الشهر: مايو 2020

  • لا تصدق كل من يستشهد بأيام زمان

    أحتفظ مع والدي بالكثير من المواقف الطريفة غير المقصودة من جهته، و ها هي إحداها:

    في إحدى المشاوير، وهو يسهب بحكايته عن إحدى المقابلات التلفزيونية التي شاهدها مؤخرًا وهي تستضيف رجلًا ما – كان على ما يبدو كبيرًا في السن – وهو يستذكر أيام الطيبين وبركة الوقت وبساطة الناس والحياة، والحب والجيران والمنزل الصغير والذكريات اللطيفة وغيرها، وبعدما انتهى والدي من وصف ذلك الضيف في البرنامج، قام بإعطائي صاعقة على هيئة تعليق.

    قال حرفيًا «ايش الكلام الفاضي هذا!».

    ولأختصر التخمين وأفهِمُك بعضًا عن عقلية والدي.. هو من فئة الرجال الذين لا يملكون الكثير من التعلق بالماضي وأيام الطيبين – في المدينة المنورة – قبل أكثر من ستين عامًَا، يتحدث دائمًا عن إجازة الصيف القادمة وجدول السفر، يحرص على أن يتأنق في جميع المناسبات، وهو منضبط في صبغ شاربه وشعره، وهو إنسان صحي في عاداته ونومه منذ أكثر من خمسين عامًا، لا يمكن لك أن تراه وهو يخبص في أكله أو في جدوله. ولا يسافر أبدًا دون أن يرتدي بدلة رسمية وكرفتة، أو أن يحضر مناسبة زواج أو لقاء رسمي دون أن يكون المشلح (البشت) في يده.. يركز على مستقبله أكثر بكثير من مدح الماضي. هو في السبعينيات من عمره، يحب أن يعيش حياته (بارك الله في عمره) أكثر ممن هم في عمره.

    الشاهد.. كان تعليقه تهكمي على ذلك الشايب الممتدح لماضيه وللأيام الجميلة، وهذا ما أشعرني قليلًا بالغرابة، لأنه ببساطة عبّر عن عكس القناعة السائدة لمن هم في سنه. وأضاف فيما معناه «هذا الأخ يمتدح أيام زمان والماضي، وكيف كان الواحد يذهب إلى مشاويره فوق الحمار، وبالكاد توجد كهرباء في المدينة، جودة الحياة سيئة، والتطور شبه مفقود، والفقر هو السمة الأكبر. كنت أذاكر على الفانوس في سطح منزلنا، والحشرات تملأ المكان.. كيف بنا أن نستشعر الجمال في تلك الأيام ونحن نعيش أجمل الأيام؟ اليوم أحجز رحلتي وألُف العالم من خلال الهاتف.. المستشفيات والطب أصبحوا أفضل بكثير، والمواد الغذائية أصبحت أجود…» واستمر في استعراض الفروقات الجوهرية في نمط حياة اليوم.

    اختتَم هذه الجولة التعبيرية، بمحاولة إقناعي أن الحياة اليوم أفضل بمئة مرة من الماضي.. بكل عيوبها، ولعل المستقبل يحمل حياة أفضل من اليوم.

    منذ ذلك المشوار، ونظرتي تغيرت تمامًا تجاه الماضي بتفاصيله، فها هو شخص قريب مني قد أتاني من الماضي ليخبرني أن الناس تتعامل معه كمصدر للدراما أكثر منه للتعلم من الأخطاء. ولا أخفي القارئ الكريم أن الجانب المضحك فيما يتعلق أيضًا بوالدي.. أنني أراه من فترة لأخرى يضطر لمجاملة فئة الأحبة المنغمسين في ذِكر مفهوم أيام الطيبين (على غِرار الشايب الكريم في اللقاء التلفزيوني)، مكتفيًا بهز رأسه حين سماعه لمدح الذي أمامه لأيام زمان، دون أن يحاول أن يشرح لهم ما شرحه لي.

