وإن سألت أي بني آدم في الشارع في مسألة تخص الدين أو الشأن الاجتماعي أو الكرة أو الكورونا، قد يتحمس بالإدلاء برأيه بغض النظر عن إلمامه الكلي لموضوع السؤال، وهذا أمر طبيعي؛ لأنه يعتقد أن مجرد ارتباطه لفترة طويلة بهذه المواضيع وانتشارها في الفضاء الإعلامي يعطيه حقًا غير معلن ليقول رأيه، بينما لا يستطيع أن يعطيك أي إجابة إن كان سؤالك سؤالًا نوعيًا يخص مثلاً الهندسة الفيزيائية أو تغيُر المناخ أو المقامات الموسيقية. ببساطة لأنه لن يسعى بشكلٍ متعمّد لهز صورته أمامك.

    أي شخص يُسأل أو يُطلب منه استشارة يشعر بشيء من النشوة والفوقية، مهما كان السؤال بسيطًا أو معقدًا، وفي رأيي هذا ما يحفز الإنسان للميل إلى الإدلاء بدلوه في كل شاردة وواردة.

    إلا إنني اليوم أود أن أُلفت النظر لنوع معين من الأسئلة، والتي أجدها بالغة الخطورة في تأثيرها أحيانًا على السائل والمسؤول.

    وهو أن تسأل شخصًا في تخصص يعتقد أنه مُلِم فيه، لاقتراب تخصصه الرئيسي منه.

    تقاطع التخصصات يجعل الإنسان حتى صاحب الخبرة النوعية أحيانًا يعتقد أنه يفهم أكثر من مجاله المحدود. أضرب على سبيل المثال صنعة «نشر الكُتب»:

    مهنة «الكاتب» تختلف كليًا عن «المحرر» وعن «الناشر» وعن «الموزع» ما يتقاطع معها جميعًا الكتاب المنشور طبعًا، إلا إن كل واحد فيهم له عالمه الخاص وتحدياته المختلفة. ولا يعي أحيانًا الكاتب الجديد الفرق بينهم، وغالبًا ما يتجه لطلب النصيحة في المكان الخاطئ؛ كأن يسأل الكاتب عن العنوان الأفضل لكتابه القادم.. بدلًا من أن يسأل الناشر والموزع واللذان يتعرضان لعدد أكبر من الزبائن، وهم مُلمّين بذائقة المتسوقين القراء الذين يتمشون في أروقة المكتبات ومعارض الكُتب.

    هذا النوع من الأسئلة نجده كثيرًا في حياتنا اليومية مثل أن يسأل أحدهم طبيب باطنة عن دواء جلدية شديد الأعراض الجانبية، ومثل ما يُشجع أحيانًا أخصائي المختبرات أو أطباء الأنف والأذن والحنجرة بالظهور بين الحين والآخر على الواتساب ليخبرونا عن فوائد الزنجبيل والليمون والعسل على الريق لصحة المعدة.

    تقاطع التخصصات لا يعني أن الناصح بالضرورة شخصٌ كُفء للنصيحة.

    نعلم أن مجرد البحث عن النصيحة أو المشورة أمرٌ مهم في حياتنا، لكنه لا يقل أهمية عن التأكد من التخصص الدقيق والنوعي لمقدم النصيحة.

    في عالم الطب النفسي مثلًا، هناك تخصصات دقيقة لمعالجة الإدمان، أو الفقد، أو المشاكل الزوجية، أو الصدمات النفسية، أو الأمراض المزمنة وغيرها. وقد يكون طلب النصيحة من صاحب التخصص الدقيق يأتي بفعالية أكبر مما نعتقد.

    وهنا ربما أشجع قبل طلب النصيحة على البحث قدر الإمكان عن المكان الأكثر دقة للحصول على النصيحة النوعية.

    كأن نبتعد مثلاً عن كُتاب الخواطر في بحثنا عن نصيحة مع شريكنا الرومنسي.

    أو أن نبتعد عن الكهربائي لاختيار أفضل أنواع الإطارات.

    أو أن نبتعد عن مدرب النادي ليعطينا نصيحة تغذية لمريضي السكر.

    كان الله في عون الجميع.

  • طوبة طوبة

    «توقف عن التفكير في الجدار اللعين!» قال والده «لا يوجد جدار. لا يوجد سوى الطوب أمامك. مهمتك هي وضع هذا الطوب بشكل مثالي. ثم ننتقل إلى الطوبة التالية. قم بوضع هذا الطوب بشكل مثالي. ثم التي تليها.. ثم التي تليها. لا تقلق بشأن عدم وجود جدار. همك الوحيد هو لبنة واحدة».

