السنة: 2019

  • الهراء فيما نقول أو نكتب

    أرجوك.. حاول أن تختار كلمات أبسط وشرحًا أسهل في حديثك. وفي كتاباتك. وفي كل شيء.

    يجب أن تترك مساحة لعقل المتلقي بأن يُفكر فيما قلته.. وليس استيعابه أو محاولة فهمه.

    كتبت في مقالة قديمة عن فِهم «ميشيل دو مونتين» للمصطلحات الصعبة بقوله: «الصعوبة عُملة يستحضرها المتعلمون كي لا نكتشف خواء دراستهم، ويميل الغباء البشري إلى قبولها مسبقاً.» وهذا الكلام لا ينطبق على المتعلمين، بل علينا نحن من نعتقد أن الكلام الأصح يجب أن يكون متحذلقًا.

    شرح أي فكرة بطريقة بسيطة يحتاج أحيانًا إلى مجهود، ولا بأس بذلك، هذا المجهود هو عبارة عن ترتيب للأفكار لنفسك وللآخرين كي يفهموك.

    الكلام والمصطلحات الصعبة غالبًا هراء.

    الكلام المُبهم وغير المباشر غالبًا هراء.

    التلميحات فنٌ صعب.. المحاولات فيه غالبًا هراء.

    الأفكار غير المباشرة تجاه شيء محدد غالبًا هو مؤشر للكسل.

    عندما تحاول أن تقول أو تكتب شيء.. اسأل نفسك سؤال واحد فقط: ماذا أحاول أن أقول؟

    وعندما تقرأ إحدى كُتب النصوص.. اسأل نفسك قبل أن تكمل الصفحات الأولى: ماذا تحاول هذه أن تقول؟

    إن لم تفهم في كلتا الحالتين.. فهذا مؤشر جيد لتضييع الوقت.

    كان الله في عون الجميع

  • أحد الوحوش الأكثر رعبًا في حياة الناس

    إن كان هناك ما نخشاه في هذه الحياة.. فهو شيء شديد التقلّب والتحوّل لا نستطيع مجابهته بسهول.. وحش يُسمى: الحقيقة.

    تقف الحقيقة تنظر إلينا ونحن نعافر ونتلون ونبتعد عنها.. ولا ننظر إليها وجهًا لوجه. حتى تأتينا وتسألنا: هل انتهيت؟ ها أنا موجودة ولم أتحرّك.

    الحقيقة، نتعامل معها أنها ليست حقيقة.

    حقيقة الأشياء بالنسبة لنا دائمًا هي شيء ما آخر.. لكنها ليست حقيقة.

    نفضّل أن نختار ما نعتقد أنه حقيقة.. ونعتبره حقيقة.. ونسقطه على الآخرين معتقدين أنه حقيقتهم.

    الحقيقة.. هي الوحش الذي يجب أن ننشغل في مجابهته وتقبّل وجوده في هذه الحياة.

    كل ما نعتقد أنه حقيقة، سيقودنا بالغصب لاحقًا للحقيقة الواقعية.

    الحقيقة والشجاعة وجهان لعملة واحدة.. متى ما تسلّح الإنسان بالشجاعة سيواجه الحقيقة. ومتى ما تسلّح بالحقائق سيصل إلى الشجاعة.

    نحن مع الأسف لا نود إلا أن نكون في نصف الطريق.. بعيدين عن الشجاعة وبعيدين عن الحقيقة.

    كان الله في عون الجميع.

  • نصف الوعي في الإدراك

    مرحلة الإدراك من أصعب المراحل التي لا يصل إليها معظم الناس.

    يعتقد ٨٠٪ من السائقين في الشارع أنهم أفضل من الباقين وغالبًا ما يُصاب الكثير من الطلاب بنوع من الحماس في تقييمهم لمهاراتهم بشكل يفوق بكثير واقعها.

    بل أن نفس الدراسة التي دعمت السطر الأخير، تخبرنا بأن مشكلة الكثيرين ممن يعانون من شكل من أشكال (سأسميه عدم الذكاء) لا يعرفون في الحقيقة أنهم يعانون منه.

    الوعي في حياتنا يسبقه خطوة مهمة وهي الإدراك.. الإدراك أننا نحتاج لمزيد من الوعي. وهذا الإدراك لا يصل إليه الإنسان من تلقاء نفسه عندما يستيقظ من النوم في أحد الأيام.

    لا يدرك الغبي فجأة أنه غبي.. ولا يدرك الأحمق حماقته إن كان برفقة العديد من الحمقى.

    فقط تأمل بعض المراهقين وتصرفاتهم إن اجتمعوا سوية!

    الإدراك يكون من خلال مرآة خارج حدودنا الشخصية..

    الإدراك يبدأ عندما نقرر مصادقة الأذكياء والناجحين والمجتهدين.. ومزاملة من هم أفضل منّا.

    الوعي.. يأتي بعدما ندرك أننا لم نكن مثلما توقعنا من هيبة ووقار ونجاح!

    الإدراك.. يأتي عندما نعاشر العقول.. حتى وإن كانت على شكل الكُتب.

    الوعي.. يعالج ما أدركناه، فإن كان خير سيزيد منه، وإن كان شر فسيتعامل معه.

    كان الله في عون الجميع.

  • الجانب المظلم في وجود أحباء كُثُر

    في حياتنا توجد شخصيات تمتاز بامتلاكهم الكثير من المعارف والأحباء. بالكاد تجدهم لا يسلمون على أحد عند ذهابهم لمكانٍ عام، وعند طرحك لأي مشكلة أو حاجة لمساعدةٍ ما، عادة ما يهرعون لاقتراح شخص يعرفونه (أو بالكاد يعرفونه) قد يساعد في هذا الأمر.

    يتجاوزون بسرعة موضوع الإحراج والخجل من عدم التواصل لفترات طويلة.. يقفزون مباشرة للموضوع، وهم يتوقعون منك نفس الشيء.. هم منفتحين على الحياة أكثر من غيرهم.

    تمتاز هذه الشخصيات بخفة دم كبيرة، وصدق لا غبار عليه في محاولتهم المستميتة لمساعدة الآخرين، وهم يقدمون في الأغلب مصالح أحبابهم على مصالحهم الشخصية. بل قد لا يتوانون على الضغط على أنفسهم من أجلهم..

    يملؤون السمع والبصر إن حضروا.. تجد نفسك ممتلأ على آخرك عندما تفارقهم. ممتلأ بالأفكار والقصص والطاقة.. ومشاعر جياشة.

    إن حاولنا وصفهم: فربما الوصف الأدق والأسهل لا يغادر ما نسميه «الشخصيات الاجتماعية».

    كل ما ذكرته من صفات موجودة في كلٍ منّا بنسب متفاوتة.. إلا أنه يغلب كثيرًا على بعضنا ممن يعرفون أنفسهم بالشخصيات الاجتماعية المطلقة.

    حبْ الشخصيات الاجتماعية للمغامرة والتجديد يجعلهم أكثر من غيرهم متقبّلين للتقلبات والمفاجآت. عقليتهم بُنيت على مرونة عالية. هذه المرونة تجعلك تؤمن بأنهم يحبون الحياة (ربما) أكثر منك.

    وإن كان هناك جانب مظلم عندهم.. فهو شديد الظلام مع الأسف.

    هم أكثر الأشخاص المعرضين لانكسار القلب.

    النسبة المئوية لانكسار القلب عندهم في ازدياد طالما هم في ازدياد لتكوين أحباب أكثر مع الوقت.

    فالجميع يخطؤون.. بمن فيهم الأحباب.

    والجميع يموتون.. بمن فيهم الأحباب.

    وهذا النوع من محبي الحياة.. يموت كل مرة مع خسارة أحدهم!

    يموتون مع تقدّم السن أكثر وبتسارع أكثر من غيرهم.

    تكون الحياة في قمتيها من السعادة والقسوة بوجود أحباء كُثر.

    كان الله في عون الجميع.

  • نصيحة للفنانين: عن تقبل الانتقاد – الجزء الثاني

    هذه المقالة استكمال للجزء الأول منها على هذا الرابط.

    الانتقاد يكون صحيًا عندما يُطلب.

    هناك شعرة تفصل بين من يحاول أن يعلّمك كيف تقوم بعملك أو فنك من منطلق «الأستذة» وهناك من هو مشغول أصلًا مثلك على عمل لا يعلم حقيقًة إن كان سيكون له أثر في هذه الحياة أم لا، وهذا الشخص إن كان قد وصل للمرحلة التي تود الوصول إليها، فهو بالتأكيد مُستحق لإعطائه بعضًا من الإنصات بعد طلب الانتقاد وتجنبًا للمديح.

    الوعي لهذا الأمر مطلب.