    منذ ذلك المشوار، أصبحت أتحسس قليلًا من كلمة «زمان»؛ أكل زمان. جلسة زمان. فول زمان (ولو إنني أعشق هذا المطعم استثناءً). ولا أود أن يؤاخذني القارئ الكريم بهذا الأمر.

    بالطبع، يجب أن نملك إحساس الحنين لبعض الذكريات، وإحساس الفقد للأحبة الذين فارقونا، إلا أنني أحاول التفريق بين التعلق والمدح غير المبرر وبين الحنين الجزئي والبسيط الذي لا يساهم بشلْ حياتنا. ولا أنكر أن هذا التحدي مهم وصعب على الفئة العمرية الأكبر سنًا، لكن ربما ما يشعرني قليلًا بالأمان في هذا الشأن وجود عينة لا بأس بها في حياتي ممن تعدوا السبعين وهم يعيشون حياة كريمة (لا أقصد من الناحية المادية) مستمتعين بيومهم يومًا بيوم.

    شاهدي الآخر، كان الفيديو العظيم والقصير وهو الذي يصب في نفس المفهوم ولكن من زاوية علمية أكثر، الذي شاهدته اليوم وهو من انتاج “Marginal REVOLUTION” والذي استعرض فيه عن آلية «ازدهار البشرية» ومقارنة حالته المعقدة والبسيطة في التطور الهائل الذي حول إمكانية عيش الإنسان من متوسط ثلاثين عامًا قبل مئتي سنة، إلى ثمانين في الولايات المتحدة، وغيرها من الأمور الرائعة التي تشكلت مع هذا الازدهار، وهو أمر في الحقيقة يعزز لكل إنسان طموحه ويرى مستقبلًا أفضل من ماضيه.. ويعزز من ناحية أخرى ما حاول والدي إخباري به.

  • الوقت المخفف للدراسة ربما هو ما نحتاجه

    في أحد الظهريات الحارة عام ٢٠١٥م، كنت قد زُرت جامعة أم القرى في مكة المكرمة لحضور اجتماع، صادف وقتها توقيت اختبارات. أوقفت السيارة في إحدى المواقف العامة التي كانت ممتلئة على عينها قبل انطلاقي مسافة سير عشر دقائق تحت لهيب الشمس إلى المبنى المقصود، وفجأة.. يخرج جيش من الطلاب على هيئة نمل، من عدة قاعات مختلفة، كلهم تقريبًا نفس الهيئة الشكلية مع اختلافات بسيطة. واعتقدت وقتها أن خروج هذا الكم المفزع من الطُلاب في وقت واحد كان بسبب أن القاعات الممتلئة بالاختبارات كانت قد انتهت في نفس اللحظات التي أوقف فيها العبد لله سيارته.

    ولأنني أتيت مبكرًا، توقف للحظات متأملًاً هؤلاء الشباب.. وكل ثانية أقاطع نفسي وأقول «يا الله!.. ما كل هذا العدد؟ من يأكلهم ويشربهم؟ هل كلهم يأخذون مكافأة جامعية؟ كم هي ميزانية بقاءهم على قيد الحياة دون إشغالهم بأعمال ذات دوام جزئي كما يفضل معظم أهالي أبناء الناس؟» وعلى شاكلة هذه الأسئلة.

    قمت بعمل بحث سطحي عن عدد الطلاب في هذه الجامعة وقست عليها المتبقي من الجامعات. علمت أننا نتحدث عن العشرات من الآلاف من الطلاب. منظر خروجهم كان كفيلًا بأن يجعلك تتأمل شيء تسمع عنه ولم تراه بهذا الوضوح. ورغم أنني خريج من جامعة الملك عبدالعزيز – انتساب، إلا أنني لم أفكر في هذا الأمر من قبل بصراحة.

