هل من مزيد؟

أول من أطلق وصف (مرض المزيد) كان مدرب كرة السلة الشهير «بات ريلي». الذي علّق (عام ١٩٨٠) على فريق «الليكرز»، الذي عجز عن الوصول للنهائيات في العام التالي بعد أن حقق البطولة قبلها، «لم ينجحوا لأن الكل أصبح يركز على نفسه».

وحسب تحليل «مارك مانسون»، فإن اللاعبين وقتها قد تحول اهتمامهم من الاهتمام بطموحات الفريق إلى الاهتمام بأنفسهم. فأصبح اللاعب المنضبط في التدريب والذي يحاول إنجاز العديد من المهام الصغيرة والتي قادته في النهاية للفوز بالبطولة، لا يكترث لها، بقدر اهتمامه للحصول على المزيد من الأضواء، والأموال، والإعلام … والأنا.

يصيب «مرض المزيد» الكثيرين، والرياضيين على وجه الخصوص، ليعطلهم عن نجاحاتهم وحياتهم وقيمتهم الحقيقية. ومشكلة «مرض المزيد» أنه لا ينتهي. فإن أعطيتك سيارة، ستستهدف شراء سيارة أخرى، وإن أعطيتك بيتين، فلن يكون لديك مانع لأن تسعى للحصول على البيت الثالث. ينتقل الواحد فينا بعد أي نجاح، إلى اتجاه آخر ليس له علاقة بما قاده للنجاح، يتحول إلى إعلاء «الأنا»، والبحث عن المزيد، وكأن شيءً ما كان ينقصنا في الأساس.

عندما كان «الليكرز» يتدربون كل يوم، كان الدافع الأول لهم هو الفوز، الفوز كفريق وجمهور بالبطولة. وعندما فازوا، أصبح كل واحد فيهم يبحث عن الشهرة والمال خارج فكرة الفريق، وخارج مفهوم التأثير.

المزيد، عكس مفهوم التأثير وعكس المصلحة الحقيقية، فعندما يشعر أحد المؤثرين أو الفنانين وبعض الناجحين اللذين لديهم قدرة أفضل على السيطرة على مشاعرهم تجاه المزيد من التأثير، سوف لن يصبح الموضوع بعدها حول الشخص لنفسه. عكس رغبة المزيد التي صورها لنا الإعلام والمسوقين عبر السنين: كن [أنت] أكثر ثراء، كوني [أنتي] أكثر جمالًا. أو شياكة، أو صحة، أو شهرة.

عندما يرغب أحدنا بالتقدم في حياته، سيكون أول ما يبحث عنه هو المزيد، والذي يتحول بعدها لدرجة قليلة أو كبيرة إلى حالة مرَضية، كما يدّعي مانسون. أريد الكثير من المال/الشهرة/التقدير .. ولا يهم إن كنت أستحقه. ولا يهم إن كان علي أن أعطي العالم قيمة أفضل. أنا أولاً!

يتحقق التقدم الحقيقي في رأي مانسون، عندما يركز الإنسان على التأثير وتجاوز الإنسان حدود نفسه ورغباته التي لا تنتهي، ولن تنتهي. وهنا يقف الإنسان العادي أمام سؤال بسيط ذو إجابة استثنائية؛ كان قد سأله أخصائيين نفسيين فترة الثمانينات والتسعينات، عندما قاموا بسؤال عشرات الأشخاص السؤال التالي:

  • من ١٠، كم تقيم مستوى سعادتك بشكل عام؟

ليجيب الجميع: ٧ من ١٠.

والإجابة التي تقل عن خمسة تصيب صاحبها بنوع من الشعور بعدم الامتنان والإجحاف لحياته. والترجمة الفعلية للثلاثة نقاط الناقصة في «٧ من ١٠» هي التي تستدعينا للبحث عن المزيد، الذي لا ينتهي. وكأن لسان الحال يقول: «أجد أن سعادتي هي سبعة من عشرة ولن تتحول إلى عشرة كاملة إلى إن امتلكت (بيت/ ساعة/ وظيفة/زوجة جميلة/ إلخ.)».

وفي موضعٍ آخر، تحدث بإسهاب عالم النفس الألماني «ڤيكتور فرانكل» في كتابه «إنسان يبحث عن المعنى» بأن البحث عن السعادة لا يعتبر المنهج الأصح في حياتنا، بل البحث عن المعنى لها. لأن التساؤل بالتأكيد ليس «كيف أكون سعيد؟» بل «كيف أعطي لحياتي معنى؟ .. (والذي ربما .. ربما سيشعرني بالسعادة)».

مشكلة مرض المزيد، أنه يقنعك إقناعًا تام أنك يجب أن تستمر في البحث عن ما ينقصك فورًا. ويدفعك باستمرار لدوامة لا تنتهي من الطلبات والماديات والأمور التي ترتكز على نفسك، بعيدًا عن الآخرين، وبعيدًا عن القيمة، وبعيدًا عن النجاح الحقيقي.

وللحديث بقية في هذا الشأن …


[هذه المقالة مستلهمة من مقالة مارك مانسون بعنوان: THE DISEASE OF MORE].