    وأعتقد جديًا من زاوية أخرى؛ أن أفضل محاولة للبحث عن نقد الذات هو من خلال ملعب العمل نفسه وأبطاله. وجدت أن كل قدواتي في حِرفة الكتابة -مع الأسف- أجانب وأعلم لسببٍ ما تحسس معتقداتنا لهكذا اعتراف. عمومًا، محاولاتي الجدية للارتقاء تقوم بشكل كبير على الاطلاع على ما كتبه الإخوة الغربيين وما يتبنوه في حِرفتهم. وقد تطرقت بإسهاب موضحًا هذا الأمر في مقالة سابقة.

    الأعمال الفنية التي يجتمع على جمالها الجميع أو الأغلبية.. هي حالات استثنائية، وهذا الأمر لا ينبغي له أن يكون عائقًا أو محبطًا للفنان من وجهة نظري. التصالح مع الذات في فِهم أن جزءًا صغيرًا من الناس سيتأثرون ويتقبلون العمل، قد يقودنا إلى القناعة بأنه يجب علينا بذل المزيد من الجهد لكسب وِد غير المعجبين بأعمالنا. ولا يتحقق بالطبع هذا الأمر بالإنصات المستمر للانتقاد. بل بالانتاج المستمر.

    وعودة لحِرفة الكتابة.. هناك اقتباس مغلوط لأحد كتّابي المفضلين (ستيفن كينج) وأود بصراحة أن أقتبسه مؤقتًا ونصّه: «المليون الكلمة الأولى بالنسبة للكاتب هي مرحلة التدريب فقط..» بينما يقولها في كتابه (عن الكتابة) بوصف أدق «إن أردت أن تصبح كاتبًا ناجحًا، يجب أن تقرأ الكثير وتكتب الكثير، لا يوجد طريق مختصر غير ذلك».

    الاستقبال من القدوات هو الحل لجودة العمل والارتقاء.. والاستمرارية في الانتاج.. ربما تضمن شيئًا من الراحة بعيدًا عن الانتقاد.

    كان الله في عون الجميع.

  • نصيحة للفنانين: عن تقبّل الانتقاد

    مدخل: لسببٍ أجهله، استنزفت مني هذا المقالة الكثير من الجهد النفسي، وشعرت بالإرهاق قبل وأثناء وعند الانتهاء من كتاباتها، وهي حالة نادرة بالنسبة لي!


    عندما سؤلت الروائية المعروفة إليزابيث جيلبيرت عن سلوكها في تقبل الانتقاد تجاه أعمالها، كانت إجابتها اللطيفة قد لامستني:

    «أتجنب النقد الموجّه لي ليس لأنني لا أهتم بما يقوله الناس عني، أتجنب النقد لأنني فعلًا أهتم. أنا حساسة ومعرضة للشعور بالألم بسهولة. وأعلم أن الكلمات الانتقادية يمكن أن تؤذيني، وأنا لستُ في مجال إيذاء نفسي بشكلٍ مقصود».

    شعرت مع هذه الكلمات للمرة الأولى توصيف بعض القراء الأفاضل بقولهم: «أننا نعبّر عن أنفسنا من خلال كلمات الكُتّاب».

    وقبل أن أدخل إلى صُلب الموضوع، أود أن أخذ بعض الوقت لاستعراض اختلاف حالة الفنانين في حرصهم على أخذ التعليقات تجاه أعمالهم وأنفسهم.

    هناك صِنف يحفز نفسه من خلال البحث عن التعليقات الإيجابية مع كل خطوة إنجاز يقوم بها في مشروعه الفني، وغالبًا ما يكون المُعطي للتعليقات هنا أحد المقرّبين الذين يغلب عليهم صفتين أو إحداها: المجاملة.. أو عدم فِهمه لفن الفنان. وغالبًا ما يكون هذا الفنان مبتدأ في عمله من الأساس.

    صنف آخر يتميز (بالشطحان) في أعماله الفنية، وهو مستعد أصلًا قبل الشروع في العمل لتقبّل الانتقاد، بل يتغذا عليه. ولا يستاء كثيرًا من وجوده في حياته، بل يملك لياقة ذهنية عالية تجعل قابليته شديدة المرونة للدخول في صراعات بيزنطية. وهذا صنف نادر حسب اطلاعي.

    ورغم أن هناك العديد من التصنيفات غير المذكورة، إلا أنني أود أن أتطرق إلى الصنف (ربما الأكثر شيوعًا) وأعتبر نفسي أحدهم. وهو صنف غير المتأكدين من عملهم وغير الواثقين من إنجازهم والمفتخرين كثيرًا مع كل نقطة مدح.

