الشهر: أبريل 2019

  • نصائح جديدة في السفر: للرحلات الطويلة – مقالة ساخرة

    أحدثكم من «ديڤي» وهي مدينة بالقرب من «ميامي، فلوريد». وسأدخل في الموضوع مباشرًة..

    لا توجد رحلات مباشرة من المملكة لفلوريدا (باستثناء رحلة أورلاندو فترة الصيف). ولذا كان عليَ أن أُفتي في اختياري لهذه الرحلة لكي أؤدي عملي في مدينة ميامي. اخترت الذهاب عبر طيران الخطوط التركية، لأبيت ليلة في إسطنبول وتكون رحلتي في اليوم التالي لميامي.

    أخذت بعض الاحتياطات لتكون هذه الرحلة الطويلة مريحة قدر الإمكان، وكانت كالتالي:

    1. بنطلون أقرب ما يكون لبيجامة.
    2. آيباد وكمبيوتر مليئين بأنواع الترفيه والكُتب المناسبة لي.
    3. دفعت ما يقارب ٨٢٠ ريال إضافية لأحصل على مقعد في الصف الأمامي في الدرجة السياحية وأكسب به بضع سنتيمترات لتمديد الأرجل.
    4. استأجرت سيارة لمدة اثني عشر ساعة في إسطنبول لأمتلك بعض السيطرة على وقتي، وبالطبع في محاولة للتوفير. (المشوار من المطار الجديد إلى البيت ٥٠ دقيقة يُكلف حوالي ١٥٠ ليرة، ذهابًا وإيابًا [٣٠٠ كمجموع]، وتكلفة إيجار السيارة ١٥٠ ليرة تقريبًا ليوم كامل).

    وسأعقّب على النقطة الأخيرة بأن أحكي قصة الفيلم الذي حصل لي.

    عندما أخذت السيارة، حاول مسؤول التأجير إقناعي بدفع ما يقارب ٨٥ ليرة تكلفة تأمين شامل، وهو أمر أقوم به دائمًا لأبتعد عن أي مفاجآت -لا قدر الله- ولسبب أجهله أو ربما لحماقتي؛ رفضت هذا العرض، وهنا تكمن النصيحة الأولى: إيّاك أن تستأجر سيارة دون أن تؤمن تأمينًا شاملًا حتى وإن كلّفك ضعف مبلغ الايجار.

    كنت مقتنعًا أن اثني عشر ساعة بمجموع ثلاث مشاوير على الأغلب، لن يحدث فيها شيء، فقبلها استأجرت في نفس المدينة من نفس المحل سيارة لمدة ٣٥ يوم.

    لكن بالطبع حدث شيء!

    عند إحدى بوابات HGS (وهي شبيهة ببوابات عبور «سالك» في مدينة دبي) كانوا الأحبة الأتراك قد وضعوا الأعمدة العرضية لإيقاف السيارات قبل عبورها، وما حصل باختصار أن هذا العامود الجديد، قد نزل بشكل غير متوقع -بالنسبة ليَ- وهشم زجاج السيارة. وأترك هنا خيال القارئ اللبيب لما حدث. على كل حال كلفني هذا الزجاج ١،٥٠٠ ليرة تقريبًا.

    كان إقلاع رحلتي إلى ميامي بحدود الساعة ٢:٠٠ ظهرًا، ولأن الرحلة كانت في منتصف اليوم، نعم، وكما هو متوقع، كُنت قد صعدت إلى الطائرة وأنا شبعان نوم كما نقول باللهجة العامية، وبعد الإقلاع، أكملت دورتي التدريبية المُحمّلة على الآيباد، وقرأت عشرات الصفحات من كتابي الذي أحمله، وشاهدت حلقة على نيتفليكس، لأنظر إلى الساعة بعدها وأكتشف أن ثلاث ساعات قد ذهبت، والمتبقي فقط عشر ساعات.

    حرفيًا.. كُنت سأبكي في تلك الأثناء، رغم ادعائي المستمر أنني لا أمانع الرحلات الطويلة لاقتناعي أنني من أفضل الشخصيات التي تُتحف نفسها بالقراءة والكتابة وبرامج الترفيه على الطائرة، خصوصًا في عدم وجود أطفال في المحيط.