    يحكي ويل سميث قصة الجدار الذي انشغل في بنائه في منزلهم مع أخيه عندما كانوا صِغارًا. لم يكن اختياريًا، بل كان إجبارًا من أبيهم الذي أقحمهم في هذه المهمة الصعبة التي تتطلب الكثير من الوقت والصبر والجهد المضني.

    «عندما ركزت على الجدار، شعرت بأن المهمة مستحيلة. لا تنتهي. لكن عندما ركزت على الطوبة الواحدة، أصبح كل شيء سهلاً – كنت أعرف أنه يمكنني وضع لبنة واحدة جيدًا؛ ومع مرور الأسابيع، تصاعدت الأحجار، وأصبح الفراغ المتبقي أصغر قليلاً. بدأت أرى أن الفرق بين المهمة التي تبدو مستحيلة والمهمة التي تبدو قابلة للتنفيذ؛ هي مجرد مسألة نظرة للأمور. بغض النظر عما تمر به، هناك دائمًا طوبة أخرى تجلس أمامك مباشرة، تنتظر وضعها. السؤال الوحيد هو، هل ستنهض وتضعها في مكانها؟».

  • الكاتب والكتاب لا قيمة لهم..

    .. دون وجود من يقرأ، ويتداول ويؤمن أو يناقش ما كُتِب.

    المشكلة عندما يظن الكاتب أنه تفضّل على الآخرين بمحتواه. وينسى أن القارئ تفضّل عليه باهتمامه.

    وإن توقف قليلًا وفكّر سيعي أن كل جهوده لا قيمة لها إن لم يكن هناك مُستقبِلًا لها.

    ولذلك دومًا ما أحاول التذكّر والتذكير: بأن الكاتب والكتاب والكتابة لا قيمة لهم دون من يقرأ.

    إن اتصلت بأحد أصدقاءك العزيزين وطلبت منه أن يقضي معك ثلاث ساعات ليومين قادمة، ستستشعر صعوبة رده لوجود التزامات أخرى تُزاحم أولوياته. وهنا لنتخيل آلاف القراء الذين صرفوا ساعات عديدة اقتطعوها من وقت أهليهم والتزاماتهم لكي يقرؤوا مقالاتك أو كتابك.. أو أن يسمعوا أغنيتك أو يتذوقون طبختك الجديدة على القائمة! من فيهم بصدق يستحق الشُكر؟

    لا أقول بعضًا من التواضع.. بل أقول بعضًا من الواقعية؛ قد تضعك في مكانك الصحيح.

    فنك لا شيء دونهم!

    كان الله في عون الجميع.

  • كيف يتحول الإنسان إلى وحش؟

    فارلام شلاموف شاعرًا أمضى خمسة عشر عامًا في سجن «الجولاج». كتب ذات مرة كيف يمكن للناس العاديين أن ينهاروا تحت الضغط والتقلّب:

    «خذ شخصًا صالحًا وصادقًا ومحبًا وجرده من الضروريات الأساسية وستحصل قريبًا على وحش لا يمكن التعرف عليه؛ سيفعل أي شيء للبقاء على قيد الحياة في ظل الضغوط الشديدة»، وأضاف: «يصبح الرجل وحشًا في ثلاثة أسابيع من الضغط».

    «… إن هذا هو السبب الحقيقي يكشف بأن التاريخ مليء بالعديد من الأعمال التي لا توصف. لا يتطلب الأمر الكثير من الضغط لكي يتخلى الناس عن معتقداتهم الراسخة ويقولون «حسنًا، دعنا نختار اتجاهًا آخر» لذلك فأنت لا تعرف أبدًا ما يستطيع الناس تصديقه أو فعله حتى يتم حصرهم في الزاوية».

    هكذا بسرعة، يتحول نفس الأشخاص المحبين الصادقين لأشخاص آخرين عندما نضعهم في ضغط زائد قليلًا. لا ينطبق هذا الأمر على الأشخاص فقط، بل على سلوك العامة والقياديين، بل وحتى أقوى المؤثرين.