    هذا الصنف الذي يقع عليه قول الإمام علي «ينعقون مع كل ناعق ويميلون مع كل ريح».

    الفنون بشكل عام تحتاج لمثابرة وانضباط مستمرين، وقد تطرقت بإسهاب عن هذا المفهوم في كتابي الأول (ثورة الفن: كيف يعمل الفنان وكيف يعمل الآخرون) ويعيب الفنون انخراط الحِس العاطفي مع العملي فيها بشكل كبير، فإن كان الفنان محبطًا فقد ينعكس بسهولة هذا الشعور على أعماله، والعكس صحيح.

    أكبر تحدٍ يواجه الفنان من وجهة نظري هو محاولة إقناع نفسه بضرورة الالتزام بالعمل على القطعة الفنية التالية، مهما كانت نتائج ما سبق. يجب على الفنان أن يخبر نفسه طيلة الوقت أنه سيقوم اليوم لاستكمال عمله الفني الحالي.. ثم يقون بنفس الشيء اليوم التالي.. واليوم الذي يليه.

    وإن كان عمله الفني السابق سيء، فيجب أن يقنع نفسه بأن القطعة الفنية التالية ستكون أفضل، وإن كانت رائعة وأعجبت المتلقيين لها.. فهذا أمر جيد، إذًا عليه أن يكرره.

    هذا التحدِ الكبير الذي يواجه الفنان لا يدور أبدًا حول جودة العمل، إنما مرحلة تسبق موضوع الجودة؛ أسميها محاولة الإخلاص في العمل. أو كما تقول الكاتبة دوروثي باركر في حِرفتها «الكتابة.. هي فن وضع المؤخرة على الكرسي».

    الإخلاص في العمل هو استحضار جدية الفن الذي يعمل فيه الفنان، وجدية المتلقي وصرف أكبر قدر من المجهود أثناء العمل، وليس كما يفعله الكثيرين.. في صرف المجهود الأكبر في التسويق للعمل عوضًا عن العمل نفسه.

    أحاول في كتاباتي أن أخرج بأفضل ما يمكن الخروج به، ليس ادعاءً للكمال بقدر حِرصي على احترام القارئ الكريم، فليست مشكلته إن لم أستطع إيجاد مصمم محترف لأغلفة كُتبي، وليس من اللائق أن أكتب له عن العديد من الأمور المفاهيمية والعلمية دون ذِكر المصادر.

    المعادلة الفنية ببساطة: هي الإخلاص في العمل، ومحاولة الاستمرار عليه دون توقف. أما النتائج فليست مسؤولية الفنان أبدًا.. أكرر.. ليست مسؤولية الفنان أبدًا.

    عن الانتقاد:

    كتبت القارئة والمدونة «ستاشيا كين» على مدونتها مقالة جميلة عن حالة تتبُّع الكُتاب للتعليقات ولخّصت النقطة الأهم بقولها: «أيها الكُتّاب، التعليقات عن الكُتب ليست لكم.. التعليقات عن الكُتب ليست لكم!».

    وفي تدوينة عميقة كتبت «شاونتا جريمز» واصفةً ما ننشره في حياتنا بالدرس الذي يجب أن نتعلمه: «عند إصدار عملك سواءً كان كتاب، وثائقي، تغريدة، أو عرض تقديمي تنشره على لينكداين – لم يعد يصبح بعدها ما نشرته ملكًا لك. فقد أصبح ملكًا للمتلقي». هذا الدرس على بساطته وسطحيته، لم أكن مستوعبًا له سابقًا، ولم أراه بهذا الشكل.. ولكنني أجده حقيقة مطلقة مع الأسف. فإن كنت لا أستطيع أن أتقبّل فكرة أن منشوراتي أو أعمالي معرضة للتجريح من الجميع (وبالأخص أصحاب الشخصيات الوهمية على مختلف التواصل الاجتماعي) فإنني هنا أمام خيارين الأولى: عدم الظهور من الأساس، أو الثاني: عدم الحِرص على الاطلاع على الردود والتعليقات كما تفعل إليزيبيث جيلبيرت.

    التعليقات السلبية لعامة الفنانين تصيبهم في مقتل.. فهي جارحة جدًا، حتى وإن كانت موضوعية.

