سيكلوجيا الإنسانشؤون اجتماعية

لماذا نهتم برأي الآخرين أكثر من رأينا؟

في الحقيقة نحن لا نهتم برأي الآخرين؛ بل نهتم بنفسياتنا عندما تتفاعل مع رأيهم.

في موقف أُسري بسيط حدث أول أيام العيد، والذي كان يدور حول طريقة لباس إحدى بنات آخواتي وهي في بداية سن المرهقة، والذي كنت ألعب فيه دور المراقب، وسرعان ما تحول إلى جدل بين فريقين. كان الفريق الأول هو الفريق المعترض بشكل سلبي على طريقة واختيار ملابسها، ولأكون أنا ضمن الفريق الاخر الذي يرى أن لها الحرية في اختيار ما تريد أن تلبسه (مع التأكيد أنن لم أرى أي عيب في لباسها) خصوصاً في مناسبة ثمينة لِمن في سنها وجنسها كالعيد، لتستعرض فيها ذوقها الشخصي وشخصيتها التي تود أن تظهر بها. لم يفز أحدٌ في نهاية هذا الجدال، لينعكس فجأة هذا الأمر على وجه البنت التي غرقت في البكاء، ليقودني أخيراً أن أجلس بالقرب منها، لأهدئها، وأمتص حزنها.

كان السبب بالنسبة لي خلف بكائها – كما كان متوقع – أن الجدال وإن كان يخصها، فهي لم تبدي رأيها وتبريرها لأيٍ من الأطراف. استوقفني أمر، بأن الطرف الآخر الذي أود بكل صراحة أن أستغل هذه المقالة لأتحامل عليه قليلاً، كان يهتم برأي الآخرين من بقية الناس (وماذاذ ستقول فلانة وفلانه عنها)، أكثر من الاهتمام بلباس البنت لنفسها أو لذوقها.

قد يقول قائل … مهلاً! ما هذا الأمر التافه الذي تريد أن تقحمنا فيه؟ أي ملابس وأي رأي؟ وأقول أن الأمر كان جدياً بالنسبة لي، لأنه أمر يخص المبدأ والحرية الشخصية لهذه البنت (ولنا في بقية شؤون الحياة) أكثر من كونه اختياراً للملابس!

استوقفي جداً أن المحرك الأول والأخير لكل تصرفاتنا ومنه الملابس، لا يؤثر عليه سوى أمر جذري واحد: وهو رأي الناس فيه، وهذا هو المحرك الخفي خلف تعليقات الفريق الآخر وبداية الجدال.

ولذلك لا نستغرب أن الكثير من الشباب يهتمون لملابسهم ومظهرهم الخارجي، أكثر من اهتمامهم للمظهر الداخلي! … أو اهتمامهم -كما يقول أخي إبراهيم عباس- لكمال الأجسام أكثر من كمال العقل، ببساطة لأن العقل لا يظهر للآخرين بصفة مستمرة، ولأن المظهر الجيد وإن كان سيرضي الكثيرين فهو حجة كافية ليبتعد الواحد منهم عن إرضاء غريزة العلم والعقل والرأي.

تتحرك نفسياتنا وتتفاعل باستمرار مع كل رأي إيجابي أو سلبي مهما كان سريعاً، بل وتستمر بعض التعليقات في أذهاننا ساعات وساعات وربما أيام، وقد تصل دون مبالغة إلى حد القطيعة إن مس تعليق سلبي جرح عميق نعاني منه.

يزعم المراهقين والطبقة العاملة في المجتمع معرفتهم برأينا تجاه ظروفهم وأفكارهم سلفاً، للدرجة التي تجعل منهم لا يعبرون دوماً عن ما بداخلهم مهما كان محزناً، ليتجاوبوا في نهاية الأمر بإبداء ما يرونه مناسباً في التعبير عن ما يريده الآخرين منهم التعبير عنه، فلا نود أن نسمع مشاكل خادمة البيت مع أهلها، ونرى دوماً كراشدين أنني في غناً عن تفاهات المراهقين!  … ليصمتوا منغلقين على ظروفهم، باستثناء التعبير عنها عن أبناء جنسهم وعمرهم الذين يستوعبون ما يمرون به.

لا أود أن أقود القارئ العزيز لتجاهل الآخرين، لكنني في نفس الوقت لا أو أن يستسلم بشكل مُطلق ليعيش حياته تحت رحمة ما يراه الآخرين فيه، منها مظهره الشخصي. فهناك فرق بين الاهتمام لرأي الأخرين كجزء ثانوي، وبين الاستسلام لرأيهم بشكل مطلق ليكون هو المحرك، ونصبح كل يوم في وضع «ما يطلبه الآخرون».

سألت البنت بعد انتهاء الجدال … ماذا تريدين أنتي؟ … أخبرتني أنها تريد أن تلبس وتظهر بالشكل الفلاني، شجعتها أن تمارس حريتها طيلة حياتها، وأن تتجاوب بشكل مؤقت في مثل هذه المناسبات بلبس ما يريده الآخرون مناسباً. فقط لكي لا ينشغلوا بمظهرها عن أهمية وجودها في المقام الأول.

أخبرتها أنني من الأشخاص الذين لا يحبون أن يلبسوا الشماغ دوماً، لكنني أحرص عليه في المناسبات الرسمية، فقط لكي لا أشغل أصحاب المناسبة بانتقاد شكلي، عوضاً عن التحدث معي بأرياحية.

وأخبرتها بطبيعة الحال، أن ما تراه مناسباً لها هو الأهم … في كل جوانب حياتها، وليس ما يراه الآخرين فيها، أخبرتها أن الآخرين يعطون آراءاً سريعة وينسون ما قالوه، وأنها ستتأثر دون أن تنسى لفترة طويلة ماذا كانت تريد هي!

هناك فرق بين الانسجام المؤقت، والاستسلام. ولنقس هذا الأمر على كل جوانب الحياة.

أحمد مشرف

كاتب ومدون سعودي، له عدة إصدارات، ومئات المقالات المنشورة. حصل على جائزة الكاتب السعودي من معرض الرياض الدولي للكتاب ٢٠٢٠، شريك في بعض المشاريع الصغيرة، مقيم في مدينة جدة.
زر الذهاب إلى الأعلى