    الشاهد.. ربما أدعو  بعد هذا التأمل البسيط وبعد اطلاعي على مقالة في بلومبيرج عن نفس الشأن والتي أثار كاتبها موضوعًا مهم عنّون به مقالته: «قد يكون الدوام الجزئي للثانوية هو ما يحتاجه الطالب»، وأشدد أن الجامعة تستحق الحصول على نفس هذا التساؤل. بل أن الاقتصادي المعروف تيلر كوين كان قد أسرد مقالة مطولة يعتقد فيها أن الجامعات -بعد الجائحة – ستكون مهمتهم أصعب، عندما نستوعب أن عليهم إعطاء المزيد في مقابل حصولهم على أقل ما يمكن من التكاليف.

    هذا التساؤل العبقري من وجهة نظري يحث المسؤولين إلى التفكير بأن كفاءة التدريس مع الجائحة واستيعاب الأهمية القصوى للوقت عند كل طالب أصبح لا يعادله شيء، حتى وإن كان هذا الشيء هو الجلوس في فصل دراسي أمام مدرس مادة قد يفوقه معظم طلابه ذكاءً. الاقتصادات المتقدمة – سويسرا كمثال – لا يدرس معظم أبنائها في تخصصات جامعية لا يعلمون لا هم ولا أبناءهم لما اختاروها كما تحاول عائلاتنا حتى العام ٢٠٢٠م في دفع أبنائها للقيام بذلك (بالمناسبة.. لدينا شابان في العائلة يدرسون سياحة وفندقة)، بل إن الخبرات والتخصصات النوعية هي التي تستحق التركيز.

    أبحث عن شخص يحوّل النصوص العربية إلى مسودات كيندل وكتب إلكترونية منذ أكثر من عام، ولم أجد. أبحث عن مدقق لغوي ومحرر متطور يستخدم جهاز الماك، وهم شبه نادرين، وهنا قد يسأل سائل «ما بهم خريجو قسم اللغة العربية؟» وأقول إن ثلاث أرباعهم دخلوها كما دخل ولدينا السياحة والفندقة، والربع المتبقي ليس شغوفًا أو ممتلكًا لخبرة حقيقية في التدقيق والتحرير اللغوي، أو بالأحرى لم يدخل إلى هذا القسم بدافع الشغف المحض.

    عمومًا تعقيبًا على كلام تيلور كوهين وتزامنًا مع اكتشاف نوع جديد من الكفاءة مع الجائحة، ربما أشجع شباب الجامعة للتفكير جديًا بالبحث عن وظائف جزئية أكثر من ذي قبل، لأنهم ببساطة قد قادتهم الجائحة لاستيعاب أن الوقت الطويل قبل وبعد الفصول الدراسية من أجل الفصول الدراسية لن يدفعهم إلي النمو مثل الخبرة العملية (حتى وإن كانت مؤقتًا براتب قليل أو دون راتب)، وأكثر من حرصهم على نيل الدرجات. وأنصح في مقابلها الأهل لدفع أبناءهم لذلك.. وفي الحقيقة، ليس لي رسالة للمسؤولين، لأنني أجد وبكل صراحة أن وزارة الموارد البشرية وصندوق تنمية الموارد يؤدون عملهم كما يجب في دفع الجميع لتحقيق أعلى مستويات للسعودة وتمكين المرأة وحفظ حقوق المقيمين. وبالنسبة للشركات، فهي تفضّل ألف مرة تعيين نصف خبرة على صاحب شهادة.

    والله أعلم.

  • مقالة ساخرة: مرواان

    خرجنا آخر الليل من المقهى الشعبي «القمة» في يومٍ ما عام ٢٠٠٥م إن لم تخني الذاكرة، كان برفقتي سليمان ومروان، وهما أصدقاء منذ فترة ليست بالقريبة. يتميز هذا الثنائي بمجموعة صفات غير منتشرة بين أصدقاء الطفولة (لا أعلم إن تغير شيء منها هذه الأيام)، كانت إحدى أهم تلك الصفات بينهما هي كثرة الانقطاعات والزعل المتكرر وسرعة الرضا والعودة لمجريات الصداقة الطبيعية في أوقات قياسية. هم أصدقاء حتى اليوم (ما لم يتصادف توقيت قراءة القارئ الكريم لهذه السطور وهم في مرحلة انقطاع لا قدر الله)، تعرّفت على مهارات جديدة برفقتهم، كمهارة الإصلاح الاجتماعي والصبر، والنقد الدرامي.

