الشهر: مارس 2018

  • الأمور التي لا تحتمل وجهات نظر جديدة + تقييمي لرواية فعلًا

    … هل هي فعلًا موجودة؟

    في كل قصة أو موقف شكوى يحكيه أحدهم لنا، تصعُب مهمة ضبت النفس بعدم إطلاق الأحكام أو الانحياز لصاحب القصة، ودائمًا ما نسمع مبدأ: «القصة الكاملة لا تكتمل إلا بحكايات جميع الأطراف» ورغم الرأي الأخير، إلا أن كل المواقف دون استثناء تحتمل وجهات نظر جديدة، حتى بعيدًا عن الخصوم.

    كيف ستكون الحياة إن قرر الواحد فينا الحرص بشكل أكبر للاستماع للرأي الآخر أولاً؟ … في وجهات النظر، والإعلام، والأعمال وبين الأُسر، وبين شخصين متخاصمين!

    وجهات النظر لا يجب عليها أن تشترِط الاحترام تجاهها، لكن الحق بطرحها يستحق.

    كل الأمور تحتمل أي شيء، ولا حقْ مطلق، إلا الله.

    الأهم هو أنت، ماذا تريد أن تسمع، وكيف تريد أن تسمع؟ … اختصر على نفسك الكثير بالرفض للاستماع من البداية إن كنت لا تريد.


    [رسالتي (كما هي) معلقاً على رواية «فعلًا»:

    عزيزتي أمل،

    بقي لي صفحات قليلة وانتهي من روايتك.

    مشكلتي الكبرى مؤخرًا، شعوري بامتعاض كبير من الشباب الكُتّاب. بسبب الكتابات «الغلبانة» أو بسبب الدافع خلفها اللي يهدف لتعزيز «الأنا» فقط.

    ورغم دخولي لرواية «فعلاً» بهذه النفسية (الخايسة)، إلا أنني أنصدمت.

    أنصدمت من سِحْر القلم، والعُمق والوصف، الراوية رائعة رائعة، وأحب أن أرفع لكِ القبعة تحية إجلال على هذا الفن والجمال.

    مهمتك الآن للأسف صعبة بمحاولة إخراج تحفة فنية جديدة بعدها. لكن في كل الأحوال، لا يصح إلا الصحيح.

    عشت أيام جميلة مع كل البنات المذكورين في الرواية، وسحر الوصف لأدق التفاصيل جعلني أعيد حساباتي، في كتاباتي المباشرة حتى وإن كانت غير روائية.

    أبدعتي بصدق، ولعل المجاملة أبسط شيء يمكن أن يُعطى لأختي الكاتبة؛ لكن لا مجال للمجاملة هنا.

    شكرا على مجهودك

    أحمد]

  • مقالتي رقم ٥٠١

    لا بأس بهذا الرقم حتى اللحظة، ولو أنني أعتقد أن المزيد كان له أن يُكتب. وأعزي نفسي اليوم بأن الأفكار الأهم لم تُكتب بعد.

    ميزة العمل في الفنون، أنه بلا حدود. فطالما كُنت على قيد الحياة، فلديك الفرصة بأن تُنتج المزيد. والميزة الأخرى، أن الفنون لا تتمتع بحِس التنافس (ولا يجب عليها ذلك). فكل شخص يمارس عمله بتفرُدّ.

    كان الهدف الأكبر بعد بضعة مقالات كتبتها على هذه المدونة هي الاستمرارية بشكلٍ شبه يومي في الكتابة. أصارع من خلالها الكسل والخوف من آراء الآخرين. وأثبت لنفسي أن وجود الإلهام لنبدأ العمل؛ هو المغالطة الأكبر. ورغم عدم انضباطي بنفس الوتيرة التي رسمها لي عقلي، فقد تكون الكُتب التي نُشِرت (والتي ستُنشر) هي العزاء الآخر.

    يوجد كسل ويوجد خوف، ولا يوجد ثالث لهما … لا يوجد ما يُسمى بنقص الإلهام، ولا يوجد ما يُسمى أريد أن أكتب (أو أرسم أو أُلحِن)، هناك فقط كرسي لتجلس عليه وتبدأ.

    الانتباه … للأحداث والنقاشات وقراءة الآخرين وقراءة المزيد من الكُتب، كانت مصدرًا جيد للمزيد من المواضيع التي تستحق التدوين. وأعتقد جديًَا أن ثلاثة أرباع الـ ٥٠٠ مقالة لم تبهر القارئ الكريم، ولكن ليس هو هذا الأمر الأهم، الأهم هو الاستمرار، وهذا ما حاولت وسأحاول الرهان عليه.

    بعض المقالات لم تتجاوز ٢٥٠ كلمة، وبعض آخر تجاوز ١،٢٥٠ كلمة. ولا أستطيع جديًا قبل أن أكتب أي شيء توقع رد القارئ الكريم. بل أن كل توقعاتي دائمًا ما تخطئ. فالمقالة «المتعوب عليها» لا تأتي بحجم زخم المقالات التي أكتبها بسرعة ودون تركيز مبالغ فيه. لا أستطيع حتى بأن أتنبأ بـ ٥٠٪ من نتيجة كل مقالة تُكتب.

    تُشكِل كُتبي (مجتمعة) ١٠٪ من جهود المقالات التي كتبتها حتى اللحظة. وهي الوحيدة التي أتقاضى عليها أجر مادي من كل نشاطاتي الكتابية، ورغم ذلك، أحسب أن الأساس هو الكتابة والاستمرارية. وقد يأتي المردود بكل أشكاله في يوم من الأيام.

    أصبحت الكتابة هي نمط الحياة الخاص بي، توقفت عن تعريف نفسي بأي عمل آخر، أحرص على إضمام الكثير مِن مَن ألتقي بهم إلى نادي المدونة. ولعلي آمل أن أصِل مع قراءي للمقالة رقم (٥،٠٠٠). وكلي أمل بها أن يتأثر بها ولو القليل.

    شكرًا لكل مشترك وقارئ لهذه المدونة، وأعدك أنني سأفعل ما بوسعي في كل ما هو قادم.

  • عن حبنا لمشاهدة الفضائح

    أقرأ هذه الأيام أحد أهم الكُتب التي صدرت مؤخرًا والذي يتحدث عن مفهوم وقصة عن المؤامرة والفضائح Conspiracy، للكاتب الشاب Ryan Holiday. يتناول الكتاب أدق التفاصيل لحادثة فضيحة المصارع المعتزل المعروف Hulk Hogan (تيري باليو) عندما نشرت الصحيفة الإلكترونية (سيئة الذِكر) Gawker ڤيديو فضائحي للمصارع وهو يمارس الجنس مع زوجة صديقه المقرب في ظروف شديدة الغرابة. تتجه القصة برفع المصارع لقضية ضد الصحيفة، مدعومًا ماديًا ومعنويًا من قِبل رجل الأعمال المعروف Peter Thiel أحد أشهر مستثمري فيسبوك وباي-بال وأوبر وغيرها من الشركات الكُبرى. وتنتهي بحصول المصارع لمبالغ تعويضية تجاوزت مبلغ ١٤٠ مليون دولار، والتي كانت كفيلة بإغلاق الصحيفة بشكلِ ساحق.

    حصل الڤيديو على أكثر من سبعمئة ألف مشاهدة خلال وقت قياسي عند رفعه على الإنترنت. واستنتجت من «هوليدي» أن الصحيفة كانت قد اشتهرت باقتياتها على الفضائح والابتزاز طوال مسيرتها، فلم يجرؤ أحد المشهورين المفضوحين على محاكمة الصحيفة، خوفًا من استمرار وتيرة الفضائح بشكل انتقامي عليه، بل أن الصحيفة كانت قد أُسست خارج الولايات المتحدة لتجنب ما يمكن تجنبه من القضايا، ناهيك عن امتلاكها لفريق قانوني صلب كان يصد معظم القضايا المرفوعة ضدها، طبعًا مستثنيين الجهود الجبارة للمصارع وبيتر ثيل وفريق عملهم الذين عملوا لأكثر من عشرة سنوات للإطاحة بـ «الإرهابيين الإعلاميين» كما سماهم بيتر ثيل.

    تطول القصة التي تحمل تفاصيل غاية في الإثارة والغرابة، إلا أن شاهدي يدور حول نقاط مُظلِمة في النفس البشرية .. نقطة تخصنا نحن الأفراد المتابعين للإعلام، والتي ساهمت بجعل صحيفة صغيرة تصل قيمتها إلى عشرات الملايين في وقت قياسي؛ وهي إدمان المتابع ورغبته الدفينة بالاطلاع على الفضائح المنشورة لفلان وفلانة.

    نشر الفضائح بين الأفراد والحرص قبلها على الاطلاع عليها يشكل نوعًا من التنمر البشري الذي يدمر حياة المفضوح نفسيًا واجتماعيًا وعمليًا … بل ربما يطول الدمار للمرحلة التي يتمنى فعليًا المفضوح (أو المفضوحة) أو لأحد أفراد عائلته بالانتحار فيها.

    توجد فئة كبيرة ومرعبة من شبابنا لا يتأخرون في الاطلاع على أي نوع من فضائح المشهورين (شديدة الخصوصية)، ولعل هذا الأمر -بشكل غير واعي- فطرة قد جُبلت عليها النفس البشرية، قد تقف عند حدود المشاهد لها، وقد تتطور إلى سلوك إرسال صور أو ڤيديوهات على جروبات وأشخاص مختلفين في الواتساب.

    توسلت إحدى البنات المراهقات توسلًا جعلها على استعداد للتضحية بأي شيء لأحد محرري الصحيفة المذكورة بعدم نشره لڤيديو وهي تقوم بشبه ممارسة للجنس مع حبيبها. إلا أن المحرر رد عليها «أعلم جيدًا أن نشر الڤيديو فيه شعور قاسي عليكِ، لكنني يجب أن أنشره، فأنا أقوم بعملي»، لينتشر هذا الڤيديو بين معظم معارف الآنسة المفضوحة بظروف يغلب عليها الغموض عن من قام بتصويرهم من الأساس. كانت هذه الفتاة على الأغلب، فتاة عادية تمارس خصوصيتها في مكان مغلق مع حبيبها/زوجها/أو أيًا من كان في مجتمعهم. إلى أن الڤيديو عندما يصل لأي مستقبِل عادي فهو بطبيعة الحال قد يشاهده، وقد ينشره لأصدقائه.

    ولا أبالغ إن قلت أن أي إنسان على الكرة الأرضية معرض لأنواع ودرجات مختلفة من الفضائح، إلا أنني أود أن أرفع اليوم الراية الحمراء وأقول للفرد المتابع العادي إياك يا عزيزي أن تحرص على الاطلاع أو مشاهدة الفضائح عندما تصل لك، والأجدى .. مهما كانت مشاغبتك في هذه الحياة بأن لا تتعقبها من الأساس، مهما عُرِضت عليك. فالجميع يملكون كاميرات في هواتفهم، والجميع يملكون إنترنت ويعرفون عشرات مواقع الصور والڤيديوهات التي يمكن التحميل عليها.

    يملك إنسان القرن الواحد والعشرين محتويات صورية وكتابية وڤيديوهات مُرخصة قد تزاحم حياته ووقته إلى أن يموت، وليس هناك أيُ داعٍ للإطلاع على محتويات لم يرضى أصحابها عليها أن تُنشر.

    أصابني الرعب عندما علِمت بقصة الآنسة المراهقة التي توسلت للمحرر، ولم أكن بِصدق أود تخيل إحدى فتيات مجتمعي في نفس موقفها الذي جُوبه من شخص خالي من الرحمة والإنسانية.

    لا توجد أي قيمة من الاطلاع على الفضائح، حتى وإن كانت تحمل بعض الإثارة المؤقتة، فتأثيرها في المقابل شديد القسوة على صاحبها مع كل ضغطة زر مشاهدة.

    أرجوكم … لنبتعد عن الفضائح.

  • نصيحة جديدة في السفر: لماذا التأخر مفيد أحيانًا

    الأنظمة (القاسية) الموضوعة في كل خطوة من خطوات السفر ابتداءً من الحجز حتى الوصول، قد وُضِعت لقيادة العقل الجمعي بأقل ما يمكن من المشاكل والتعطيلات. وعندما أقول العقل الجمعي أقصد الغلبان والغني وكثير السفر والمسافر لأول مرة في حياته والعائلات وكل فئات المجتمع دون استثناء. عندما تتعامل أي جهةٍ ما مع العامة (جمهور غير محدود الفئة أو الثقافة) يتطلب إنجاح العمل أنظمة شديدة القيود. يستطيع المُنظِم من خلال شدتها تحقيق المعقول فقط، أو كما يُقال: «أطلب الباطل يأتيك الحق».

    النقطة الأهم التي يجب أن نستوعبها دومًا، هي أن قوانين التعامل التجاري مهما ازدادت شدتها فهي بالتأكيد تحوي على بعض الاستثناءات، واليوم أتحدث عن نصائح صغيرة قد تساهم بجعل رحلات السفر القادمة أسهل (مع عدم الإخلال بأي نظام بشكل صريح).