    يُشير في إحدى حلقات مسلسل «ناركوس» الضابط ستيڤ مورفي الذي أشرف مع زميله الضابط خافيير بينا على القضاء على تاجر المخدرات الشهير إسكوبار حال الثروة التي تتحول من حجم كبير شديد الصعوبة في الحصر إلى زوال تام، بأنها تتآكل قليلًا في البداية بسبب خللٍ ما لم يستطع صاحب الثروة بالسيطرة عليه، ثم تحترق مثل الرماد!

    لماذا؟ لأن نفس الإنسان الذي استخدم عقله لتنميتها، لم يعد هو نفس الإنسان الذي تحول إلى كتلة فوضى عاطفية تحاول إخماد النيران في كل حدب وصوب حتى تأكل كل شيء.

    عندما يتابع الإنسان حال من يفقد احتياجاته الأساسية (أو ما يعتقد أنها حاجاته الأساسية) قد يستغرب نسبة اختلاف التصرفات، يتم الحُكم عليه ولا يصبح الانطباع حول العاقل عاقلًا. هذا ما جعل نابليون بونابارت يؤمن باعتقاده أن العبقرية العسكرية لا تخرج عن كونها «رجل يمكنه فعل الأمور العادية، ​​عندما يصاب كل من حوله بالجنون».

    إن ما يقوله بونابارت بلغة أخرى هو أمر غاية في البداهة؛ بأن يكون الشخص نفسه قبل وأثناء الأزمات والضغوط الاستثنائية، أن يتسلّح بالتعقل في الوقت الذي يدفعه من حوله للتحول إلى وحش أو إنسان شديد الحساسية عاطفيًا.

    في عالم الاستثمار مثلًا هناك قول مأثور للمستثمر الشهير وورن بافيت «كن جشعًا عندما يكون الآخرين خائفين، وكن خائفًا عندما يكون الآخرين جشعين» أو بلغة أخرى «كن طبيعيًا عندما يصاب كل من حولك بالجنون». إلا أن هذا القول بطبيعة الحال أسهل من الفِعل، لا سيما إن اقترن بوجود أشخاص آخرين حولنا من السهل عليهم ألا يتسلحوا بالتعقّل، فتأتي بعض الاقتراحات المجنونة في غير وقتها.

    عندما يراجع الإنسان أسوء قرارته المالية أو الحياتية سيلاحظ بلا شك بأن نفسيته وقت القرار لم تكن نفسها أثناءه، وهنا ربما يستدعي الأمر قليلًا من التريث والابتعاد عن أحداث القرار، واستشارة من لا تربطهم أي جوانب عاطفية للظروف.. (لا نستشير الوالدين أو الأصدقاء المقرّبين في قرارات علاقاتنا وقت الأحداث السلبية، ولا نستشير الأبناء في الأزمات المالية، ولا نستشير زملاء العمل المقرّبين في القرارات المهنية الصعبة) بل نبحث عن البعيدين العاقلين إن وجدوا.

    فهم الفرق بين حالتي الإنسان قبل التوحش وبعدها هو لفتة النظر الأولى هنا. لفتة النظر الثانية من واجب القارئ الكريم.

    كان الله في عون الجميع.

  • الصيانة: خيارات مالية أفضل؟

    اكتشفت أن هناك في كل مدينة محلات صيانة مخصصة للأحذية -أعزّكم الله- تعود بها كالجديدة.. حرفيًا، خصوصًا الأحذية الرياضية البيضاء، وبعض أنواع الأحذية الغالية. إن تعاملت معها ستكتشف أن قرار شراء أحذية جديدة ربما يستحق التمهّل.

    اقتناء الحقائب المستخدمة ليست عيب، خصوصًا إن كانت بحالة جيدة، وإن صدف وكان ظاهر عليها الاستهلاك، فقد يستحق الأمر مراجعة الفقرة السابقة.

    شراء سيارة جديدة أمرٌ حماسي. لكن يظل هناك خيار (يقوم به الأمريكيين دائمًا) وهو إعادة بناء السيارة المملوكة من جديد عبر تغيير قطع الغيار وعمل صيانات جذرية بعد تجاوز استخدام السيارة لسنتها الرابعة. الحِسبة هنا: سنتين إضافية مع صرف عشرة بالمئة (من قيمة سيارة جديدة) على صيانة شاملة يظل خيارًا لا بأس به في المقارنة مع الالتزام بأقساط سيارة جديدة كليًا. على ألا تتجاوز السيارة استخدامًا لأكثر من ثمان سنوات لاعتبارات تخص الحماية.