    كان مجموع ما أغمضته عيني في هذه الرحلة لا يتجاوز ثلاثين دقيقة، وهنا تشكّلت في ذهني النصيحة الثانية: إياك أن تحجز رحلات طويلة في منتصف اليوم، ابحث دائمًا على الرحلات في الفجر أو أواخر الليل، وأشجع هنا -على غير عادتي- بالاستعانة بأدوية أو أي وسائل جدية تساعد على النوم. لأنك ستكون مع الإرهاق غير مُنتِج وغير مستمتع. بل أن المضحك في الموضوع في حالتي، أنني توقعت أن أنجز كتابة ثلاث آلاف كلمة في هذه الرحلة، وبالطبع أنجزت فتح اللابتوب وإغلاقه ثلاث مرات دون أن أكتب حرفًا واحدًا، حتى كاد يظن من بجانبي أنني أعاني من شيء!

    قبل صعودي للطائرة، غامرت بالإفطار في مكان كنت أعرف أنه ليس مكانًا جيدًا للإفطار، وفي تأملي لهذه الخطوة تحديدًا اكتشفت أن الحماقة قد تستوقف صاحبها أحيانًا لتقنعه أنه يجب أن يبذل في المرة القادمة المزيد من الجهد ليفكر خطوتين للأمام عوضًا عن التركيز على اللحظات اللحظية. على كل حال، صعدت الطائرة وأنا شبه جائع، لأقرر انتظار وجبة الغداء. مشى الحال، وتغديت.. لكن المشكلة كانت قد ظهرت بعد مضي عشر ساعات عندما نزل عليَ جوع لم أستوعبه أبدًا!.. فجأة أصبحت إنسانًا لم يأكل منذ أسبوع!

    ذهبت للمضيفة لأشكي لها عن هذه المجاعة، لتعتذر بلطف وتخبرني أن «السناكس» قد فرغت ولا يوجد متبقٍ منها، وربما سيقدمون شيئًا يكاد يكون وجبة قبل الهبوط بساعة. وعند عودتي إلى المقعد، اكتشفت أن الأخ الذي بجانبي قد قرأ أفكاري، ليُخرِج كيس «شيبس» ويبدأ في تناوله (دون أن يُضيفني)؛ بل أن المثير في الموضوع أنه استيقظ فجأة من نومه.. تناول الشيبس.. وعاد للنوم مرة أخرى.. وأنا أتأمله وأشعر لأول مرة في حياتي بإحساس صادق بالحسد.. يا للهول!

    وهنا ربما يجدر بي أن أقترح على القارئ الخبير مثلي نصيحة ثالثة: إياك أن تصعد إلى رحلة طويلة دون أن تأخذ معك وجبة أو وجبتين أو سناك.

    حاولت أن أُلطّف تأثير هذه الرحلة على نفسي، لأنني سأكون موعودًا بتكرارها خلال الأشهر القادمة، وحرصي على مشاركة هذه النصائح غير التعبير عن الذات طبعًا، هو التأكد من ترسيخ هذه المعلومات في عقلي الباطن، فلا يجب على الإنسان الفطن أن يكرر أخطاءه.

  • الخريطة والبوصلة

    وظيفة الخريطة هي أن توصلك إلى النقطة «ب» ووظيفة البوصلة أن تخبرك عن اتجاه ما تريد الوصول إليه، دون أن تعطيك تفاصيل الطريق، ودون أن تنبئك عمّا سيأتي أمامك.

    يعتقد الكثيرين منّا أنهم يسيرون على الخريطة، لتقودهم الأيام بالاستعانة دومًا بالبوصلة. البوصلة هي الحدس والشغف وتوقع القليل وعدم انتظار مقابل مباشر وتأخير الفرحة لوقتٍ آخر.

    تعتمد الخريطة على العقل والحواس.. وتعتمد البوصلة على القلب.

    تظل تحاول مع استخدام البوصلة أن تقنع نفسك وكل من حولك طيلة الوقت أنك تسير على الطريق الصحيح، أمّا الخريطة لا تحتاج إقناع.. تحتاج لبعض التذكير.

    تعلمت أن امتلاكنا لعينين يجب أن يقودنا بأن تكون إحداها على الخريطة، والأخرى على البوصلة.