    1. احرص أن تكون دومًا آخر من يصعد إلى الطائرة أمام بوابة الصعود؛ لماذا؟ .. لكي تحصل على فرصة سؤال الموظف المسؤول (بلُطف متناهي) عن الصفوف الفارغة في الطائرة. ولن يوجد لديه أي سبب يمنعه من إجابتك على هذا السؤال. وعندما تعرفها، يمكنك مباشرًة عند صعودك للطائرة بالتوجه إليها، والاستمتاع بمقاعد ومساحة جيدة، وكونك آخر الصاعدين للطائرة، فاحتمالية امتلاء تلك المقاعد شبه مستحيلة.
    2. (نصيحة قديمة تستحق التكرار) ليس هناك أي داعٍ للوقوف مباشرة وقت هبوط الطائرة لأخذ حقائب اليد والخروج، تأخر قليلًًا؛ لأن الفترة ما بين الهبوط وفتح بوابة الطائرة تستغرق في العادة ما يزيد عن عشرة دقائق، وهو وقت لا يستدعي أبداً الوقوف التلقائي دون تفكير، لكي تُتعِب قدمك وتزاحم العقل الجمعي! … اترك الجميع يأخذون حقائبهم ويخرجون من الطائرة، لتنهي رحلتك بهدوء، وربما لا يستدعي الأمر أن أخبرك أن معدل فترة الوقوف على الجوازات وأخذ العفش من المسار، سوف يُساويك مع باقي المستعجلين في التوقيت، وستجد أنك خرجت مع معظمهم في نفس التوقيت خارج المطار.
    3. عند طلبك لخدمة «أوبر» أو «كريم» أو بتنسيقك مع سائقك الخاص لاستقبالك في أحد المطارات المحلية، احرص على أن يُقِلك من جهة «الذهاب» وليس «الوصول»، ففرصة وجود ازدحام هناك أقل بكثير من قسم «الوصول»، ناهيك عن الاحتمالية الكبيرة بعدم دفعك لبطاقة الوقوف!

    وأخيرًا، أُرحِب بأي تقنيات سفر (Hacks) أو نصائح على الإيميل: ahmad@amoshrif.com

  • متضامن مع التافهين في النشر!

    لا أفضل أن أتناول المواضيع الساخنة، لكن موضوع اليوم يحمل وجهة نَظر شخصية تجاه أمرٍ دارج وسيستمر الجدل حوله. وهو: السماح للتافهين (والذين لقبهم شخصٌ ما بذلك) بنشرالكُتب.

    في الحقيقة، اعترضت في أكثر من مقالة سابقة على بعض الأهداف الشخصية غير المعلنة في نشر بعض الكُتّاب لكتبهم بأهداف تسويقية.

    واعترضت مؤخرًا وبِشِدّة على ناشري كُتب «النصوص» بالتحديد، والتي لا تُضيف أي قيمة للقارئ -من وجهة نظري الشخصية-.

    لكن؛ لم ولن أطلب من الجهات الرقابية والمشرعة (وزارة الثقافة والإعلام في هذه الحالة) أن تمنع إصدار الكُتب مهما كان نوعها، سواءً للتافهين أو غيرهم.

    الأسباب كثيرة وقد يطول شرحها، إلا أنني أكتفي بقول: أن التجارب في صنعة النشر قد علمتنا أن الكُتب التي تُمنع بشكلٍ عام؛ هي الكُتب التي ستُطلب من الجمهور كما هو معروف. ومع الاقتناع أننا أصبحنا واقعيًا في عام ٢٠١٨م، وبأن أقل الأشخاص خبرة في التكنلوجيا يستطيع إنزال أي كتاب بصيغة (PDF) من الإنترنت، يجب ألا يُحفِز الجهات الرقابية على المنع، قدر التشجيع على النشر.

    فالأخطاء تُعلِم حتى التافهين، والنشر التافه مهما كثُر؛ فسرعان ما سيختفي. ولا يصح إلا الصحيح في نهاية الأمر. فالعديد من الكُتاب (التافهين) قد نشروا كتاباتهم خلال السنوات الماضية، وقد اختفى الكثير منهى، واستمرت الكُتب التي تستحق البقاء.

    على كل حال، تحمل النقطة السابقة الكثير من التفاصيل الجدلية، وما أود الإشارة إليه اليوم، هو عدم موافقتي على مبدأ «السماح أو عدم السماح» للتافهين (أو أي شخص يكتب) بنشر ما يريد نشره. فقد نجد التافه تافه، في حين أن جمهوره لا يراه كذلك!

    ولا زِلت مثلًا على اعتراضي في نشر كُتب «النصوص» بشكل غزير. إلا أن هذا الموضوع لا يعطيني ولا نصف الحق بتشجيع الثقافة والإعلام على منعها، بقدر رغبتي الدؤوبة بأن أعمل على إقناع كُتابها بصرف المزيد من التعب والجهد لكتابة كُتب حقيقية تستحق العناء. تمامًا كما يجب أن أستثمر في الثقافة التي تُنتج هذه الأعمال، عوضًا عن منعها.

    طاقة المنع مهما قوت فهي محدودة، والعمل على الأساس الثقافي هو الذي يحمل التأثير الأكبر.

  • ماذا سيحدث إن اختفت كُتب النصوص من العالم؟

    ما يدفع أي شخص لكتابة كتاب أو مقالة ما، هو اقتناعه التام أن هناك شيء يستحق الكتابة ويرغب مشاركة الآخرين به.

