الجانب المظلم في المشاعر

«عندما نواجه أي شيء جديد في حياتنا، فإن العقل يُظهِر لنا الجانب الجيد منه ويُخفي حجم التضحية التي يجب أن نقوم بها..» يقول مارك مانسون، ويضيف في موضع آخر «.. ومعظم الأمور التي تُشعِرُنا بالراحة هي ليست في الحقيقة أمور جيدة لنا».

ووصفه الأخير سهل الإسقاط إن تذكرنا سيجارة الصباح أو قطعة الكيك المغطاة بالشوكولاته.. أو الجلوس لمدة ثلاث ساعات أمام شاشة نيتفليكس.

والعكس صحيح.. فيبالغ العقل دومًا في تصوير الأحداث السيئة، ونستطيع أن نستذكر العديد من التحديات والمشاكل التي واجهتنا في حياتنا لنكتشف لاحقًا أنها أقل كثيرًا مما كانت تبدو عليه.

تميل عاطفة الإنسان للمبالغة، والسبب غريزي بالدرجة الأولى بحثًا عن البقاء، فشعورنا الجيد يربطه العقل بالبقاء (المزيد من الحياة إن صح الوصف)، والشعور السيء يرتبط بالموت كأقصى جهة من القطب الآخر.

فعندما نتخيل أنه من الممكن أن نُطرد من وظيفتنا بعد أن قضينا فيها عشر سنوات، قد نُصاب بخيبة أمل كبيرة وشعور سلبي يسيطر على أدقّ التفاصيل في حياتنا.. فالعقل يبالغ في استقبال هذا الشعور حتى يُظهره على مقربة من الموت:

طُردت من العمل، إذا سيتوقف دخلي، إذا سوف أجوع وسيجوع أبنائي، ثم سأموت من الجوع.

وبالطبع هذا النمط الغريزي في العقل الباطن غير واقعي، ولكن لا تميل العاطفة لموازنة المخاوف أو المشاعر الجيدة، ولذلك لا يمانع أحدنا أن يتناول أربع حبات كوكيز دفعة واحدة إن كان لديه مساحة لها، فالشعور هنا رائع رغم الضرر الكبير على المدى الطويل.

تميل العاطفة للمبالغة في الخوف والمبالغة أيضًا في الإحساس بالمشاعر الجيدة. ومهمة العقل أن يضع المشاعر في حالتها الصحيحة.

وجدت مع التجربة أن البحث عن الواقعية والابتعاد عن التأثر العاطفي ومحاولة إضفاء التوازن على الأحداث أمر في غاية الأهمية، وهو ليس أمرًا سهل.

ويقترح مانسون مرحلة متقدمة في التعامل مع المشاعر كأن يسأل الإنسان نفسه عندما يضع هدفًا يُشعره بشعور جيد «لماذا اخترت هذا الهدف؟» فالسبب وراء الأهداف الجيدة قد تكون ليست ذي قيمة، أو قد تكون عاطفية بحتة.

مثال: أريد أن أُصبح كاتبًا.. هذا الهدف.

وهناك عدة أسباب خلفه: ١. أن أصبح مشهورًا ٢. أن أكون غنيًا ٣. أن أُغير حياة الأخرين ٤. أن أنقل تجاربي التي تستحق أن تُكتب.

معرفة المحرك أو السبب قبل الهدف تساهم في أمرين، أولًا: إضفاء المزيد القيمة لاستمرار هذا العمل لفترة أطول، ثانيًا: إعطاء جودة أكبر لخطوات تحقيق الهدف نفسه. فلن يسعى الكاتب الذي اختار تغيير حياة الآخرين أن يكتب مع الوقت هراءً لا قيمة له.

كل هذه المحركات محركات لهدف جيد، لكن العاطفة خلفها تحدد أين يجب أن نقف، لأن المشاعر خلف الأربع محركات مشاعر لطيفة للنفس.. ولكن ليست بالضرورة جيدة على المدى الطويل.

عندما يجد الإنسان نفسه منجرفًا لمحاولة تغيير مباشر وسريع في حياته، فإن السبب يرجع إلى تأثر بالغ في عاطفته. فإن استيقظ من نومه فجأة ليقرر بأن يكون إنسان صحي ويخفف وزنه ويقلع عن التدخين لأنه التقى البارحة بصديق قديم قد نجح في هذا الأمر، وآخر انتقده على زيادة وزنه، قد يُصدم من عدم قدرته على مقاومة أول حبة دونات تظهر أمامه. لأن الدافع عاطفي وليس عقلاني صاحبه الكثير من التخطيط والتفكير.

نفس هذا الإنسان إن توقف قليلًا وبحث عن أفضل الطرق الواقعية لتطبيق هدفه سيجده أمرًا ليس سهلًا، كالبحث عن أقرب نادي من منزله، واعتزال الأصدقاء المدخنين لبعض الوقت، والتخطيط الدقيق حول وجود البدائل لتفاصيل حياته الحالية وإعادة جدولة الكثير من الأمور وغيرها..

مثل هذا الإنسان يصور له عقله شكله أمام المرآة وهو نحيل ويرتدي بدلة بجسد ممشوق، ولا يريه الخمسين ساعة خلال الشهر التي يجب أن تُصرف في النادي، ولا يذكّره بضرورة تجنب الستة عشر حبة دونات التي كان يتناولها في الأسبوع، وبالطبع لا يتطرق عقله للاختلاف الجديد في اختيار المطاعم عند خروجه مع أصدقاءه، الذين سيغرقونه بوابل من السخرية، وقد يتجنبون الخروج معه لاحقًا.

نجحت موجات كثيرة في حياتنا في استغلال هذا الاندفاع العاطفي، ففترة الصحوة مثلًا كانت محاضرة واحدة عن عذاب القبر كفيلة بأن تهز كيان الشاب المراهق وتجعله يعيد حساباته، ليستيقظ اليوم التالي وهو مندفع لصلاته ودعاءه وانضباطه الشعائري، ليختفي هذا الأمر مع الوقت، ويبحث عن محاضرة أخرى تعيده للطريق! وكل المشكلة هنا تتشكل بأن أوقات عدم الالتزام بهذه الشعائر تجعل نفس الشاب يعيش في دوامة كبيرة من عُقدة الذنب التي تُشِل تفكيره.. فلا هو المنضبط في شعائره، ولا هو الإنسان المستمتع بحياته بسبب الذنب.

ليصبح الاندفاع العاطفي هو المحرك بعيدًا عن واقعية الحياة.

يظل التوازن هو المطلب الأهم في التعامل مع المشاعر، فإن انجرفت بسرعة يجب أن يوقفها العقل، وإن خافت كثيرًا يجب أن يهدئها العقل.