صداقة الخمسين سنة

١

قبل أكثر من خمسة وخمسين سنة، كان والدي يجوب أحد شوارع القاهرة يبحث فيها عن أمرٍ ما

في ذلك السن الصغير اعتاد جدي أن يُرسل ابنه صيف كل عام إلى الخارج، عامًا إلى سوريا أو لبنان، وعامًا آخر إلى مصر، يجمع والدي القليل من المال من خلال أعماله بالقرب من المسجد النبوي الشريف مع بعض الادخارات من هُنا وهناك، وطبعًا دعم جدي البسيط له. كانوا «غلابة» كما نقول بالعامية.. لكن حب السفر وإصرار جدي على هذا الابتعاث الاختياري كل عام من أجل بناء شخصية ابنه واكتشاف العالم خارج بيئته القاحلة دفعه فيما بعد لأن يكون إنسانًا اجتماعي من الدرجة الأولى، يعلم نفسه بنفسه، ويتحدث عدة لغات.. والأهم من ذلك، امتلاكه لعدة صداقات عمرها أكثر من خمسين عامًا نقطف ثمارها نحن الأبناء اليوم، وذلك باستيعاب أهمية مفهوم الصداقة والشعور بالأمان مع الأشخاص العزيزين، وطبعًا الوصول إلى أقصى سعادة وحكمة من هذه الدنيا كما يدّعي «إبيكور» والتي تتمثل في وجود الأصدقاء الحقيقيين.

والدي في مرحلة الشباب آنذاك

لم يجد والدي ما كان يبحث عنه ذلك اليوم.. لكن وجد ضابطًا مصري ذو رتبة بسيطة في مثل عمره، تبدو عليه علامات الغلابا مثله، إنسان مبتسم وكريم استقبله بـ«إنت عايز أو.. بتدور على إيه؟».. وطبعًا لا يذكر والدي اليوم ما كان يبحث عنه، لكن يذكر تفاصيل ذلك اللقاء مع عمي ووالدي معالي السيد/ أحمد قدري.

«أخذني من يدي.. وأصرّ على دعوتي للعشاء وكأنه يعرفني!..» يعلق والدي «كانت قد انتهت ورديته، وأخبرني أنه فلّاح ابن فلّاح عندما عرّف بنفسه، وأخبرته بدوري أنني أحد أبناء المدينة المنورة المحبين لمصر».. وربما كان الأمر الأخير قد أكسب والدي بعض الرصيد من المحبة، والتي استمرت أكثر من خمسين عامًا بعدها.

«أصبحنا أصدقاء عزيزين في فترة بسيطة جدًا، كُنّا ننام على سرير واحد (تعبيرًا عن الود الأخوي) في بيتٍ بسيط، بل وقام بعدها بفترةٍ وجيزة بدعوتي لحفل خطوبته على زوجته مدام ديدي..» عرفه والدي أنه إنسان بسيط كريم ومُحِب.. وصديق يُشد به الظهر.. فقط لا غير. لا يملكون الاثنان وقتها مالًا أو سُلطة أو نفوذ أو نسب، اكتفوا بإنسانية وصداقة عُمرٍ صافية لا تشوبها شائبة.

«انقطعنا عن التواصل مع شؤون الحياة.. ولكنني بعد سنوات زرت القاهرة مع والدتك، وأصرّيت على البحث عنه. لم أبقي إنسانًا في البلد إلا وسألته عن شخص اسمه أحمد قدري.. حتى أكرمني الله بسائق تاكسي كان يعرفه، وقال لي أنه يذهب إلى النادي الفلاني من فترةٍ لأخرى، وهنا طلبت منه فورًا أن يقود بي إلى هناك، حتى شاءت الأقدار بأن ألتقي به بعد انقطاع سنوات..»

بالطبع كان قد تزوج وأنجب ابنة وسيدة فاضلة (نيڤين) وأخًا لها. استقبله يومها بمثل استقباله عندما كان ضائعًا في شوارع القاهرة، وسرعان ما عادت مياه الحب لمجاريها. تكثف التواصل عامًا بعد عام، وجئنا نحن الأبناء إلى الدنيا.. وتربيت منذ طفولتي بأن لي أبًا آخر اسمه مثل اسمي.. العم أحمد قدري.

لحقها العديد من الزيارات إلى مصر.. كانت تنحصر معظمها بلقاءات مع العم أحمد وعائلته الكريمة. وبالطبع كسِبنا نحن الأبناء مع والدينا استقبالهم في بيتهم في جدة في عدة مناسبات.