    وقد تحدثت بشكل سلبي سابقًا عن رغبتي الحقيقية بالتوقف عن قراءة الكُتب العربية لأسباب تتعلق بالتسويق و«الأنا»، ولن أخوض اليوم في نفس الموضوع بنفس الزاوية. لكنني سأعقب على زيارتي الأخيرة لمكتبة متجر «ڤيرجن ميجا ستور»، عندما أُصِبت بالذهول من العدد الكبير لكُتب النصوص، وقد كُنت حرفيًا أجد أن أربعة من بين خمسة كُتب موجودة على الأرفف هي كُتب نصوص.

    عندما أقول نصوص فإنني لا أقصد المقالات، ولا أقصد الرواية ولا أقصد أي نوع معروف عن الكُتب في التصنيفات العالمية. أقصد بشكل مختصر: الكثير من الصفحات البيضاء والتي تحتوي على بعض الكلمات الخواطرية، مثل الشكل التالي:

    في ذلك المساء .. نظرت إلى السماء .. بحثًا عنك ..

    ووجدت .. أنني .. لم أرى .. سوى النجوم .. والتي ذكرتني بِك ..

    أين أنت الآن؟ … وكيف تعيش من غيري؟

    وجدت أن من كثرة كُتب النصوص الموجودة في السوق، فقد قامت إدارة المحل بوضع أجزاءً كبيرة منها من قسمها الذي لم يسعها، في قسم الروايات. وكان من المؤسف أيضًا أنني وجدت على الأقل ثلاثة روايات، تفاجأت عندما فتحتها أنها بالفِعل روايات، ولكن على شكل نصوص قصيرة، وأحداث موزعة بشكل كبير على الصفحات العديدة الفارغة.

    كُتب النصوص لا تتطلب الكثير من الجهد والتركيز والعمل الدؤوب لتخرج من عقل كاتبها إلى السوق، بقدر حرص صاحبها على إخبار الآخرين أنه كتب كتابًا ما، حتى وإن لم يتجاوز في عدد كلماته الخمسة آلاف كلمة (١٦٪ من متوسط حجم رواية صغيرة الحجم).

    مشكلتي الكبيرة مع كُتب النصوص تتركز في أمرين:

    أولها، أنها لا تُحقق أحد الهدفين (لا ثالث لهما) من القراءة:

    1. الترفيه (ويدخل فيها الخيال، والقصص، والإثارة إلخ.).
    2. المعلومة (كُتب التخصص والبحوث والقصص الواقعية والسير الذاتية).

    وثانيهاً، أن حِس الإبداع فيها شبه معدوم، فلا هي تتطلب حجمًا كبير من المفردات اللغوية كصياغة الشِعر، ولا هي تحتوي على أحداث وشخصيات يعيش معها الكاتب، ويتعذب حتى يصل لخلق قصة مثيرة ربما تأسر خيال القارئ لها.

    وإن لم يتحقق مبدأي «الترفيه» أو «المعلومة» إذاً؛ لماذا كُتب الكتاب؟

    هل لأن الكاتب كان يود أن يخبر الآخرين (كما أدّعي) أنه يريد أن يكتب شيئاً ما، لمجرد الكتابة؟ ..

    والسؤال الآخر، هل كسل الكاتب والقارئ إن كان موجود، هو السبب الرئيسي في كثرة انتشار هذه النوعية من الكُتب؟

    «٢٠٠ صفحة من اللاشيء» كما يصفها أحد أصدقائي الروائيين الناجحين. وإن راقبنا هذا الأمر قليلًا، سوف لن نجد مثل هذه الكُتب بهذه الغزارة لدى المجتمعات الأخرى، أو عند قُرّاء اللغة الإنجليزية؛ ببساطة لأن السوق لن يسمح بطباعة ونشر مئات النسخ كتلك، والتي تحمل معها عمرًا افتراضي قصير جدًا على الأغلب، كما قال لي أحد أصحاب متاجر بيع الكُتب المعروفة في المملكة.

    والسؤال الآخر، ماذا سيحصل إن اختفت كل كُتب النصوص العربية من وجه الأرض؟ هل سيتأثر التراكم العلمي الإنساني؟ أو هل سيتأثر المولعين بالخيال واللغة سلبيًا بذلك؟ .. بصراحة لا أعتقد.

    يجادلني بعض الأصدقاء بأن تلك الكُتب كُتبت لتستهدف شريحة معينة، وأقول الاكتفاء بوجودها والاقتناع أنها كتب لا بأس بها على أقل تقدير، ستدفع بمعظم حديثي القراءة للهروب من الكُتب الصعبة أو التي تفوق مستواهم الفكري، لينشغلوا بعيداً عن الخيال والمعلومات بمحتويات نصية لن تضيف إلا القليل جدًا لمخزونهم المعرفي.