    شخصيًا كنت لا أنام الليل عندما يمر عليَ تعليق سلبي على Goodreads تجاه أحد كتبي، حتى توقفت تمامًا عن متابعة التعليقات هناك. (أو شبه تمامًا لأكون صادقًا). توقفت عن المتابعة لأنني اهتم.

    وقد يقول قائل أنني أبالغ في ردة فعلي، ولكنني أرجح أن سبب التأثر الكبير عائد لحجم المجهود المبذول والتوقعات في الضفة الأخرى.

    حزمة التعليقات الإيجابية تشعرني بالطمأنينة، تنكسر هذه الطمأنينة بتعليق واحد سلبي فقط، وفكرة هذا التعليق الوحيد هي التي جعلت أحد أشهر وأنجح كُتاب القرن العشرين «ايرنيست هيمينجواي» يكره النقاد، ويبالغ في الشكوى منهم في رسائله وفضفضاته لأصدقائه.

    مهمة الفنان -أو الكاتب في حالتي- يجب أن تنصب على شيء واحد: وهو الاستمرارية في العمل، فالفنان بالكاد يدفع نفسه ليجعل فنه أحد الأولويات في حياته إلى جانب عائلته والأمور الأخرى التي تجلب له المال.. الفنان بالكاد يقنع نفسه أنه يسير على الطريق الصحيح في حياته.. بالكاد يحارب ليقنع من حوله أنه لا يضيع وقته.. وبالكاد يبحث عما يواسيه في خلوته مع فنونه. وفي وسط زحام كل هذه المشاعر السلبية، لا يجب أن يكون هناك مكان للانتقاد.. بكل صراحة.

    لا أود أن أعطي ذلك الانطباع السلبي إن قلت إنني منذ زمن كبير ألغيت خانة التعليقات على مقالاتي التي كنت دومًا أحاول أن أجتهد في إنجازها، بدلاً من انتظار تعليقات سلبية أو إيجابية تعطيني أحاسيسًا مؤقتة لا تخدم الهدف الأكبر في الاستمرارية والعمل الدؤوب. وربما يحق لي اليوم الاعتراف بأنني عندما أقابل شخص يشرع في انتقاد أي كتاب كتبته فإنني أتهيأ لحالة إدخال الكلام من أذن وإخراجه من الأذن الأخرى مع هزة رأس مستمرة تقديرًا لصاحب الكلام (أستثني هنا الاختلافات الفكرية الدقيقة عن محتوى الكتاب التي تحتاج إلى شرح).

    والانتقادات بعمومها إن كانت جدية بما يكفي، ستعرف كيف تصل إليك.. من خلال الإيميل، أو من خلال لقاء أو عن طريق صديق. أما التعليقات والانتقادات السطحية، فتظل وقتية لا يأبه صاحبها بإعطائها لك في الوقت الذي قد تؤثر فيك كفنان بشكل كبير.

    أود أن ألخص هذه المقالة في جملة واحدة «احمِ نفسك من التعليقات (أو الانتقادات)» فهي بالفعل لن تضيف لك بقدر ضررها عليك.

    وإن كان هناك طريقة واحدة.. واحدة فقط أشجعها في شأن الانتقاد. فهي كالتالي:

    ١. عند الانتهاء من إنجازك لأي عمل وقبل خروجه للعامة، قم باختيار عشر أشخاص تثق جدًا في رأيهم، اعطهم عملك واطلب منهم بكل رحابة صدر أن ينتقدوه.. وانصت لهم بعناية فائقة. فكل شيء قابل للتعديل قبل الخروج للعامة.

    ٢. عدّل ما يمكن لك تعديله من انتقادات.

    ٣. انشر العمل واقفل أُذنك للانتقاد.

    [خطوة إضافية غير مهمة]: إن شككت.. أعد الخطوة الأولى.

    وكان الله في عون الجميع.

  • الكلمة الأولى هي الأصح

    كثيرًا ما كان يشجع الكاتب راي برادبوري تقنية الإسراع في الكتابة، لظنه أن الحدس هو من يكتب عوضًا عنّا.

    وهنا أجد أنه في محاولتك للتعبير عن أي شيء وأيًا كانت الوسيلة، فإن الكلمة الأولى التي تأتي في عقلك على الأغلب هي الكلمة الصحيحة للتعبير عنك. يستطيع من يمارس الكتابة المنتظمة استشعار هذا الأمر بعد مدة، ويعزز هذا الرأي الروائي الكبير ستيفن كينج في كتابه الشهير «عن الكتابة».