    الحقيقة المحرجة الوحيدة هنا هي مراجعة أشكالنا أمام الآخرين ونحن نقوم بالحفاظ على ما نملك لوقتٍ أطول قليلًا؛ فإن كنا نهتم بذلك أكثر من اهتمامنا بالالتزامات المالية الجديدة، فخيار شراء أشياء جديدة تظل هي الحل.

    وإن قررنا الحفاظ دون الاكتراث كثيرًا بأشكالنا أمام الآخرين.. فلن يلاحظ أحدٌ على أيٍ حال أننا قمنا بعمل صيانات جذرية لمقتنياتنا.

  • شبه اقتراحات: كيف تكسب قلب رجل؟

    • أثِر موضوعًا تعرف أن احتمالية اختلافه معك عالية، ثم اعطه فرصة كي يقنعك.
    • اجعله يقود ٨٠٪ من الكلام.
    • تحدث عن الأمور التي تخصه ولا يريد أحدٌ في العادة التحدث عنها (أبناءه، هواياته، ما ينقصه في هذه الحياة إلخ.)
    • أنصت لوقتٍ طويل دون أن تُشعره أنك في مقابلة شخصية من كثرة الأسئلة؛ استمر في تحريك رأسك موافقًا لما يقوله، اعطِ تعليقات مقتضبة تساعده على استكمال الكلام؛ ليتأكد أنك منصت.
    • أشعره أن نقاط ضعفه طبيعية.
    • لو كنت مهتمًا لأمره جدًا.. ادعوه للغداء (دون تملّق).
    • ساعده أكثر مما يساعدك.
    • ساعده بالأفعال.

    هذه بعض الاستلهامات من كتاب «قوانين الطبيعة البشرية» لروبرت جرين.

    تكون أكثر فعالية مع الرجال الجُدد. يمكن لكلا الجنسين استخدامها.

  • لماذا يدافع الإنسان عن قناعاته؟ حتى وإن كانت على خطأ

    في مقالة كتبها بول جرام عام ٢٠٠٩م بعنوان «أبقي هويتك صغيرة»، يشرح بتصرّف:

    «كقاعدة عامة، فإن أي ذِكر [لموضوع] يخص الدين في منتدى عبر الإنترنت يتحول إلى حجة دينية [يتبناها صاحبها لوقتٍ طويل]. لماذا يحدث هذا مع الدين وليس مع [برمجيات الكمبيوتر مثلًا] أو الخبز أو مواضيع أخرى يتحدث عنها الناس في المنتديات؟ لأن الأمر المختلف مع الدين هو أن الناس لا يشعرون أنهم بحاجة إلى أي خبرة معينة ليكون لديهم آراء حول هذا الموضوع. كل ما يحتاجونه هو المعتقدات الراسخة، ويمكن لأي شخص أن يمتلكها.

    لن ينمو أي موضوع عن جافا سكريبت (لغة البرمجة) بنفس سرعة نمو موضوع متعلق بالدين، لأن الناس يشعرون أنه يتعين عليهم تجاوز حد معين من الخبرة لنشر تعليقات حوله. لكن في الدين الجميع خبراء. الدين موضوع لا يوجد فيه عتبة خبرة للتعبير عن الرأي. كل ما تحتاجه هو قناعات قوية … تفسيري المحتمل لهذا الأمر هو أنهم يتعاملون مع الأسئلة التي ليس لها إجابات محددة [يمكن إثبات صحتها القاطعة من عدمها]، لذلك لا يوجد ضغط رجعي على آراء الناس».

    ويكمل..

    «نظرًا لأنه لا يمكن إثبات خطأ أي شخص، فإن كل رأي صحيح على قدر المساواة، واستشعارًا لذلك، يسمح الجميع بالتحليق برأيه».

    كلمتين سرية هنا «يسمح للجميع بالحليق برأيه» و «كل رأي على قدر المساواة» ولأن طبيعة الفرد تميل للانتماء أكثر من ميلها للاستقلال الفِكري، فإن تبني أي رأي وتحويله لهوية، لا يتطلب سوى دفع مبلغ صغير وهو «معتقد راسخ». وهو أمر أرخص من  قد لا تُحتمل.الاستقلالية التامة. فعند الخروج من مسار أي فريق، فإن ردة الفِعل.

    والمشكلة..

    «لا يمكن للناس أبدًا أن يكون لديهم جدال مثمر حول شيء يمثل جزءًا من هويتهم».