    كُتب النصوص لا تتحدى الكاتب ولا تتحدى القارئ لبذل المزيد من الجهد الكتابي والبحثي والخيالي، ولا تتطلب الكثير من الساعات والتعب والتركيز في وسط عالم التواصل الاجتماعي الذي أصابنا بالسطحية، هي فقط وسيلة لإقناع كاتبها ومتلقيها أن هناك شيء ما أُنجِز!

    والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه، ماذا لو كان لشخصٍ ما رغبة في كتابة خواطره؟ وأقول إن معظم الأفكار تستحق التوثيق إن اقتنع صاحبها بضرورة ذلك، لكن سأشجع أن تُدون في مكانها الصحيح، على تايم-لاين التويتر، أو على صفحات المدونات والفيسبوك، دون الحاجة لمزاحمة الجهود الكبيرة التي صُرِفت من قِبل كُتاب آخرين أنتجوا كتبًا تستحق البيع على الأقل!

    أكتب هذه الكلمات وأنا أوشك الوصول لمقالتي رقم «٥٠٠» (أكثر من ٢٠٠،٠٠٠ كلمة) وأعتقد جديًا أن ٩٠٪ من مقالاتي قد لا تحمل في طياتها الكثير من الأفكار التي تستحق الاهتمام الحقيقي، إلا أنني عبر التدوين المستمر أهدف للكثير من الأمور، كتدريب عضلة الكتابة بشكل مستمر، وإبقاء التواصل مع قراءي الأفاضل، وتشجيع نفسي للبحث عن الكثير من الأفكار والتي ربما يتحول إحداها لكتاب مستقبلي يحتاج للمزيد من الانتباه والتركيز والعمل الدؤوب، لكنها تظل مقالات، وهي موجودة على صفحتي الخاصة التي ترحب بأي شخص (مجاناً) بقراءتها والاطلاع عليها.

    وأود عبر هذه الكلمات، أن أُشجع كُتاب النصوص على المزيد من العمل والبحث وكتابة محتويات يتحدون بها أنفسهم وقراءهم في المعلومات والخيال، فهي ما نحتاجه أكثر. وليس المزيد من النصوص أو كُتب تجميع التغريدات.

  • هناك لعبتين للشُهرة

    اللعبة الأولى: هي الكثير من الظهور، والاستمرار في إبراز الشخص لنفسه أو لمنتجه، أو أن يدفع لشركة علاقات عامة أو دعاية وإعلان، ليأخذ مساحة من انتباه الآخرين قدر المستطاع. وإن كان هذا الشخص أو المسؤول سعيد الحظ وامتلك بعض المال أو خِفة الدم المطلوبة، سيحصل على الانتباه، وإن كانت آنسة تحرص على الإغراء والظهور كل يوم بمظهر جديد ستحصل (ربما أيضًا) على الانتباه … انتباه الآخرين لمدى قصير.

    سيعرف الجميع عن المُعلِن دومًا، وعن ما يقدمه.

    هذه الطريقة هي الطريقة التقليدية في التسويق.

    يبحث من خلالها المسوق على الطُرق المختصرة ليخبر الآخرين أنه موجود في الساحة (المعلنين على سناب شات مثال)، لا يستأذن الآخرين قبل أن يخبرهم ماذا يريد أن يقول، يقتحم انتباههم طيلة الوقت، ويقول لهم «هيي! .. أنا موجود».

    اللعبة الثانية مختلفة، لعبة أحذية «Toms» و«AirBnb» وليو تولستوي، وستيفن كينج، وعبده خال، ومايكل جاكسون، ومقهى «مد». وآخرين من الفنانين الذين غيروا التاريخ.

    اللعبة الثانية يركز أصحابها بهدوء على القصة، أو على فن يُبنى ببطء؛ يومًا بعد يوم.

    يزيد جمهورهم بشكل متوازن على مدى الأيام، يستوعبون دون ضجيج أن العمل (أو المنتج) هو الذي يستحق الانتباه والتركيز فيه وليس الظهور المجرد.

    وبسبب هذا الانتباه على العمل، سيحصلون على انتباه الآخرين، دون الحاجة للإعلان أو اقتحام انتباه الآخرين.

    التحدي في اللعبة الثانية أنها لعبة طويلة المدى، وتتطلب الصبر والمزيد من العمل. وميزتها؛ أن أصحابها سيبنون أصدقاء وليس عملاء ومتابعين. لأنهم يهتمون أكثر بالعمل.

    أصحاب اللعبة الثانية، نحتاجهم أكثر في حياتنا، نحتاج المزيد من قصصهم، وبالتأكيد لا نحتاج الكثير من الاقتحام.