    وبخصوص تلك الليلة إليك ما حصل:

    انتهت الليلة، وسنعود إلى منازلنا، ركبت السيارة وركب بجانبي سليمان، شغّلت السيارة واشتغلت معها إحدى أغاني «إمينيم» الصاخبة، أخفضت الصوت، نظرت في الخلف ووجدت مروان كان قد ركب هو الآخر، وعلّق سليمان «نوصل مروان بعدين وصّلني».

     وانطلقنا.

    كانت مسافة الطريق حوالي الربع ساعة من شمال الخط السريع (منطقة المقاهي الشعبية) إلى منزل مروان في حي الزهراء، وعشر دقائق أخرى إلى منزل سليمان في الروضة. ونحن نقترب من منزل مروان، وجدت رسالة جوال من خدمة كانت قد ظهرت حديثًا آنذاك «Call me» مرسلة منه. نظرت في الخلف ووجدته مُنزلًا رأسه وهو ممسكًا بالجوال. فهمت من الرسالة أنه يريد مني أن أكلمه بعد أن أوصل الأخ الذي يجلس بجانبي، فعلى الأغلب قاموا الإثنين بالتخابط في المقهى أو قبلها، وها قد حان دوري لأسمع التفاصيل وأنا في طريقي للبيت.

    اقتربنا أكثر من منزل مروان.. يستقبل سليمان رسالة على جواله «Call me» من مروان. ينظر إلى مرآة الراكب فوق جبينه موجهًا نظرات إلى الخلف «اشبك يا أهبل راسل لي رسالة كلمني؟»، وفجأة..

    مرواااااان!

    وكانت هنا الصاعقة..

    نظرنا سويًة إلى الخلف -ونحن نقف تقريبًا أمام منزله- لنكتشف أنه غير موجود في السيارة معنا أصلًا.

    نظرنا أنا وسليمان إلى بعضنا البعض ونحن في حالة ذهول وصمت. أين اختفى هذا البني آدم؟ رأيناه بأم أعيننا وهو يركب السيارة!

    ماذا حصل؟

    اتصل عليه سليمان بهدوء.. رد مروان. وبدأت أسمع أنا صوته من شدة الصراخ، ضحك سليمان، وقال له.. «طيب طيب الآن نجي ناخدك». ثم عدنا إلى القمة لنأخذه.

    ركب مروان السيارة.. انفلت قليلًا في التهزيء، ثم جاوب على تعليقي عندما أخبرته أنني رأيته وهو قد ركب، فكيف اختفى فجأة؟

    ما حصل في الحقيقة كان مضحكًا فعلاً..

    فتح باب السيارة.. ركب في المقعد الخلفي.. اكتشف أن هناك شيء ما ثقيل تحته، وقرر أن يختصر الطريق ويخرج ليركب من الجهة الأخرى.

    ما سمعته وقتها أن الباب كان قد أُغلِق واعتقدت أنه قد ركب. وعندما نظرت إلى الخلف ووجدته مطأطئ رأسه، في الحقيقة لم أراه.. إنما كان عقلي هو الذي يُخييِل إليَ أنه موجود في الخلف ينظر إلى جواله.

    المضحك في الموضوع أنه حالما أغلق باب السيارة وقبل أن يركب من الجهة الأخرى، قمت بإخراجها من الموقف مباشرة وهو واقف في الخارج يتأمل السيارة ينتظرني حتى أتوقف بعد تعديلها ليركب، إلا أنه تفاجئ أنني انطلقت دون توقف. ليستوعب أنه فجأة أصبح وحيدًا في الشارع، ركض قليلًا خلفنا مع بعض الزعيق لننتظره، لكن أعتقد أننا لم نسمع بسبب اشتغال أغنية إمينيم.

    أوصلت الجميع إلى بيته، واستمر هذا الموقف ضمن أحد أهم المواقف الطريفة في ذاكرتي.

    وانتهت القصة.

زر الذهاب إلى الأعلى