أحمد مشرف

أحمد مشرف

كاتب ومدون سعودي، مؤلف كتاب ثورة الفن، وهم الإنجاز، ومئة تحت الصفر. مقدم بودكاست أحمد مشرف، شريك في بعض المشاريع الصغيرة. مقيم بين ميامي وجدة.
  • العزلة غير المتوقعة

    لم أقض يومًا في حياتي دون مشاهدة العديد من الأشخاص خلاله. هكذا الحال منذ أن عرفت نفسي، لا أعيش من دون درجات مختلفة من المقرّبين. الأهل، الزملاء والأصدقاء، يزاحمون ساعاتي اليومية مثلما يزاحمني الجوال. إلا أن هناك شيءٌ ما قد تغيّر.

    أكتب هذه المقالة وأنا جالسٌ لوحدي في منزلي في اسطنبول بعد أن قضيت اليوم بطوله لا رغبة لي بالتحرّك منه سوى لزيارة سريعة للسوبر ماركت لتلبية طلبات إخوتي، واستقبال سريع لفني الإنترنت. اقترب قليلًا من رغبة قضاء ما تبقى من أيام زيارتي لهذه المدينة الجميلة، والمفترض بها أن تكون بغرض تصحيح بعض الأوراق المرتبطة بعائلتي، لتكون خيارًا جزئيًا وجريئًا للعزلة (طبعًا في حال لم يقرر أحدٌ من أصدقائي المحبين زيارتي عمّا قريب).

    في الحقيقة هذه من المرات القليلة التي لا أعرف لماذا أكتب فيها مثل هذه الكلمات، ولا أعرف لماذا أشارك القارئ اللطيف كواليس هذا التغيُر الطارئ على شخصيتي التي تستمد قوتها وطاقتها وفرحها من زحمة الآخرين في الجوار.

    اعتقدت أن الناس مع اقترابهم لعُمرٍ معين (الأربعين ربما) يميلون لأنفسهم أكثر من ميلهم لمن حولهم، ولا أعرف إن كان هذا الأمر إيجابيًا أم سلبيًا، لأنني من فئة الناس التي تؤمن أن لا حياة دون أحبة، ولا حياة دون من نشاركهم أحزاننا وأفراحنا، فلا مال يغني عنهم، ولا ممتلكات تواسي بالنيابة. إلا أن فكرة العُزلة ومحاولة استحضار البساطة – كما تحدّثت في مقالات عديدة سابقة – أفكار لا تود أن تفارق عقلي.

    قمت بشراء مؤونة عدة أيام لكيلا أحتاج للخروج والأكل في المطاعم، هكذا هو الحال الآن. أصبحت اليوم تلك الشخصية التي كنت أتهكم عليها طيلة حياتي، يريد البقاء مؤقتًا بمفرده أمام لوحة المفاتيح والكتاب ومسلسله التافه. ولا أخفي سر تعجّبي من هذه الرغبة الجامحة التي تعمل عكس ما أُريد لنفسي، وعكس ما كُنت طيلة حياتي.

    أُعزّي نفسي بأن حالة العُزلة إن كانت اختيارية ومؤقتة، فهي بالتأكيد ليست نوعًا من أنواع الوحدة التي تأكل في الإنسان مثلما تأكل النار الهشيم. وقد اقترِب قليلًا من فكرة كونها أمرًا صحيًا إن لم تخرج عن حد التوازن، ليعود الإنسان على طبيعته بعدها، خصوصًا إن كان مزدحمًا بمن يحب.

  • مشكلة عدم سماع الكلام

    أجلس مع أحد أقاربي، لأستلم اعترافه أمامي وأمام البقية: «كُنت مثله بالضبط» معلقًا على طبيعة ابنه الذي لا يود أن يسمع الكلام (أو جزء مهم من الكلام من باب الدقة). أخبره من باب المواساة «كلنا ذلك الرجل».