  • أوه! .. الكل يهتم بالمشاعر أكثر من الأفكار

    «ماذا تقصد بأنني مُلزمة بأن أشعر بشيءٍ ما؟

    الناس توقفوا عن التفكير. وأصبحوا «يشعرون» طيلة الوقت …

    أوه!! .. المشاعر …  أوه!! لا أشعر بالارتياح …  أووه! .. نحن كمجموعة لا نشعر بـ …

    هل تعلم أن أحد أكبر مشاكلنا في العصر هي: أننا ننقاد تحت أشخاص يهتمون بالمشاعر أكثر من الفِكر والأفكار! …

    الفِكر والأفكار؛ هي ما تثير اهتمامي … يجب عليك أن تسألني: ماذا أُفكر! …»

    كان هذا الاقتباس، من مشهد الفيلم الذي يحكي قصة حياة رئيسة وزراء بريطانيا Margaret Thatcher (المرأة الحديدية) والتي أبدعت في تقمص دورها الممثلة القديرة Meryl Streep وهي تُعالج في كِبرها من طبيبها الذي سألها عن شعورها أثناء فترة العلاج.

    وأضافت معلقةً في المشهد التالي الاقتباس الشهير:

    «راقب أفكارك لأنها ستُصبح كلماتك، راقب كلماتك لأنها ستُصبح أفعالك، راقب أفعالك لأنها ستُصبح عاداتك، راقب عاداتك لأنها ستصبح شخصيتك، راقب شخصيتك لأنها ستُصبح مصيرك … ما نُفكر فيه، هو ما سيحدث»

    وأضافت لطبيبها: «أعتقد … أنني بخير». ورن الهاتف مرتين، لتعلق: «شكرًا لاهتمامك، ولكن أرجوك رد على هذا الشيء، فأخشى أنه اتصال من شخص يحتاجك!».

    إذاً؛ الأغلب من وجهةً نظرها يهتم بالمشاعر، وتعتقد (أحد أفضل رؤساء بريطانيا في العهد الحديث) أننا نعيش أكبر مشاكلنا، لأننا تحت رحمة الأشخاص الذين يولون المشاعر اهتمامهم أكثر من الأفكار. وأتساءل بل وأتخيل؛ كيف هي الحياة إن قادتها الأفكار فقط؟ .. على المستوى اليومي للفرد، ثم على مستوى الأسرة؟ ثم للمنظمة … ثم للدولة!

    كيف ستكون الحياة إن انقلبت نسبة الاهتمام من المشاعر لصالح الأفكار، كيف ستكون قراراتنا؟ وكيف سيكون مصيرنا؟ .. هل الحروب في التاريخ سببها الأفكار أم المشاعر؟ وهل نمط الحياة الرائع في دول العالم الأول سببه الأفكار أم المشاعر؟

    وإن كانت خليطة بين هذا وذاك، ما هي النسبة؟

    والسؤال الأهم: هل هناك مجتمعات عاطفية نجحت نجاحات استثنائية؟

  • عندما اشتريت جينز بألف ريال

    هنا جزء من خاتمة كتابي القادم .. أعتبره لحدٍ كبير مُكمل لمفهوم «ثورة الفن».


    اشتريت في عام ٢٠٠٥م «جينز» و«تيشيرت» من إحدى الماركات الفخمة، كلفاني سويًة مبلغ «ألف ومئتان وخمسين ريال». كان هذا المبلغ هو راتب شهر كامل من عملي بدوام جزئي في إحدى مطاعم الوجبات السريعة، وقد صُرِف في أقل من نِصف ساعة.

    قمت بذلك التصرف كي أُثبِت لنفسي ولبعض أصدقائي أنني مثلهم. أرتدي ملابس فخمة، وأحضر لنفس المناسبات التي يحضروها، وبالطبع، محاولة غير مباشرة لطلب التقدير والاحترام والاستحقاق.

    كانت مناسبة شراء تلك الملابس هي دعوة أحد الأصدقاء لنا بالذهاب إلى «درة العروس» في عيد الأضحى ذلك العام، وقد استقبلت تزامنًا مع تلك الدعوة، اتصالاً من مديري المباشر ليخبرني أنني يجب أن أباشر العمل في فرعهم في «درة العروس» أيام العيد، مع وعده لي بزيادة محترمة في الراتب. ولكنني مع الأسف رفضت هذا العرض ورفضت المباشرة بالعمل هناك.

    استمر في إلحاحه وإخباره بحاجته لي بالمباشرة في ذلك الفرع، واستمريت في الرفض بحجة أنه «عيد» ولا أود أن أخدم أصدقائي وأنا خلف «كاونتر» المطبخ، بدلاً من أن أكون معهم.

    وما حصل … كان كما هو متوقع في ذهن القارئ الكريم، بأنني فُصِلت عن العمل لذلك السبب، فقد ضحيت بعملي في أكثر وقت كان فيه زملائي ومديري في حاجةٍ ماسة لي.