    ذلك لأن التعبير المباشر من العقل إلى الورقة أو اللسان هو انعكاس لما نفكر به لحظتها؛ وحينما يتوقف الإنسان للبحث عن كلمة مناسبة فهو بذلك يحاول أن يرسم الكلمة عوضًا عن الاكتفاء بقولها.

    وبالطبع ليس هناك عيب هنا؛ إلا أنني من المدرسة التي تُشجع قول الحقيقة بشكل مباشر دون أي محاولات رسم، ولو أن هذا الأمر بالغ الصعوبة إن أخذنا في الحُسبان مشاعر الأخرين والطريقة الأنسب التي يجب علينا اتباعها للتعبير، في محاكاة للاقتباس الأجنبي المعروف «ليس مهم ما تقوله، إنما المهم كيف تقوله».

    القراءة المستمرة والاطلاع الغزير على المفردات الجديدة تساعد على جعل الكلمة الأولى في العقل هي الأصح، عوضًا عن كونها صحيحة للتعبير.

    وربما أجد أن خلاصة القول لا تخرج عن أهمية الانتباه للكلمات الأولى التي تأتي في الذهن.

    الكلمة الأولى لا تخونك.

    كان الله في عون الجميع.

  • الحياة السعيدة: في اختيار الألم المناسب

    النقاش عن السعادة من أبسط وأعقد المواضيع، سبب التعقيد هو أن كل إنسان في هذا العالم يرى السعادة من منظور مختلف، ويرى أسبابها ومعطّلاتها أيضًا بشكل مختلف؛ أما البساطة فيها: فهي إمكانية استشعارها، فالإحساس بالسعادة بشكل مجرّد شبه متقارب عند الجميع.

    أود التذكير بأن السعادة مختلفة عن «الاستمتاع». فالأخيرة مؤقتة ومرتبطة بظرفي الزمان والمكان، أم السعادة فهي رحلة (أو جزء من رحلة). وهي ما أود التحدث عنه.

    تدفع مدرسة العالم النفساني المعروف «ڤيكتور فرانكل» إلى ضرورة البحث عن حياة «ذات معنى» أكثر من الحرص على السعادة، لأن (السعادة) شديدة التغير والتذبذب، أما المعنى فيبقى للإنسان سواءً كان سعيدًا أم تعيسًا، وهناك طُرق كثيرة لبحث الإنسان عن المعنى في حياته.

    ومن باب التوضيح: أخترت مثلًا أن تكون لحياتي العملية معنى من خلال ممارسة الكتابة بشكل منتظم وتغيير شيئًا ما في حياة شخصٍ ما من خلالها. ولن يكون لها معنى دون الاستمرار في الكتابة.

    وللدخول إلى عنوان المقالة اليوم، يرى الأخ الكريم «مارك مانسون» أن الحياة السعيدة يجب أن ترتبط ارتباطًا وثيقًا في اختيار الإنسان لنفسه عن أفضل ألم يتحمله ويرغب أن يعيش معه لبقية العمر.

    فعندما يقرر شخص ما أنه يريد أن يصبح لاعب جولف أو مُلحن، دون أن يقبل الألم المصاحب لهذا القرار كالتدريب والصبر والسفر ومعاشرة زملاء المهنة والتواصل الكبير مع المدربين، فسيتحول القرار بعد مدة إلى مضيعة للوقت وإهدار مباشر للجهود.

    وفي المقابل، عندما يريد أي إنسان أن يصبح كاتبًا مثلًا، فإن الألم المصاحب لهذا الاختيار هو الجلوس لساعات الطويلة على شاشة الكمبيوتر ليكتب بعيدًا عن الناس، مع تقبّل وسعة صدر كبيرة للانتقاد، إضافة إلى المحاولة المستميتة للاستمرار في الكتابة وعدم الانقطاع عن القراءة، وطبعًا الابتعاد عن الطموحات المالية الكبيرة.

    هذه العناصر لا يستطيع الإنسان الذي لا يحب الكتابة ولا يحب ألمها أن ينجح فيها. فالكثيرين يرغبون في أن يكونوا مغنيين، وطبّاخين محترفين وكُتّاب وتجار.. ولكن القليلين من يُحبِبوا أنفسهم للألم المصاحب لهذه الأمنيات. أو كما قال إسحاق آسيموڤ واصفًا طموح الكتابة «يجب أن تُغرم في الكتابة، وليس الكتاب بصورته النهائية» وهذا صحيح.