    ينطبق هذا الأمر على القناعات التي تتحول فيما بعد لهويات (مثل الأشخاص الذين يتبنون نمط غذائي شديد الصرامة) فتجد الخوف من «ثقب المشاعر» واهتزاز الأنا أكبر من الخوف من اكتشاف الحقيقة كما يشرح الصحفي كريس هيدجيز:

    «تكمن طبيعة الوهم في أنه مصمم ليجعلك تشعر بالرضا. عن نفسك، عن مكانك … حول المكان الذي ستتجه إليه – بمعنى: هو يعمل كمخدر. أولئك الذين يشككون في هذا الوهم يتعرضون للتحدي ليس لصدق ما يقولونه، ولكن لثقب تلك المشاعر».

    نستبعد الدين هنا.

    ربما يكون الحل كما يوضح جرام.. أن على الإنسان تبني هوية صغيرة لنفسه فيما يخص شؤون الحياة. لتظل الخيارات والقناعات دائمًا مفتوحة.

  • أتعرف كيف يتحكم الإنسان بمصيره؟

    «تحب أن تتخيل نفسك متحكمًّا في مصيرك، وتخطط بوعي لمسار حياتك بأفضل ما يمكنك. لكنك إلى حد كبير غير مدرك لمدى عمق سيطرة عواطفك عليك. تجعلك العواطف تنحرف نحو الأفكار التي تهدئ نفسك. تجعلك تبحث عن أدلة تؤكد ما تريد بالفعل تصديقه. إنها تجعلك ترى ما تريد أن تراه، اعتمادًا على حالتك المزاجية، وهذا الانفصال عن الواقع هو مصدر القرارات السيئة والأنماط السلبية التي تطارد حياتك. العقلانية هي القدرة على مواجهة هذه التأثيرات العاطفية، والتفكير بدلاً من ردة الفِعل، والتنبّه داخل عقلك على ما يحدث بالفعل، وذلك على عكس ما تشعر به. هذا الأمر لا يأتي بشكل طبيعي. إنها قوة يجب أن ننميها، بهذا السلوك نستطيع أن نعرف أقصى إمكانياتنا الحقيقية.»

    – روبرت جرين (قوانين الطبيعة البشرية).

    عندما نعتقد أن العقلانية تحارب العواطف دومًا، فنحن ربما لم ندرك الأمر بحجمه الحقيقي. فالوعي بـ«عقلانيتنا» هو الخطوة الأولى عند كل قرار نتخذه كان صغيرًا كان أم كبيرًا في يومنا. لا شيء يحدث بمجرد الإدراك دون عمل. التذكير وتنفيذ الاستمرار برفض قطعة السُكر التي أمامنا ليس خسارة.. بل كسب للمزيد من الصحة ولحظات إضافية بعيدين عن المرض والإدمان. قطعة السُكر تتحول وتتشكل لتكون ساعات نوم إضافية، وتأجيل، وكنبة بدلًا من الدراجة، نيتفليكس بدلًا من كتاب.

    كم هو صعب إخراج أقصى إمكاناتنا الحقيقية. الأصعب منه خذلان النفس بعد فوات الأوان بسبب العواطف. نشد الأزر قليلًا؟

  • لماذا يُحب الناس الأبيض والأسود فقط؟

    «لدى البشر غريزة درامية قوية تجاه التفكير الثنائي، دافع أساسي لتقسيم الأشياء إلى مجموعتين مختلفتين، مع وجود فجوة فارغة بينهما. نحن نحب التقسيم. جيد مقابل سيء. الأبطال مقابل الأشرار. بلدي مقابل البقية. إن تقسيم العالم إلى جانبين متميزين أمر بسيط وبديهي، وأيضًا درامي لأنه يتضمن صراعًا، ونحن نفعل ذلك دون تفكير طوال الوقت». يعلّق العالِم الراحل هانس روزلين، والذي يُصف نفسه إنسانًا واقعيًا بشكل مبالغ، أكثر من كونه إنسانًا متفائل كما عُرف عنه في كتابه (Factfulness).

    «فكر في العالم. حرب، عنف، كوارث طبيعية، كوارث من صنع الإنسان، فساد. الأشياء سيئة، ويبدو أنها تزداد سوءًا، أليس كذلك؟ الأغنياء يزدادون ثراء والفقراء يزدادون فقرًا؛ وعدد الفقراء آخذ في الازدياد؛ وسوف تنفد الموارد قريبًا ما لم نفعل شيئًا جذريًا. على الأقل هذه هي الصورة التي يراها معظم الغربيين في وسائل الإعلام ويحملونها في رؤوسهم. أسميها النظرة الدرامية للعالم. إنها مرهقة ومضللة.

