شؤون اجتماعية

الأكل الحار وحالة تقدّم السن

بدأ تدريجيًا الكثير من أفراد أسرتي بالتنازل عن حبهم للأكل الحار. أصبحت فجأة الوحيد في السُفرة الذي يُترك مع الأطباق المفلفلة دون أن يمسّها أحد. بالنسبة لوالدتي أصبحت لا تريده بسبب المشاكل التي يسببها لمعدتها، وبالنسبة لإخوتي اكتفوا بقولهم أنهم لا يفضلونه الآن أو «ما فيهم» بلهجتنا الدارجة، في الإشارة لعدم رغبتهم في تجهيز ذهنهم لاستقبال أكل سيتفاعل معه أجزاء كثيرة أخرى في الجسد.

بالنسبة لي، تناول الأكل الحار يعتبر أحد ركائزي البيولوجية في الحياة، فالأكل غير الحار أعتبره تقريبًا بلا طعم، وطلب وجبة البيك (عادي) قد يساهم بإنقاصك درجة في سُلم الصداقة.

استوقفني التحول الهادئ الذي أصاب أسرتي من حبهم للأكل الحار (والذي شككوني بعكسه) إلى تجنبه، ولأنني الأصغر فإنني أعتقد دومًا أن أي تغيرات تصيب إخوتي أو والدتي في السلوك سكون منبعها «علامات تقدّم السن»، ثم تأتيني حملة تذكير كبيرة داخل عقلي أنني لن أكون مثلهم عندما أكبر (قليلًا).

في الفترة الأخيرة ظهرت بعض التغيُّرات التي بدأت ألاحظها في نفسي وأراها مضحكة وغريبة. مثلًا، نمت قبل عشرة أيام نومة بوضعية خاطئة، استيقظت بعدها وأنا أعاني آلامًا غريبة في ظهري استمرت لأيام، بل وحتى كتابة هذه السطور، لأقرأ في نفس يوم الاستيقاظ في مكانٍ ما في التواصل الاجتماعي: أن العطسة القوية والنوم بشكل خاطئ وقليلٌ من السهر، قد يسببون لك إصابات تكشف لك أنك لم تعد صغيرًا.

في كل سفرة يتغير روتين النوم، وأكتشف في اليوم التالي بعد نومة مخبوصة إنني قد التقطت بعض أعراض الزكام بسبب نقص ساعات النوم والذي أنتج نقصًا طفيفًا في المناعة. أذكر في إحدى تلك السفرات قبل شهرين من مدينة الرياض، كان هناك مسافر يبعد عني مسافة كرسيين قد قام بتهزيئي دون مقدمات، لأنني سافرت وأنا مزكوم وممسك بعلبة مناديل في زمن يفترض بي أن أنطق فيه في منزلي وأرتدي كمامات. كان على ما يبدو من فئة الأحبة الخائفين بشكلٍ زائد عن الحد من حالة الكورونا وما حولها.

عندما جلست عند شاهين الحلاق آخر مرة، استأذنني ليقص بعض الشعرات الطويلة في حاجبي (خوفًا من اعتقادي أن ما سيقوم به حرام)، استطالة الشعر في أماكن غريبة عند الرجال حتمًا هي علامة تقدّم للسن. وعن نفس السيرة، في الحقيقة أنا الوحيد من أصدقائي الذي لم يصيبني الشيب بعد. ولا أعرف أأفرح أم أقلق من هذه النتيجة!

ومن ناحية تربوية أُبشِّركم بانضمامي لنادي الآباء الذين ينكت بناتهم عليهم، لأنني لم أفهم مصطلحًا قد نطقوا به (بالمناسبة أعتبر نفسي رجلًا متقدمًا في عالم التكنلوجيا ومطّلع على السخافات أكثر من الأمور الجدية في الحياة، ولهذا وجدت أن استقبالي للنكات من بناتي فيه نوع من الظلم)، وبدأت تتراكم مؤخرًا المواقف الصغيرة التي أشعر فيها إنني لستُ على نفس الصفحة معهن، ولو إنني والله أحاول جاهدًا الابتعاد عن تلك الصورة التقليدية بين آباء في وادٍ وأبناء في واد آخر.

أخبرتني أختي العزيزة العنود الفهد إنني وبمجرد أن أتجاوز الخامسة والثلاثين سوف أنكب على نفسي وأسرتي أكثر من أصدقائي وخرجاتهم والسهرات التي قد يضحي بعض الشباب بجزء من كرامتهم ليحصلوا عليها (التشبيه الأخير فيه نوع من المبالغة، وشيء من الحقيقة).

والآن.. يتصارع عقلي كل يوم بين ترك جلسة «الليزي بوي» والكتاب الذي يفترض بي أن أقرأه، وبين خرجة لقاء الأصدقاء في المساء، لأول مرة في تاريخي، يميل القلب والعقل لإخباري بأن أبقى، إلا إنني جزء محب لهذا المجتمع، ولا يجب أن أنجرف للقناعات والحالات الجديدة، وإلا سأكون بالفعل متقدمًا فجأة في السن.

كان الله في عون الجميع.

وكل عام وأنتم بخير.

أحمد مشرف

كاتب ومدون سعودي، مؤلف كتاب ثورة الفن، وهم الإنجاز، ومئة تحت الصفر. مقدم بودكاست أحمد مشرف، شريك في بعض المشاريع الصغيرة. مقيم بين ميامي وجدة.
شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى