ما هي حقيقتك خارج التواصل الاجتماعي؟

بدأت القصة من هنا:

«أصل إلى عملي كل يوم الساعة السادسة صباحًا، قبل ساعتين من فتح المتجر. تنتظرني الصناديق في الممر وهي مكدسة. رشفة أخيرة من قهوتي، ثم أرتدي قفازاتي وآخذ نفسًا عميق. وأقول لنفسي لقد حان الوقت للعمل. أقوم بإغلاق الصناديق، وأقطع الأسطح المفتوحة بالمشرط، لأخرج المخبوزات المصنوعة من الحبوب الكاملة والنان والكوكيز الخالي من السكر لأضعها على الرفوف، ثم اسحب الفائض إلى الفريزر الخلفي. يستغرق الأمر ما يقارب الساعة لتكديس جميع الصناديق في الأماكن الصحيحة، ووضع الملصقات عليها وترك الثلاجة نظيفة. ثم أسير إلى المخبوزات وأتأكد من أن الكعك متناسق وموضوع في عُلبه الصحيحة. بحلول الساعة الثامنة، عندما يتم فتح المتجر، أقوم بتوفير مساحة للعملاء المبكرين. وفي الساعة العاشرة، أثناء استراحة الغداء، ألتقي بزوجي في البار الرياضي أسفل الشارع لآخذ طبقًا من بطاطا «الهاشبراونز» ذات اللون البني والنقانق والبيض. وقتها أكون قد وصلت إلى مرحلة التضور من الجوع، فلقد عملت بجد.

أعرّفكم بنفسي [شاونا جيمس أوهيرن] الكاتبة الأفضل مبيعًا (لكتاب طبخ خالٍ من الغلوتين) الحائز على جائزة جيمس بيرد. لمدة تسعة أشهر، عملت في متجر المخبوزات المحلاة مقابل خمسة عشر دولارًا للساعة. إنها أفضل وظيفة عملت بها على الإطلاق.

وعلى الإنترنت، لا أحد يعلم أنك فقير.»

استشهدت صحيفة النيويورك تايمز بشاونا كأحد أفضل الكاتبات التي كتبوا عن الطبخات الخالية من الغلوتين، تملك آلاف المتابعين في مختلف قنوات التواصل الاجتماعي، وهي بالعرف السائد «مشهورة». ولا يعلم أحد شيءً الجزء الآخر من حياتها.

«لا أحد يلتقط صورًا للعلب التي تحمل الفواتير التي يجب أن يدفعوها… وقليلون جدًا من يناقشوا الخيارات التي تبعدهم عن حافة الإفلاس أمام العلن» بل وعلّقت شاونا تعليقًا يصف حالة التهكم التي تعيشها بعدما شاركت رأي صديقتها آشلي «أحاول أن أُفاضل بين خطط التأمين، لكنني ما زلت متأكدة أن خطة التأمين الأفضل في هذه الحياة هي الثروة.»

وأضافت «لم أشارك أبدًا عبر الإنترنت تلك اللحظات التي بحثت فيه أنا وزوجي داني في حسابنا المصرفي لنجد فيه ٨٥ دولار فقط، في الأسبوع الأخير من الشهر، ونحن لا نملك حساب توفير. انخفض تقييمنا الائتماني بعد أن صرفنا الكثير من المال أثناء علاج ابنتنا لوسي في المستشفى… صحيح أننا توقعنا اقتراب حصولنا على مبلغ ستة آلاف دولار من إحدى مشاريعنا الحرة، لكن مع الآسف تأخر الشيك».

كانت شاونا -الإنسانة اللطيفة والمكافحة- تعيش بين حالتين نقيضتين تمامًا، قمة الشهرة والمجد والحياة التي يتمناها الكثيرين على التواصل الاجتماعي، وبين حالة اقتربت من خط الفقر على أرض الواقع. كانت تحاول أن تأخذ مشاريعًا حرة من هنا وهناك حتى وصلت إلى مرحلة من الضغط اضطرت فيها إلى التركيز على الدخل المضمون في المخبز عوضًا عن العيش في حالة من التهديد والتشتت.

«لم أعد مهتمة بمتابعة النعمة التي كنت أعيشها [مواهبها في الطبخ]، أريد فقط أن أدفع الفواتير».

عادت لاحقًا شاونا إلى ممارسة ما تحبه في التدوين عن الطبخ، بعد أن انقطعت فترة طويلة عن تحصيل أي مبالغ من كونها معروفة أونلاين. حتى كتبت كتابه الأخير (Enough: Notes from a Woman Who Has Finally Found It).

*****

لي صديق آخر تشبه حالته حالة شاونا، يتمتع بشعبية كبيرة (مئات الآلاف من المتابعين) وهو لا يزال يعاني الكثير من النقص والتحديات في حياته. نستنجد نحن من نحب الظهور بالعديد من الثواني التي تخفي حقيقتنا خلف الصور، لا نشارك الآخرين إلا ما نحب أن نوهم أنفسنا به، نفقد في معظم الحالات السيطرة على الواقع مقابل وجود سيطرة مؤقتة على صورتنا في العالم الافتراضي، ولا نقترب أبدًا من النقاش الذي يدفع بنا إلى الزاوية الضيقة التي تظهرنا كبشر طبيعيين، نعاني من الوحدة والملل من الصعوبات؛ أو الوِحدة الحقيقية التي يحتاجها الإنسان المعاصر ليجلس ويواجه نفسه. نعتاد بسرعة إلى الشكوى لفضاء التواصل الاجتماعي من الحالة التي لا تخصنا والآخرين، ونُقحم أنفسنا في قضايا كثيرة لا علاقة لنا بها، إلا قضية واحدة: أن نجعل واقعنا صحي بعيدًا عن التوتر ومليء بالقناعة. وقبلها.. أن نجلس ونصارح أنفسنا.

لا يعلم الآخرين أننا نشارك مثلهم في المسرحية. ولا يعي المتابعين المتحمسين أنهم يطلقون على بعض المشاهير سهمًا جارح عندما يخبرونهم أنهم يتعلمون منهم ويجعلون منهم قدوة، والأخيرين لا يقتاتون سوى على هذه الكلمات في حياة يملأها الخواء.

كل الحل في اليوم الذي تقضيه يومًا بيوم.. تبحث فيه عمّا يتعبك ليجعل منك إنسانًا أفضل.

كل كلمة تكتبها أو عمل تنجزه يقودك خطوة إلى ما تريده، أم الآخرين فهم جماهير للمسرحية.

كل قناعة وحياة بسيطة تختارها وتدرب نفسك على تبنيها تجعل منك حقيقيًا، وربما تدفع لك الفواتير.

الإنسان نتاج خلوته.

كان الله في عون الجميع.


هذه المقالة مقتبسة (بتصرّف) من صحيفة الجارديان.