    في الواقع، تعيش الغالبية العظمى من سكان العالم في مكان ما في منتصف مقياس الدخل. ربما ليسوا كما نعتقد أنهم طبقة وسطى، لكنهم لا يعيشون في فقر مدقع. تذهب فتياتهم إلى المدرسة، ويتم تلقيح أطفالهم، ويعيشون في أسر مكونة من طفلين، ويريدون السفر إلى الخارج لقضاء عطلة، وليس كلاجئين. إن العالم آخذ في التحسن خطوة بخطوة، عاما بعد عام. ليس على كل مقياس واحد كل عام، ولكن كقاعدة عامة. على الرغم من أن العالم يواجه تحديات ضخمة، لقد أحرزنا تقدمًا هائلاً. هذه هي النظرة القائمة على الحقائق».

    من غير المجدي أحيانًا أن نُفكِر إن كان الحال بالغ السوء أو بالغ التحسُن. ذلك يحدُث لأن أغلب الناس يفضلون أن يشاهدوا العالم بأعُين سوداء أو بيضاء تامة، فهي أسهل على الفِهم، يستمتع الإنسان بهذه النظرات بإحساس نشوة الفِهم حتى وإن كانت سطيحة، لا يريد أحد أن يشعر بالغباء! ولذلك نعتقد أن الوقوف مع فريق ضد آخر أو موقف ضد نقيضه يضمن لنا مكانًا مع مجموعة، مجموعة تُعطينا درعًا ضد عدم الفِهم أو إحساس الغباء.

    المثير للمتابع أن كل العالم بكل تفاصيله الجغرافية والاجتماعية والسياسية والدينية، يقع في مكانٍ ما في الفجوة الفارغة (التي ذُكِرت بداية المقالة). لا شيء أسود ولا شيء أبيض. حتى علاقاتنا وحياتنا، فيها الكثير من عدم السواد والأبيض الملائكي.

    حبنا للدراما يجعلنا نقف على تلك الألوان ونهُمل ما تبقى.

  • المشكلة ليست في القرار.. بل في الاستمرار فيه

    الأكل الصحي والرياضة والاستيقاظ المبكر؛ في كل مرة يتخذ أحدهم القرار بالانضباط فيهم يكون أغلب الظن صادقًا مع نفسه، لحظتها على الأقل! فهو لا ينافق أحدًا ولا يحاول أن يستعرض أمام الآخرين بهذا الروح المفعمة للتغيير بقدر الاقتناع بأهميته.

    كذلك في عالم الادخار والاستثمار. تسأل أي متخصص مالي عن سر الثراء يُجيبك دون أن يخرج في كلامه عن نصيحة تقليدية وهي: ضرورة تبني عادة الادخار والاستثمار بشكل مستمر لفترات طويلة دون انقطاع، وإن كنت صغيرًا في السن ستكون فرصتك لتحمل المخاطر والتقلبات أعلى.

    المشكلة أن الإنسان يتغير مزاجه وأهدافه وردات فعله باستمرار، أحيانًا في اليوم الواحد عدة مرات.. «يحدث التقدم ببطء شديد بحيث لا يمكن ملاحظته، لكن الانتكاسات تحدث بسرعة كبيرة جدًا بحيث لا يمكن تجاهلها» يعلق مورجان هوسل في كتابه «سيكلوجيا المال». الانتكاسة هنا: تغير المزاج والأهداف وردات الفعل.

    ويُضيف هوسل: «يعرّف نابليون العبقرية العسكرية: هو ذلك الرجل الذي يمكنه فعل الشيء العادي عندما يصاب كل من حوله بالجنون.» والعبقرية هُنا في استحضار الهدف الأكبر وسط جنون البقية، وهو أن نبقي على الاستمرار فيما قررنا فيه.

    لكن ماذا إن كان الجنون هو جنون الأفكار داخلنا؟ عندما يقع مؤثر يبعدنا عن قرار الاستثمار أو الصحة أو عدم لمس علبة السجائر أو العمل على مشروعنا القادم؟ ماذا إن تعاملنا مع فكرة أننا مجانين عندما نفقد التركيز. ماذا إن كان التركيز هو فقط تعلّم قول كلمة لا.

    فبها نتقدم خطوة للاستمرار في القرار. وهنا لا يكون هناك مشكلة لا في القرار ولا في استمراريته.

زر الذهاب إلى الأعلى