كبروا الاثنان في العمر، وكبِروا في المناصب.. أصبح العم أحمد قدري سفيرًا لمصر في بريطانيا. وحمل منصبًا كبير في «جامعة الدول العربية».. وعمل في التجارة، وبنى نفسه حتى وصل لنخبة الأسماء والمحبين لوطنه وعمله وأصدقاءه ولكنني لطالما رأيته منذ طفولتي وهو يردد «دا أنا يا ابني فلّاح ابن فلّاح..» لا ينكر أصله، كما لم ينكر صداقاته القديمة ومشاعره الفياضة بالكرم والحب والتقدير للآخرين.. للفقير والغلبان قبل الغني والنافذ، وللصديق والقريب والعائلة ولكل من حوله.

في كل مناسبة وعيد، يحرصون على التواصل بين بعضهم.. يكررون على بعض «متى ستأتي وتزور بيتك وبيت أُسرتك هنا؟». ودون أن يُلزمني والدي، فقد كانت إحدى أهم الأمور التي لا تحتمل التفكير، هيا بتخصيص وقتًا لزيارته وعائلته في رحلتي الأخيرة قبل أشهر للقاهرة.. كان يرى والدي أن أهمية هذه الزيارة تبُع بدافع الإبقاء على التواصل بين الأجيال التالية، وكنت أراها واجبًا وبرًا به. عندما رأيته.. لم أتردد لثانية بأن أُسلِم على يديه تقديرًا لمكانته عندنا، وإيمانًا بأنه والد آخر.. يعيش في مصر.

تقاعد العم أحمد من عمله منذ سنوات طويلة.. لزِم البيت.. رأيته في زيارتي الأخيرة رغم حالته الصحية إنسانًا شديد الجاذبية وذو صوتًا ساحر وكاريزما لازال محتفظًا بها داخله. استقبلتني ابنته وزوجها وابنهما كما استقبل العم أحمد والدي قبل أكثر من خمسين عامًا في شارعٍ ما في القاهرة. أصبحت الغالية الست «نيڤين» وزيرة مفوضة في «جامعة الدول العربية» فيما بعد، لتستكمل شغف والدها وحبه لخدمة الآخرين.. وبالطبع ورثت القوة والثقة والعصامية.. لتكون نسخة أنثوية ستحرص على نقل ما تربت عليه وتعلمته في حياتها لأبنائها.

مع العم أحمد قدري

٢

قبل وداعي أمس لمدينتي الثانية مسقط.. حكيت لأخي العُماني الحبيب هيثم الرحبي هذه القصة قبل دخولنا لتناول الإفطار. قاطعه اتصال غريب.. وأصريتُ ألا ينقطع حبل أفكاري وهي محبوسة في لساني، لأقول له بمجرد أن أقفل الخط: «شاهدي يا الحبيب.. أنني أريد من ابنتي سيرين أن تفعل ما فعلته أنا مع العم أحمد قدري.. أريدها أن تكون صديقة ابنتك فاطمة حتى بعد أن يتوفانا الله بعد عمرٍ طويل.. أريد أن أرسلها لكم لتكون معكم، وأريد أن أستقبل ابنتي فاطمة عندنا..» ببساطة لأنني أعي أن المال والنِعم والمناصب والأثر وكل شيء في هذا العالم.. قد لا يكون ذو قيمة، دون ترابط أخوي وصداقي مع عزيزين. عزيزين عليَ مثل أخي هيثم الرحبي.

يكتشف الإنسان نفسه مع كل سنة يعيش فيها في هذه الحياة، وتأكدت دون اكتشاف؛ أن العلاقات القوية هي من أهم الأمور في هذا الكون الكبير.. وهي المُحرك والدافع الأقوى للبقاء. أو كما يسأل النفساني «ڤيكتور فرانكل» مرضاه.. «لماذا لم تنتحر؟» دون أن يُبدي استغرابه من إجابة بديهية.. من أجل علاقتي مع من أحُب.

أخي هيثم.. تبعدني عنه مسافة ثلاثة ساعات بالطائرة، وآلاف الكيلو مترات. لكننا نتواصل كل يوم تقريبًا، وكأنه وبالفعل ما للبعيد سوى بعد المسافة.. وهو قريب.. قريب جدًا.

أدام الله قربه، وأدام على كل صديق ومحب أحبابه له..

مع أخي هيثم الرحبي وصديقه الأخ محمد
مع أخي هيثم الرحبي وأخي محمد حافظ