    أجد أن اختيار الألم المناسب يمكن إسقاطه على جميع جوانب الحياة، فهناك الحِرمان من الصحة مع فرحة الأكل المضر المستمر، وهناك ألم حِرمان من الوجبات السريعة مقابل الحصول على صحة أفضل.. ويبقى السؤال الأهم في هذه المعادلة: أي ألم ستختار؟

    قبل فترة، كان لي شرف الحصول على فرصة الانضمام إلى فريق عمل مهم براتب مُجزٍ جدًا (يفوق ما أجنيه حاليًا بأربعة أضعاف)، وكان الألم المصاحب لهذا القرار إن قررته: هو التخلي عن حريتي في العمل الخاص وفي التنقل والإجازات مع إنقاص ساعات الكتابة خلال اليوم، وعدم القدرة على زيارة أسرتي في فلوريدا. وفي المقابل.. الحصول على مال وفير. وفي الحقيقة، لم يكن الألم مناسبًا بكل صراحة.. فالحرية والتنقل والكتابة مقابل ألم التخلي عن بعض المال الوفير كان يمثل ألمًا مقبول جدًا.

    رحلة البحث عن الألم لا تبدأ من الأحلام والطموحات الشخصية، بل تبدأ حسب فهمي من شكل اليوم.. يومًا بيوم. وجدت ربما أن الوسيلة الأفضل للاقتراب من حياة سعيدة ذات ألم مقبول، هو بتخيُّل الإنسان لشكل يومه. وكل يوم.

    في تجربتي، ألم الكتابة هو الانقطاع التام عن الآخرين معظم الصباحات حتى وقت الظهيرة.. لبقية حياتي. والسؤال هنا: هل هذا الأمر مقبول بالنسبة لي؟ نعم، مقبول. للآخرين؟ لا أعلم ولا يهم بكل صراحة.

    إحدى آلام الكتابة الأخرى هي الانتقاد، وعدم توقع النتائج لما تم كتابته. هل هناك مشكلة في التعايش مع هذه الآلام؟ لا، لا توجد لدي مشكلة.

    وهكذا.. أخترت آلام الكتابة لأعيش معها.

    اختيار الألم، يجب أن يقارن بشكل دقيق بين الألم الحالي والألم الموجود في الضفة الأخرى، والبحث عن إجابة السؤال: أيهما أقرب إلى قلبي؟

    في استقالتك من الوظيفة لممارسة نشاطك الخاص، هناك ألم التحديات المالية وعدم وجود الأمان في حياتك.. والسؤال هنا: هل لديك مانع؟ إذا كنت من الأشخاص غير المستعدين للتعامل مع ألم نقص المال، فيجب أن تتوقف لاستجواب الآلام المحتملة.

    فكرة الخروج من منزل الأهل لتعيشي وحدِك يصاحبها أحد ألمين: ألم فقدان الدعم، مقابل الحرية أو الحرية مقابل ألم تحمل المسؤولية بشكل مطلق.

    يسهُل اختيار قرار الألم هنا عندما نتخيل شكل حياتنا يومًا بيوم، ومنها للمستقبل مع طموحاته.

    فكرة اختيار الألم المناسب فكرة عبقرية من وجهة نظري للبحث عن سُبل للعيش في هذه الحياة، لأن الناس ببساطة اعتادت عن البحث عن المزيد من كل شيء دون السؤال عن الألم الذي المُتطَلب لجلب هذه الأشياء، ودون التساؤل عن أهميتها وربطها بمعنى حقيقي للحياة.

    الكثيرين يرغبون أن تصبح أجسامهم أقوى، وشكلهم أفضل، وشهرتهم أكبر. الكثيرين يريدون أن يكونوا أباءًا أفضل ويمتلكون ثروات ومقتنيات أثمن. لكن لا أحد يرغب أن ينظر إلى الألم المصاحب لكل تلك الأشياء. هم يريدونها فقط.

    البحث عن الألم المناسب لنا، يقودنا لإجابات أكثر وضوح لما نريده بالفعل في حياتنا. لأنه وفي المقابل عندما نبحث عن المزيد من أشياء كثيرة؛ فإن الخيارات تصبح لا محدودة، ونميل فيها للبحث عن كل ما هو متوفر في هذا الكون وصالح للاقتناء دون الانتباه لما يمكن أن نضحي به من وقت وألم.

    اختيار الألم المناسب لكل يوم، الخطوة المنطقية في نظري، ومنها لحياة أفضل.