  • هل حقًا نعرف ما سيؤثر على الآخرين في أعمالنا؟

    أذكر عندما بدأت حياتي الكتابية قبل سنوات، كُنت حريصًا على متابعة تأثير وانتشار كل مقالة أكتبها من خلال أرقام منصة WordPress، حيث يظهر لي عدد الذين فتحوا وقرأوا كل مقالة، ومقرهم في العالم، بل ويظهر لي الجهاز الذي تم قراءة كل مقالة منه، لابتوب، أندرويد أو آيفون إلخ. وسرعان ما قررت أن أتخلص من هذا السلوك السيء، والذي يشعرني أحيانًا بالغبطة وأحيانًا بالحزن على حجم تعاون القراء القليل نسبيًا آنذاك. حتى انقطعت تمامًا من متابعة عدد القراء، إضافةً لحذفي خانة التعليقات، وللأمر الأخير قصة سأذكرها في مناسبة لاحقة.
    أتذكر أربع مقالات مطوّلة كتبتها، كانت إحداها قد استنزفتني أكثر من أربع ساعات ما بين بحث وتقصي معلوماتها وبين كتابتها لطولها. وقد أصابني وقتها نوعٌ من الإحباط لعدم وجود تفاعل حقيقي مقابل المجهود الذي بُذِل من أجلها.
    شاهدي كان حول مقالة أخرى في نفس الفترة، كان قد استغرقت كتابتها أربع دقائق فقط (من خلال الجوال). وعندما نشرتها، كانت ذات تأثير استثنائي، بل أن أحد الأصدقاء كان قد اتصل عليَ خصيصًا ليشكرني على مقالة ذلك اليوم، والتي استعجلت فيها لأنني كُنت أقترب من الموعد الذي وضعته على نفسي في ساعة نشر المقالات اليومية.
    مقالة الأربعة دقائق كانت ذات تأثير قوي، ومقالة الأربع ساعات لم يعطها أحدٌ وجه.
    كان موضوع مقالة الأربع ساعات مهم بالنسبة لي جدًا، وموضوع مقالة الأربع دقائق كان مهمًا أكثر للمتلقيين، مما جعلها تنتشر انتشارًا كبير خلال وقت بسيط.
    تعلمت الدرس الأهم من حسن الحظ وقتها، أن الاستمرارية في المزيد من الإنتاج هو الذي يصنع التأثير، فلا يعرف الفنان أي لحنٍ لحّنه سيؤثر أو سيُغير. لكنه يعرف تمامًا أن يملك فرصة كل يوم ليضيف شيئًا جديد لحياة الآخرين.
    أحيانًا الفكرة تكون أهم من المجهود، وأحيانًا العكس. وفي كل الحالات، ما يهم هو الاستمرار.

  • كلمة.. جملة.. صفحة.. كتاب

    … أو كما قال الكاتب ستيفن كينج، تتحول الكلمة لجملة، ثم لقطعة ثم لصفحة ثم تنتهي على شكل كتاب.

    يتفاجأ الإنسان من قدرته على التخيُل ومقدار ما يملك من تعبير داخله عندما يحاول أن يقول شيًء ما أمام شاشته على الكمبيوتر. أتفاجئ من نفسي كل يوم في الحقيقة.

    مثل ذلك الملحن.. عندما يجلس مع نفسه ليريد التعبير عمّا بداخله في لحنه الجديد. وأيضًا الرسّام، والمخترع، الذي يبحث عن حل معضلة ما في هذا العالم.

    يبدأ الأمر بفكرة.. ثم فكرة مطولة.. ثم مشروع.. ثم ينتهي كقطعة فنية. هذه العملية تُسمى «فن».

    الأغلبية لا يودون الجلوس مع أنفسهم ليقلبوا أفكارهم.. العامة يبحثون عن تلقي المزيد من الأوامر. فالإنصات لأوامر الآخرين أسهل من الإنصات لأنفسنا.

    الفكرة دائمًا موجودة، كما يوجد الكسل معها.

    الفكرة تستدعي أحيانًا بعضًا من المثابرة وعدم الخوف، لتُصبح في نهاية المطاف قطعة فنية.

    الفنان هو من يعيش على تكرار السطر السابق.

    العامة، من يعيشون على قرارات يومية أسهل من السطر قبل السابق.

    لا عيب فيهم كلهم.. لكن العيب عندما نعلم أن لأفكارنا قيمة، ونقرر أن نختار الطريق الأسهل دومًا.

  • لماذا نُقدِّر جهودنا أكثر من جهود شريكنا؟

    «لماذا يكون حجم المجهود الذي نبذله دومًا أكثر من ١٠٠٪؟ لأنه دائمًا ما يكون أكثر وضوحًا لنا. دائمًا ما نرى تفاصيل الأعمال التي نقوم بها عن كثب؛ لكننا في المقابل لا نرى التفاصيل التي يقوم بها شريكنا (في العمل أو في المنزل). الوضوح في حياتنا غير متناسق.