    وبمناسبة هذه القصة أُرحِّب بالقارئ الكريم ليجلس بجانبي، ويتم استفزازه من تصرفات الأصغر عندما يكون متحمسًا بشكلٍ هيستيري في محاولة إقناعه بـ «أرجوك اسمع كلامي، والله عدّت عليا». ثم يهدأ ويقول له بصوت منخفض أو عالِ «براحتك» و«بكرا حتشوف».

    أعي أن هناك حِزمًا من العُقد تتشكّل في فترة المراهقة والشباب، إحداها محاولات إثبات الذات، والاقتناع بالقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة. ولا بأس بهما، إلا أن الأخطاء دومًا ما تجعلنا ننظر إلى أنفسنا بعين الشفقة على الغباء.

    أستطيع في مقالة مطوّلة تعداد المواقف التي حذّرتني منها والدتي ولم أسمع كلامها فيها، لآكل على رأسي بعدها. مثل الكثيرين. إلا إن مشكلة عدم سماع الكلام عمومًا تُصبح أكبر وأكثر تعقيدًا عندما نعي أن مشاكلنا ومواقفنا يتطورون مع الوقت، ففي السابق كان المراهق يستلم تحذيرًا عن صديقه الاستغلالي أو شيئًا مرتبطًا بالتفاهة، نفس المراهق المعتزل يستلم نصيحة بعدم الدخول في شراكة أو عمل معين قد يصدمه في الجدار، يتحمل معه حزمة من الديون أو مشاكل معقّدة مع «أطراف ذوي العلاقة».

    تصبح الحِكمة ضالة حقيقية أحيانًا، وليست مجرد كليشيه نهز رأسنا في كل مرة نسمع عنها.

    تبدأ نتائج القرارات الكثيرة الصغيرة السيئة بالظهور مع الوقت والسن، ويبدأ معها رصيدنا من الحكمة في النمو، حتى نُصبح نحن مصدرها (ربما)، ويأتي الصِغار ليختبروا إيماننا بها.

    شيء من التريُّث والهدوء وحس التعلُّم من الأخطاء هو ما يمنع اصطدامنا في البدايات في الجدار. يتحسّن هذا الحدس عندما نشتري لأنفسنا كِبارًا نعود إليهم وقت الحاجة والاستشارة، نسمع جزءًا أكبر من الكلام إن كان منطقيًا لهم وغير منطقيًا لنا.

    ومثلي، من يمتلك رصيد أخطاء أكثر بكثير من القرارات الحكيمة، لا يسعه المضي قدمًا في الحياة بهدوء دون أن يكون حوله الكثير من الكِبار. وعندما لا أجد أحدهم، أذهب وأشتري لنفسي كبيرًا يمثِّل صوت العقل والتعقّل، لعل وعسى أن يكون استثمارًا لما تبقى من العُمر.

  • اكتشف ملعبك قبل أن تلعب

    يعتقد الرئيس التنفيذي السابق لبروكتر آند جامبل، أي. جي. لافلي، أن إحدى الاستراتيجيات الأفضل لنجاح أي عمل أو للنجاح في أي منافسة، هي عكس العُرف السائد للإعلام الحالي. وهي:

     أن تُحدد أين تريد أن تلعب أولاً، بدلًا من اللعب قليلًا في ملاعب مختلفة. ومن ثُم.. تعلّم قواعد اللعب حتى تفوز فيها.

    هذا التركيز البديهي، هو ما خلق لاعبين أساسيين في أي صِناعة، وتجارة، وحِرفة، وفنون.

    عدم اختيارنا لملاعب نلعب فيها، يجعلنا نستهين بفكرة الاستسلام للملل.

    بالطبع الاختيار يأتي من بعد التجارب، ولكن عندما نعتقد إننا وصلنا إلى الملعب الأصح بعد التجربة، فيجب أن تبقى أعيُننا فيه لأطول فترة ممكنة.

    وربما سنحصل بعدها على نتائج مرضية.

     

     

  • الوظيفة الأمتع

    أصِل إلى الفرع في تمام السادسة والنصف صباحًا، أقوم بتقطيع الخضروات وغسلها أو نقعها في سطل معقم ممتلئ بالماء المقطّر. النظافة والتعقيم المطلقين كانوا لا يحتملون المزاح بالنسبة للإدارة. كل شيء في غاية الترتيب والتنظيم. مهمة المستجدين مثل حكايتي في البدايات هي في التقطيع والتنظيف لمدة أسبوعين قبل الانطلاق لمواجهة الجمهور على كاونتر الساندويتشات. عجينة الخبز كانت تأتينا من الولايات المتحدة مفردة، مفصولًا كل قطعة عن الأخرى، مجمدة في كراتين، نقوم بإخراج كل حبة، نمرر السكين بشكلٍ سطحي لخلق ثلاث خطوط للزينة على الوجه قبل رش البذور على بعضها، ثم نقوم بإدخالها إلى فرن الخبز، ثم تُخبز وتكون جاهزة للاستخدام فيما بعد.

    يقف منصور زميلي، أمام مدير الفرع ليسأله إن كان عليه تعليمي كيفية تنظيف الحمامات والطاولات قبل وصول الزبائن، يتردد قليلًا ثم يطلب منه أن يقوم بذلك. شعرت بالخوف يومها، فلا أعلم إن كان عليَ القيام بذلك أم لا، وأنا أصلًا لا أعرف كيف تتم النظافة بأبسط أشكالها في منزلي أو سيارتي، ولا أعرف إن كانت هذه إحدى المهام الوظيفية التي يفترض بي القيام بها من الأساس.

    بعد التنظيف والترتيب.. يقوم الزبائن بالانفلات والمرور علينا قبل ذهابهم إلى أعمالهم ومدارسهم. وبعد بعض فترات الهدوء بسبب وصول الزبائن مستقرهم، أساعد منصور قليلًا في إعداد عجينة الكوكيز، وأنتقل بعدها إلى الإمساك بسطل مربع كبير مصنوع من الألمنيوم. أفتح ست عُلب تونة من الحجم الكبير جدًا الذي لم يراه العميل العادي في حياته، أسكبه في السطل بعد التأكد من إدخاله قبلها في ألة تشبه آلة العصر لإخراج كل قطرة ماء مملح من العلبة، حتى يجف لحم التونة تمامًا. بعد تفريغ العُلب الستة، أقوم بتفريغ ثلاث جوالين ضخمة من المايونيز قليل الدسم عليهم، وأرتدي قفّازين معقّمين، حتى أبدأ رحلة عجن التونة مع المايونيز بيدي لتتحول إلى خليط متجانس يملأ السطل وزواياه كلها، ثم أُغلِّفه بإحكام بنايلون. أكتب عليه وقت وتاريخ الإعداد واسمي، لكي يعرف موظفي الفترات المسائية من قام ومتى تم إعداد الخليط.

    يُسمح لي بشرب المشروبات الغازية والماء مجانًا طيلة اليوم، وإن جُعت يُسمح لي بإعداد ساندويتش لنفسي من المنتجات المعروضة حسب رغبتي، على أن أدفع خمسين بالمئة من قيمته الرسمية المسجلة في النظام.

    لا أعرف لما لم أحك عن تجربتي باستفاضة أثناء عملي في مطعم صب واي في بداياتي المهنية، إلا أنها بالفعل كانت أيام جميلة، وكانت قيمتها بلا شك أكبر من كونها مجرد وظيفة لقتل الوقت.

    كان راتبي وقتها ١٢٥٠ ريالًا سعودي، كُنت أقضي ست ساعات في العمل ما بين الفترة المسائية والصباحية حسب تنسيق جدول الجامعة أثناء الدراسة، قبل تحولي إلى دراسة منتسبة (أو كما تُسمى اليوم دراسة عن بُعد) فيما بعد.

    كانت مهمة هذه الوظيفة في حياتي شيئين: الاستعداد للتعرّف على أفضل إصدار من شخصيتي الاجتماعية التي ستعتاد على الجمهور فيما بعد، وثانيها: أمر متعلق بحياتي الخاصة، بالتعلّم عن أفضل وسيلة وآلية للحفاظ على الطعام والتعامل معه بشكلٍ عام لبقية حياتي.

    هذه الوظيفة على الرغم من كونها غير محببة للكثيرين في وقتي، حتى أن والدتي عاتبتني عليها في البداية خشية أن يستنكر علي المجتمع، إلا أنها كانت بحق أمرًا ممتعًا.

    كانت الإدارة من آل الدقّاق وبافقيه قمة في الخُلق والتعاون والاحتواء، سعيدين بانضمامي للعمل في وقت لا نكاد نرى أحدًا من السعوديين يطرقون باب هذه الوظائف. وكنت بدوري سعيد بانسجام تكيُّف جدولي الجامعي مع أوقات العمل الرسمية، كنت أشارك مدير الفروع أستاذنا القدير عبدالله يغمور الجدول، ليقوم بربطه مع حاجات كل فرع مع أوقات الدوام الرسمية. وهكذا استمرت فترتي العملية.

    أما قصصي مع الزبائن، فهي في الأجزاء التالية من هذه المقالة.

     

     

  • التنمر على كِبر

    اعتراف اليوم.. إنني من فئة الشباب الذين واجهوا حزمة كبيرة من التنمر في حياته، على دفعتين: الأولى أيام المتوسطة حيث انتقلت من مدرسة أهلية إلى مدرسة حكومية مفعمة بروح الشارع والبذاءة، والثانية في بداية حياتي العملية، حيث باشرت بالعمل وأنا دون العشرين في بيئات معظم من فيها كانوا حول الثلاثين.

    طبعًا لا أشعر إنني أُصِبت بعُقد منها بصراحة. أو على الأقل حسب اعتقادي اليوم.

    مُتصالح اليوم مع أي شخص يحاول ممارسة أي نوع من التنمر أو التريقة، وفي الحقيقة هم نادرين، بحكم تغير البيئة. وربما لأن قدراتي اللسانية والكتابية أصبحت بهية ولله الحمد. أحد أصدقائي كان يحذّر البقية (من باب الدعابة طبعًا) أن أي محاولات ليس لها داعٍ تجاهي، ستُترجم إلى مقالة فيما بعد يقرأها القارئ المخلص.

    وقد وجدت بعد هذه السنوات أن أعظم وسيلة يتسلح بها الإنسان تجاه التنمُّر هي الحُجج وطلاقة اللسان وسرعة البديهة والتسلُّح الأكبر بالعِلم. كُلها لا تأتي إلا من خلال تغذية منتظمة وتراكمية من القراءة. وكلما قرأ الإنسان (وكتب) أكثر، كلما كان له مرونة تجاه محيطه.. والله أعلم.

     لا يستطيع الواحد أن يرد على أي شكل من أشكال التنمر إن لم يكن يملك الحجج والمفردات التي تدخل إلى فم المتنمر لإسكاته، مع الكثير من استخفاف الدم، وطبعًا استحضار الاقتناع التام أن الإنسان يملك خيار الرد والإسكات؛ هي الطريق الأقصر إلى الحِلم. فإن علم أحدنا أنه يستطيع الرد وقتما يرغب، سوف لن يجعل ذلك من التنمُر تهديدًا.

    القراءة.. أحد الجوانب الخفية للدفاع عن النفس.

     

  • هل جربت وكتبت مصاريفك السنوية؟

    أدعي إنني من فئة الناس الذي يحبون تنظيم شؤونهم المالية. وكل بداية عام أقوم بفتح صفحة «إكسل»، أضع في رأس العامود أشهر السنة (يناير، فبراير، مارس إلخ) وأسفل كل شهر الدخل المتوقع، وتحتها أخصم منها قيمة المصاريف المتوقعة (المدارس، الفواتير، الاستثمار، مصاريف الإجازة، إلخ.)

    هذا الإجراء السنوي البسيط ربّاني على فهم وتوقع المكان الذي ستذهب إليه أموالي كل شهر. تطور الجدول فيما بعد، بعد أن أضفت نسبة مئوية على كل بند (مثال: المدارس ٧٪ من الدخل، الايجار ١٥٪، السيارة ١٠٪ إلخ.). هذه النسب المئوية أصبحت تجعلني أنتبه أكثر إلى أماكن الاستنزاف.

    وأصبحت أماكن الاستنزاف هي التحدي الذي يجب عليَ خلق حلول له. وهي ما تجعلني أنتبه أكثر إلى أولوياتي وأولويات أسرتي. ودون اكتشاف هذا الأمر، سأكون مع التيار الذي يأخذني إلى أماكن ضيقة ماليًا لا أود أن أكون فيها.

    كتابة المصاريف، مثل كتابة الأفكار، والتحديات، والمشاكل، والفضفضة. كلما خرجت من عقولنا إلى ورقة أو شاشة أمامنا، كلما كان أسهل التعامل معها.

    مشكلة الكثيرين مع الكتابة إنها تعطي انطباعًا بصعوبتها، ولكنها في النهاية قد تكون مجرد ورقة وقلم وجلوس مع الذات وبعض التفكير. أو جلوس مع الذات مع ملف إكسل.

    تجربة كتابة ما نخاف منه تستحق العناء والوقت. وتجعلنا أقرب إلى الحلول من القلق.

    جرّب، واشكرني لاحقًا.

  • عن التسويق للذات

    أفضل وسيلة للحفاظ على أي إنجاز، هو الانشغال بالإنجاز الذي يليه.

    هذا ما أخبر نفسي به كل يوم.

    مهمة الكاتب أن يكتُب المزيد. مثل مهمة الطبّاخ في البحث عن وصفات جديدة، ومثل مهمة رجل المبيعات في البحث عن فرص بيعية جديدة رغم تحقيق الأهداف.

    المرحلة ما بين البدء والانتهاء هي الأصعب، والأكثر مللًا، والأكثر حاجة للصبر. عدم حبك لها لا يعني أن عليك صرف المزيد من الوقت في التسويق، بل البحث عما يساعد على المزيد من العمل.

    لا أعرف شيء يركز عليه الكثير من الشباب ويضيع وقتهم مثل الانكباب على التسويق بدلًا من العمل الحقيقي. العمل العميق.

    ستكتشف يومًا أن الآخرين يوظّفوك بسبب مهاراتك. ويستمرون معك بسبب تطورك. ولا يأتي التطور بالتسويق.

    التسويق الحقيقي هو القصة.. قصتك مع عملك.

    التسويق الحقيقي هو في محاولتك المستمرة لترك الأثر، وتغيير شيئًا ما إلى الأفضل في حياة الناس.

    الناس لا تكترث لك. يكترثون لأنفسهم فقط. يبحثون عمن يساعدها في تحقيق ما يريدون.

    مساعدتك لهم ولنفسك يكون بالمزيد من العمل.

  • عن الإنجازات الاستثنائية

    لطالما كُنت مبهورًا بإنجازات الروائية الرومنسية نورة روبرتس (ولدت ١٩٥٠م)، والتي نشرت أكثر من مئتي رواية خلال أربعين سنة ماضية. غزارة انتاجها وانضباطها يجعلها اليوم في معدّل إنجاز كتابة كتابًا كاملًا -كبير الحجم- كل خمسة وأربعين يومًا.

    ولأن أرقامها مفزعة واستثنائية، فقد شكك الكثيرون فيما أنجزته بافتراض استعانتها لمساعدين في الكتابة، لتخرج قبل بضعة أعوام بمقالة نارية تشرح فيها أنها لا تحب المساعدين، وأن كل كلمة خرجت باسمها إلى العامة كانت قد كتبتها بنفسها.

    تبدأ نورة بالكتابة في وقتٍ ما بين الساعة الثامنة والثامنة والنصف صباحًا، لا تراقب هاتفها النقال لأنها لا تملك أيًا من حسابات شخصية فعّالة على التواصل الاجتماعي. تستمر كل يوم إلى ما يُقارب الثمان ساعات، مع توقف عند الساعة الثالثة ظهرًا لبعض الرياضة. وهي لا تقابل الغريبين سوى أبناءها وأحفادها في نهاية الأسبوع، وتقول:

    أنا أكتب كل يوم. إنها وظيفتي الوحيدة، وأنا محظوظ جدًا لأنني أحب عملي. ليس كل شخص محظوظًا بمقدار النصف لأن يكون قادرًا على كسب عيشه من فعل شيء يحبه.

    كل يوم، في هذه المرحلة من حياتي الخاصة والمهنية، يكون في الغالب أسبوع عمل منتظم. سأخصص، إذا لزم الأمر أو أشعر بالحاجة، بضع ساعات في عطلة نهاية الأسبوع.

    أنا منضبطة، هذه هي طريقتي. لدي سرعة في الكتابة، ولقد تلقيت تعليمي (تسع سنوات من المدرسة الكاثوليكية) من قبل الراهبات. لا أحد يضع أساس الانضباط مثل الأخوات. عليك أن تصدقني في ذلك.

    ولقد نشأت من قبل والدين غرسوا، وأظهروا بالقدوة، مسؤولية القيام بعملك، والقيام به بشكل جيد، والوفاء بمسؤولياتك.

    ولذلك أنا لا أفوت مواعيد التسليم نهائيًا.

    تدافع روبرتس – بطعم الثقة الكبيرة بالنفس – عن الروتين بقولها:

    في المسار الطبيعي، أعمل من ست إلى ثمان ساعات في اليوم … ولا أستخدم المساعدين لأنهم كانوا يزعجونني، ويرغبون في التحدث معي، ويتوقعون مني أن أكون قادرًا على إخبارهم بما كنت أبحث عنه.

    ومرة أخرى، كيف لي أن أعرف حتى أعرف؟

    ليس لدي «موظفين»… ماذا أفعل بحق الجحيم مع الموظفين؟ يمكنهم فتح الباب للكلاب، على ما أعتقد؟ أو إحضار كوب آخر من الماء أو الدايت بيبسي. ستكون المقايضة كبيرة جدًا. في مساحتي. وجودهم يفسد كل شيء.

    لدي خادمة أسبوعية تعمل لدي منذ عقود. لذلك في الروتين الطبيعي، أنا لا أقوم بالتكنيس الكهربائية وما إلى ذلك. وهذا شيء عظيم …

    يحق للقارئ أو كاتب آخر أو غريب على الإنترنت ألا يحب كتبي أو أي كتاب معين. لا يحق لهم أن يدعوني كاذبًا.

    هذا النمط المنضبط في الحياة المهنية يدعوا للإعجاب في الحقيقة، لكن هناك مشكلة.

    لفت انتباهي لهذه المشكلة الصديقة العنود الزهراني عندما اعترضت على هذا الحجم الاستثنائي من الإنجازات بقولها: أن أحد الأسباب التي جعلت من الغربيين يملكون قدرة عالية على الانكباب في مكاتبهم أو مختبراتهم ليخرجوا إلى العالم بأعمال استثنائية فعلًا، أنهم لا يملكون حياة اجتماعية زاخرة ببساطة.

    زيارة منزل الوالدة ليس من أولويات الفئة الأكبر من منجزي السيليكون فالي الذين يقضون أكثر من اثني عشر ساعة في المكتب، والخروج المنضبط مع الأصدقاء لا يعتبر أمرًا أساسيًا لدى الكُتاب العمالقة، خصوصًا إن تقدم بأحدهم العُمر. وقد تكون الأسرة الصغيرة هي المعوض الوحيد بدلًا من اللقاءات والمناسبات الاجتماعية، كما في حالة روبرتس.

    كوني في نفس الحِرفة، أعي أن ما تدعيّه أمرٌ صحيحي وممكن في الحقيقة. فالإنجاز الكتابي يعتمد بالدرجة الأولى على حس الانضباط والأوقات الطويلة غير قابلة للمقاطعة، أكثر من أي شيء آخر. ولا يمكن تحقيق ذلك بسهولة في ظل وجود مجتمع يحرص على اللقاءات ويعطي وزنًا للعزائم وحضور الآخرين في الأفراح والأتراح. ناهيك عن إدمان الجميع على التواصل الاجتماعي الذي يعمل عمل المشتت كل دقيقتين في حياتنا.

    والسؤال الذي أحاول أن أسأله اليوم: هل يجب أن يكون حجم الإنجاز مشابهًا لروبرتس لكي نشعر بالرضا تجاه أنفسنا؟ أم نكتفي ببعض الانضباط وبعض اللقاءات التي تُشعرنا إننا جزء من شيء أكبر ننتمي له.

    هذا السؤال على رغم بساطته إلا أنه كان سببًا كبيرًا لحزني شخصيًا في أيام كثيرة في الماضي بكل صراحة.

    مثلي مثل الكثير من أقراني، أحب اللقاءات والمناسبات الاجتماعية، وأميل أكثر بكثير إلى كوني شخصية اجتماعية أكثر من انطوائية. وفي نفس الوقت، تغريني فكرة الانضباط وإنجاز المزيد من الكتابة التي تتصارع قبلها أفكاري ومشاعري لتخرج إلي الورق.

    وقد وجدت بعد هذه السنوات أنه من الأجدى إيجاد حلًا ما في المنتصف ما بين الانضباط غير المهزوز والانخراط في بعض أوقات الترفيه، إلى جانب المسؤوليات العملية والعائلية.

    ربما أحاول لفت النظر اليوم إلى التوازن. لأن الإنجازات الكبيرة بطبيعتها تحتاج إلى بعض الوقت، وكلما قُسِّم هذا الوقت على فترات قصيرة منتظمة، كلما كان هناك إحساس بالرضا قد نشعر به لاحقًا.

    نورة روبرتس في عالمنا تُعتبر إنسانة متطرفة، وقد نكون في عالمها مستهترين.

    ورغم احترامي واعجابي الكبيرين لها، إلا إنني أود أن أُنجز عُشر ما أنجزته، طالما أملك مساحة الأصدقاء والأحباب والمغامرات في حياتي.

  • جدة وأهلها

    كُنت أعتقد أن علاقتي مضطربة بهذه المدينة، حتى حسمت الرأي وتأكدت إنني أحبها.

    «عشت أكثر من عقدين في ثلاث مُدن مختلفة على حدى» تحكي لي والدتي عن حياتها وهي في السبعينيات اليوم «.. ولم أجد أهلًا كأهل جدة». لا يخجل كل من استوطن هذه المدينة باعترافه أنه أصبح بشكلٍ مُطلق أنه من أهلها.

    يحتاج الناس فيها بعض الوقت ليكتشفوا أن أصدقاءهم وزملاءهم ليسوا من أهلها أصلًا، فهنا مكان يذوب فيه ابن البادية والحضري والمقيم؛ حتى يُصبح جميعًا أهلًا لها.

    جدة تستقبل الجميع، ولا تعرف كيف تودّعهم.

    لا يعرف أهل جدة كيف يكونوا متكلفين في روحهم، رغم تكلّف المظهر، ولا يمانع أن يمضي فيها صاحب الملايين وقتًا طويل في أماكنها الشعبية، ولا يشعر كل من يكافح من أجل لقمة العيش أن يثبت لنفسه أنه في مكانه ومدينته.

    المطاعم والأفكار، والتنمية، والابداع، والثقافة.. رغبوا أن يكونوا مرتبطين بها. مثل البساطة والسماحة والانفتاح وحسن المعشر حينما استقرت معها.

    جدة العريقة، لا تعرف الحسد. مكتفية بذاتها، تحب الجميع وإن لم يحبوها.

    وإن سألوني عن أهلها. هم أهلي. وأنا أهلٌ لها.

    وعن عيبها، هي بعيوبها لا تود أن تكون إلا العروس. لا غزل يغنيها، ولا نقد يُنقصها، هي هكذا، لا تعرف إلا أن تكون كما اختارت. لا تُغري، ولا تلمع. فجمالها يكفيها.

  • ماذا يعني أن نقول فلان إنسان بسيط؟

    يميل تعريفنا الذاتي للشخص البسيط بأنه: إنسان غير متكلِّف في هندامه وشكله ونمط حياته، وحتى سلوكه العام مع الآخرين. نطلق هذا التعريف بغض النظر عن المستوى الاجتماعي. وأحيانًا نطلق بحسن النية على الأشخاص محدودي الذكاء «أصحاب عقول بسيطة».

    بينما يوجد تعريف آخر أكثر إغراءً من ذلك؛ في الكتاب اللطيف «حياة أبسط، ص ١٦٠» يقول:

    يصبح الوجود معقدًا للغاية عندما نخضع أنفسنا للمهام أو الممتلكات دون أن يكون لدينا إحساس واضح بالغرض منها. عندما لا نعرف بشكل صحيح سبب قيامنا بشيء ما، فإننا لا نعرف مقدار ما نحتاجه في حياتنا.

    لذلك، يمكن تعريف البساطة على أنها نتيجة ثمينة من وضوح أهدافنا.

    لسوء الحظ، فإن مسألة الهدف هي مسألة يتخلى عنها مجتمعنا بشكل عام. بسبب التركيز الجماعي على الحرية والنظام الاقتصادي القائم على اختيار المستهلك اللامتناهي، يبدو أنه من الوقاحة وغير المربح للمطالبة بتفسير لماذا قد نرغب في امتلاك أو قراءة أو متابعة، أو القيام بأشياء معينة.

    لهذا السبب، في النهاية، تبدو الحياة المعاصرة معقدة للغاية. يتم تقديم الملايين من الاحتمالات لنا، لكننا لا نشجع أبدًا على التوقف والسؤال ما فائدة ما نقوم به أو ما نمتلكه في الحقيقة؟

    الخطوة الحاسمة نحو عيش حياة أبسط ليست – كما قد نفترض في البداية – التخلص من الأشياء. بل أن نسأل أنفسنا ما هي رغباتنا الحقيقية وما هي الغايات التي نهدف إليها.

    البساطة ليست حياة مع القليل من الأشياء والالتزامات فيها، بقدر ما هي حياة مع الأشياء الصحيحة والضرورية، المتوافقة مع ازدهارنا. ستشعر حياتنا – وستكون – أبسط عندما نفحص عقولنا للتخلي عن أكثر الأفكار سرية وثرية: ​​معرفة ما نريده حقًا.

    على نفس السياق، كتبت في مقالة سابقة عن سؤال ضروري في حياتنا: ماذا يعني أن نكون مسرفين؟ لأجد الإجابة كانت قد أشارت لها الكاتبة ڤيكي روبين: بأن أي شيء نقتنيه، ولا نستخدمه لفترات طويلة ومنتظمة، قد يُعد إسرافًا.

    المقتنيات، مثل التكلّف في المشاعر، مثل التكلّف في تحمل ما لا نريده لأنفسنا.. هي نوع من الإسراف وعكسٌ للبساطة.

    وربما من الأجدى أن نُعرِّف الإنسان البسيط: هو الإنسان الذي يمتلك أهدافًا أوضح من غيره.

زر الذهاب إلى الأعلى