    توقف دخلي المادي، وتشاديت مع أهلي عندما طلبت منهم مبلغاً من المال لكي أُسيّير أمور حياتي، بعد أن صرفت راتب شهرًا كامل في ملابس لن تقدم في حياتي ولن تؤخر (لم أكن قد تجاوزت العشرين من عمري). كانت مشكلتهم في الرفض بدافع المبدأ! فكيف أتعب شهراً كامل في عمل شاق من أجل أن أشتري ملابس ربما سيعلق الآخرين عليها إيجابيًا، وربما لا. وأسأل نفسي اليوم، هل كان التصرف الأصح هو تركي للعمل في الوقت الذي كانوا فيه في أمس الحاجة لي؟

    وأقول:بالتأكيد لا.

    أعزي نفسي اليوم عندما أكتب بصراحة عن هذا الخطأ التقني في حياتي، والذي أتمنى من صميم قلبي بأن يطلع عليه القارئ الكريم (حديث التخرج على وجه الخصوص) ليعي أن تركيزه على مستقبله، والعمل على ما قد يعطيه قيمة حقيقية لنفسه قبل الآخرين، هو الذي سيأتي إليه بنتائج إيجابية، وليست الملابس الغالية أو تقديم أي ملهيات على العمل الحقيقي، أو صورٍا يحاول أن يثبت للاخرين من خلالها أنه إنسان يستحق التقدير. وإن عادت بي الأيام، فإنني سأفضل مئة مرة بأن أستثمر ذلك المبلغ بشراء الكُتب، أو بشراء أسهم في الشركة الأم التي عملت فيها مثلاً. وبالتأكيد، كنت سأقبل تكليفي بالمباشرة في «درة العروس» خلال أيام العيد.

  • الطاولة لا ترتفع

    زارني الصديق عُمر عاشور في مكتبي اليوم. فارق الطول الفيزيائي لصالحه دومًا … جلس أمام مكتبي مستخدمًا جهاز اللابتوب الخاص به وهو في مواجهتي. كُنّا منتظرين زيارة ضيف كريم بغرض الاجتماع معه، وعندما يأتي … كُنّا سننعدل في الجلسة ونأخذ وضعية أكثر ملاءمة.

    «ألا ترتفع الطاولة قليلًا؟» كان سؤاله لي! … طاولة المكتب مصممة بطبيعة الحال ومهيأة لجلوس أصحاب القامات الأقصر قليلًا. أخبرته (أثناء إنشغال كل واحدٍ فينا في جهازه) أنه من الممكن (على ما أعتقد) أن يزيد ارتفاعها. لكنه سرعان ما تجاهل إجابتي، وتجاهلت سؤاله، ليكمل كل واحدٍ فينا عمله.

    الطاولة … كانت أحد الأمور شديدة السفسفة خلال اليوم، والتي إن رَكزَ عليها، أو ركزت عليها لحظتها، لانتقل التركيز بالانشغال ربع ساعة أو أكثر بها حتى يأتي ضيفنا الكريم، ولم نكن سنُضيف آخر ملاحظة على ورقة الاجتماع التي كُنّا نعدها.

    هناك العديد من الأمور التي تأخذ لحظات تفكير منّا خلال اليوم، وإن إدعيّنا أنها جميعًا لا تستدعي حجم انتباه أو تركيز عالٍ، وقمنا بالتركيز عليها لاعتقادنا بقدرات سرعتنا على إنجازها؛ سوف لن نعي بوضوح أن الانتباه قد شُتت، والتركيز لم يُصرف في محله الصحيح.

    «إللي بعده» … هي الجملة التي يجب أن تُقال مع كل لحظات قليلة ننجز فيها شيء ما، ولا يستدعي الأمر ربما الوقوف عند كل شيء، فإن الوقوف عند طاولة أحمد في المكتب، وسلة النفايات في البيت، وآلاف اللحظات التي قد نولي اهتمامًا لها، قد لا يعطينا إيحاءً أو واقعًا فيه إنجاز.

    ونفس هذه الجملة، يجب أن تُقال للكثير من لحظات الضيق، والمكالمات المستفزة، ومواقف الشارع والقيادة المثيرين للشفقة.

    الطاولة لا ترتفع، والأمور لا تأتي مع الأسف على مزاجنا كل لحظة.


    هذه المقالة كُتبت في ستة دقائق. كان الهدف منها أمرين: ١. أن أدون فكرة كانت موجودة في بالي لأراها على الورقة أمامي و٢. لكي أخبر أصدقائي اللذين يريدون أن يكتبوا، أن الكلمات تأتي كالسِحر، عندما نبدأ الكتابة، وليس عندما نقرر أن نكتب.

زر الذهاب إلى الأعلى