    إذا قمنا بتنظيف الأرضيات، سنلاحظ كم هي نظيفة بعدها، سيظهر لنا حجم المجهود الذي بذلناه، لكن إن قام أحدٌ غيرنا بذلك، قد لا نلاحظ أن الأرض أصبحت أنظف من ذي قبل. نسترجع بعدما نقوم بهذا العمل قيامنا برفع سطل الغسيل،  والتنظيف باستخدام الكرّافة خطوةً بخطوة، لكننا لا نرى أن شريكنا قد قام بذات الأمر إن قام به. حتى أن هذه الحالة تنطبق على غسيلنا للصحون أو حينما نضعها داخل الغسّآلة قطعة قطعة. إذًا، هل من المعقول أن نقول بعمل عرض «برزنتيشن» لشركائنا كل شهر نستعرض فيه جهودنا ليقدّرونا؟ أو نقوم (مثلاً) باستعراض الفواتير التي دفعناها للبيت؟.. أم أننا يجب أن نركز على عُمق العلاقة بشكل مستمر، لتكون بالفعل قيمتنا أكبر أمام شريكنا…»

    كان هذا الاقتباس -المترجم- من كتاب Dollars and Sense للكاتب Dan Ariely وزميله Jeff Kreisler والذي تحدثوا فيه عن منطق العامة وأحاسيسهم تجاه المال. إلا أن هذه الفقرة (بعيدًا عن موضوع الكتاب) بالتحديد كانت قد استوقفتني فيما يتعلق بتقدير مجهوداتنا مقابل شركائنا. يميل أحد الشركاء دومًا إلى تقدير جهوده أكثر، لأنها ببساطة كانت أوضح له، وهذا ما يُنتج دومًا جدلًا لا ينتهي عند أي اختلافات تظهر على السطح بين شركاء المنزل وشركاء العمل. فتجد أحدهم يستعرض تضحياته وأتعابه التي صرف عمره عليها، في مقابل عدم قدرته على الإنصات للجهود المبذولة (ربما بنفس المقدار) من الطرف الآخر، والعكس صحيح.

    تأتي قيمة التقدير واستشعار جهود الآخرين هنا كأولوية لاستمرار الحياة بسلام، فمثلما نستطيع أن نرى جهودنا الصغيرة والكثيرة والمتناثرة، وجدت أنه من الأجدى أن نتبنى نفس هذه الرؤية لرؤية نفس الكم من الجهود المصروفة من قِبل الآخرين.

    هذا الأمر لا ينطبق على الشريك وحسب، بل على الكثير من الآخرين حولنا..

    مثلًا، لا أُنكر أبدًا أنني شخصيًا احتجت لبعض الوقت لتقدير جهود عاملتنا المنزلية القديرة (رُقية) والتي دائمًا ما أقول لزوجتي عنها تعبيرًا عن إعجابي وتقديري لما تقوم به في البيت، أنني أُفكِّر بأن أضعها في وصيتي ضمن الورثة. وكان السبب خلف هذا التقدير أنني التزمت بإدارة شؤون المنزل لفترة بسيطة مع رعاية بناتي لوحدي، وبالفعل كان هذا الأمر غاية في الصعوبة، رغم أنني لم أجدها ولو لمرة واحدة تشتكي. عكس ما قمت به من إمطار زوجتي بحجم شكاوى وتعبيرات حانقة بمجرد قيامي بعمل مجهد يتيم لبضعة أيام نظرًا لسفرها. والتي كانت هي الأخرى تتولى شؤون المنزل لسنوات قبلها.

    عندما أتطرق دومًا لقياس الجهود، تقودني تلك الفكرة التي تقول بأن واقع الحياة يتطلب بطبيعة الحال الكثير من الجهود المستمرة وغير المنقطعة، ودون وجود هذه الجهود ستصبح الحياة دون طعم أو هدف. فعندما أقوم بتنظيف أرضية المنزل أو عندما أقوم بكتابة كتابٍ ما، فهناك قيمة خلفه تجعلني أبحث عن المزيد من التقدّم، بغض النظر عن أهمية العمل نفسه. فبالتأكيد أود أن يجلسوا بناتي على أرضية نظيفة، وبالتأكيد أود أن أُغير الآخرين من خلال استعراض أفكاري لهم من خلال حِرفة الكتابة، دون انتظار التقدير من أحد (على الأقل بشكلٍ مباشر).

    ما يمكن الخروج به من فكرة المقالة في نظري يتلخص في كلمتين: الاستشعار والتقدير. ودونهما لا يمكن لنا إلا رؤية ما نقوم به نحن، وكأن الآخرين خُلقوا بديهيًا لخدمتنا.

    صحيح أن استشعار أتعاب الآخرين قد لا يكون بنفس الدقة في بيئة العمل، إلا أن السؤال التقليدي الأهم الذي يجب أن يُسأل تجاه تبرير أتعابنا أمام زملاءنا ورؤساءنا هو: هل تستطيع العيش من دوني في العمل؟ وإن كانت الإجابة نعم، فالأفضل للجميع أن أبحث عن مكانٍ آخر أصرف فيه تعبي ومجهودي، عوضًا عن البحث عن التقدير.

زر الذهاب إلى الأعلى