    ترددت في الكتابة عن هذا المفهوم، نظرًا لتأثري به مؤخرًا ورغبتي الجامحة في التحدث عن فكرته طيلة الوقت ومع كل شخص أقابله. فعندم تستمر الأفكار في القفزان داخل العقل، وتظل ترمي بنفسها أمام طاولة الجلوس مع الأصدقاء، فهي تقول لصاحبها: أخرجني من عقلك. وها أنا أرمي بها لقارئي العزيز الآن.

    كان الله في عون الجميع.

  • اتصال المصلحة

    لا أعترف باتصال المصلحة، فلا يتصل بك إلا من احتاج لك، وطبيعة الإنسان تقوده دومًا لتقبّل شعور أنه مرغوب من الآخرين حتى وإن كان لمصلحة.

    كل الفرق ينحصر داخل دائرة الرصيد الذي بنيته مع الآخرين؛ فإن كنت مهذبًا ولطيفًا وأبديت رغبتك المستمرة لخدمتهم فسيسعدون بك، وسيُسعد أبناءك بخدمة الآخرين لهم من أجلك. وإن كنت العكس، فردة الفعل تتماشى معها.

    البارحة تناولت العشاء مع صديقين في أحد المطاعم، التي فاجأنا مالكه بدفع الحساب وفاءً لعلاقته بوالد أحد الصديقين، ليعيد أكثر من ثلاث مرات لصديقي «أرجوك، سلّم لي على والدك كثيرًا».

    والد صديقي (الكابتن سالم باقادر) لا يُعرف عنه سوى أمرين: معاشرته المحببة لقلب لكل من حوله، وحرصه على خدمة الآخرين دون انتظار المقابل.

    هذا اللطف طال أبناءه.. وأصدقاء أبناءه.

    اللطف، يجعل منّا كمتصلين ومستقبلين للاتصال دومًا في دائرة من لا نخشى أن نخدمهم ونطلب منهم المساعدة.

    كان الله في عون الجميع.

  • هل تتذكر الأمور المستعجلة؟

    عام ٢٠٠٨م، كانت السنة الأولى لي في تأسيس أول مشروع خاص عملت عليه. أتذكر الآن في أحد الأيام الوقت الطويل الذي صرفته على العمل في مُهمة ما، اضطرتني للبقاء إلى الساعة العاشرة ليلًا في المكتب. كان يومًا شديد الإرهاق، وكنّا نمر بأزمة ما. مستوى الضيق كان مرتفع، وهذا الجهد الذي جعلني أبقى حتى الليل في المكتب كان يشعرني بشكل ما بالرضى، لأنني أمام نفسي أُمثل صورة الشاب الطموح المجتهد.

    وحتى وقت قريب، كنت أؤمن أن الحياة تحتاج لجهودٍ استثنائية حارقة لكي ننمو فيها، ونكبر في طموحاتنا، صحيح، ولكن..

    تلك الشركة التي صرفت فيها -ليس تلك الليلة فقط-؛ إنما ليالٍ عديدة متأخرة، وجهودًا كبيرة، أصبحت قصة وانتهت وأُقفلت وفشلت. والتفاصيل.. لا أتذكر منها شيئًا سوى أنني عملت بمجهود كبير في غير مكانه الصحيح.

    معظم شؤون العمل في تلك المرحلة كانت مستعجلة؛ رواتب الموظفين، مشاكل العملاء، إدارة العُمال، مشاكل الرخص الرسمية، واختلاس أحد الموظفين، وغيرها من الظروف التي كانت تقود دفة الحياة. لم أكن مستمتعًا بالعمل، لكنني كنت أشعر بالرضا، وفي كل استجابة وحل لمهام مستعجلة ومرهقة يزيد إحساس الرضا.

    وبعدسة اليوم، وجدت أن الحياة وقتها لم تكن تحتاج لكل هذا الوقت والجهد والسهر. ولا أذكر مرة واحدة عميلًا أو مشروعًا استحق استنزاف الأعصاب والتوتر والحرق.

    الرضى بعدسة اليوم عن ذلك الوقت كان مزيفًا.

    الأمور المستعجلة إن كثرت في حياتنا، تخرجنا عن قيمتنا، نضطر للاستجابة للظروف كالآلات، لاعتقادنا أننا محور الكون.

    والكون في الحقيقة لا يستحق كل هذا الضغط، لأن الحياة ستستمر.

    ولكي ننمو، أعتقد أننا يجب أن نختار دومًا «المهم» قبل «المستعجل». كل يوم، ودون توقف.

    كان الله في عون الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى