عن الكتابة

عشر سنوات في الكتابة

فضفضة كتابية للعام الجديد

لم أكن أعلم إنني أمضيت عشر سنوات في هذه الحِرفة، حتى أتت قارئة كريمة لتخبرني بهذه المعلومة الخطيرة، وهنا بعض التأملات مع جلسة تعبير للقارئ الكريم الذي أتمنى أن يسع صدره لما سيقرأ.

١. مقارنة المقالات مع الكُتب:

دُعيت قبل عامين إلى إحدى نوادِ القراءة المحلية لمناقشة كتابي الثالث «وهم الإنجاز: كيف يتحرّك العامة وماذا يُحفّزهم». أحرص على الحضور لمجموعات القراءة، أكثر بكثير من حرصي على الظهور في القنوات التلفزيونية أو الراديو التي لا فائدة منها سوى تغذية «الإيجو» للضيف وتعبئة جدول القناة.

صدمتي الكُبرى كانت عندما سألت الحاضرين عن نسبة قراءتهم لمقالاتي – شبه اليومية – على المدونة وعلى مختلف قنوات التواصل الاجتماعي، عشرة من خمسة عشر (ثلثي الحضور) لم يكونوا يعلمون أصلًا أن لدي مدونة كنت قد نشرت فيها مئات المقالات منذ ديسمبر ٢٠١٢م.

عدت إلى المنزل وقمت بعمل مجموعة من الحسابات عن حجم القراء ونسبتهم للكُتب والمقالات، وخرجت ببضعة نتائج صادمة، أعيد المرور عليها مع بعض الإضافات:

  • ٩٠٪ من مجهوداتي الكتابية تُنشر مجانًا ودون مقابل للقارئ الكريم، على شكل مقالات. معظمها في هذه المدونة تحديدًا.
  • ١٠٪ فقط من عدد الكلمات التي كتبتها في حياتي لا زلت آخذ مقابلًا ماديًا منها، وهي على شكل كُتب وبعض المقالات لجهات إعلامية خارج مدونتي.
  • ٨٠٪ (تقريبًا) من قرّاءي المخلصين هم قراء للكُتب وليس المقالات (كانت هذه الصدمة الأكبر).
  • تجربة تجميع «أفضل المقالات» بين دفتي كتاب لم تنجح، واكتشفت أن هذا النوع من الكُتب محدود العدد من القرّاء.
  • أقل من ١٠٪ من المقالات (٨٠ من أكثر من ٨٠٠ مقالة منشورة) كانت ذات تأثيرٍ عالٍ ولاقت تفاعلًا ممتاز.

٢. إذاً، لماذا أكتب المقالات؟:

  • الكتابة حِرفة، والحِرفة مثل العضلة التي يجب أن تُمرّن لكي تقوى وتنمو. ووجدت أن أفضل وسيلة حقيقية لتنميتها هي عبر الكتابة المنتظمة بشكلٍ يومي، ولو بعدد أرقام قليل نسبيًا. هي مثل الذهاب إلى النادي لتمرين عضلات الجسد.
  • شخصيتي الاجتماعية تتعارض كثيرًا مع طبيعة الكتابة التي تتصف بالوِحدة لفترات طويلة، ووجدت أن المقالات طريقة منتظمة للحفاظ على أواصر الود بيني وبين القارئ الكريم، عكس كتابة الكُتب التي تأخذ وقتًا طويلًا حتى يرى منتوجها النور. المقالات تضمن التفاعل، وتخبر القارئ إنني ما زلت بالقرب.
  • تعطي المقالات مؤشرًا جيدًا للكاتب عن الموضوعات ذات التأثير الكبير، فمهما اقتنع الكاتب أن الموضوع الفلاني مهم للكتابة عنه، قد يتفاجأ بأن اختياره غير دقيق، ولا قيمة له. أذكر العديد من المقالات التي صرفت وقتًا طويلًا في كتابتها وصياغة أفكارها لم تأخذ حقها من وقت القارئ واهتمامه، والعكس صحيح.. مقالات أخرى كُنت قد صرفت في كتابتها نصف ساعة أو أقل، لتضرب ضربتها غير المتوقعة من التفاعل، وهذا الأمر حتى اليوم يسبب لي بعض الإرباك والحيرة رغم وعيي به.

٣. تحليلي الشخصي عن الفرق الشاسع بين قراء الكُتب والمقالات:

  • الكُتب في العادة تأخذ حقها جيدًا من تماسك الأفكار وتسلسلها، فكتاب ككتابي الأول «ثورة الفن: كيف يعمل الفنان وكيف يعمل الآخرون» واضح في موضوعه ومحتواه، وعندما يقتنيه القارئ فهو يعلم بالضبط ماذا سيستفيد، ولا يمانع صرف كثيرٍ من الوقت برفقته. كتابي الأخير «مئة تحت الصفر» سيرة واضحة لحياة الأستاذ عمار شطا، ولكل مهتم بالاطلاع على تجارب حياة ثرية بعمق.
  • طبعًا الجهود الأخرى المصاحبة للكُتب أكبر بكثير من المقالات التي لا تطلب سوى كتابتي لها، فالكتاب يعمل عليه محرر صياغة، ومدقق لغوي، ومصمم للغلاف، وبعض الأحبة من المراجعين لمحتواه قبل نشره؛ كل ذلك يعطي الكتاب قالبًا أكثر جدية وتماسكًا كما قلت، عكس المقالات التي تحمل كثيرًا إسهابًا غير مقصود، وبالطبع الكثير من الأخطاء الإملائية التي تزعج القارئ.
  • لأن أفكار الكتاب أكثر عمقًا وتأخذ وقتًا في صحبتها مع القارئ، فإنها ترسخ في ذهنه لفترات أطول، نادرًا ما يتأثر الإنسان بقراءته لمقالات عديدة، عكس الكُتب التي قد يغير إحداها حياته رأسًا على عقب.
  • عندما يجلس القارئ ليقرأ كتابًا، فهو يجلس لقراءة الكتاب، عكس المقالات التي يجلس بجانبها الإيميلات وحسابات التواصل الاجتماعي التي تأخذًا حيزًا من ذهن ووقت القارئ على شاشة الجوال أو الكمبيوتر.
  • أفكار الكُتب بالنسبة للكاتب تتطلب جهودًا أعلى بكثير من المقالات، تتطلب بحثًا وتقصي وبناء حجج، أما المقالات فهي فكرة بسيطة يبني حولها الكاتب عدة كلمات ليوصل فكرته. تتحول الفكرة البسيطة لأربعمئة كلمة يقرأها الإنسان في ثلاث دقائق ثم يمضي لشؤون حياته، وينسى ما قرأه للتو. أم الكُتب فهي تحتاج تأملًا وتفكيرًا أطول من القارئ الذي لا ينفك منها إلا بعض مضي بعض الوقت.

٤. الخلاصة:

  • لا أخفي على القارئ الكريم إنني في صدد إعادة الحسابات تجاه هذه الحِرفة مع بداية هذا العام، أقصد طبعًا إعادة الحسابات في الجهود الموزعة، فمثلي شخص يحلم بصدق أن يمتهن الكتابة كحِرفة بدوام كامل، لا أفعل شيء خلال يومي سوى الكتابة، وحتى أصل إلى تلك المرحلة من المهم أن أحرص على تنمية أعمالي التجارية الخاصة لتوفر دخلًا أفضل لي ولأسرتي، وطبعًا زيادة نسبة القراء الكِرام الذين يحبون اقتناء الكُتب، أقولها باستحياء.. إلا أنها سبب أناني يتيم تجاه فكرة التركيز على الكُتب، بدلًا من المقالات.
  • من الأمور التي سعيت فيها في حياتي هي الحِرص على تسعير كُتبي بأقل سعر ممكن (٣٨ ريال لكتابي وهم الإنجاز وثورة الفن قبل الضريبة) سبب هذا الحِرص هو تشجيع المشتري على عدم التفكير مرتين قبل قرار الشراء، وطبعًا تشجيعه على اقتناء عدد أكبر من النسخ إن كان يريد إهداءها لأصدقائه وأحبائه. ولا أنسى إنني شخص قارئ قبل أن أكون كاتبًا، وقد أزعجني حقًا ارتفاع أسعار الكُتب المهول في معرض جدة للكتاب الأخير من قِبل دور النشر.
  • مهما كانت الجهود كبيرة في المقالات، فهي محدودة الوصول. عدد قراء ثورة الفن مثلًا وصل لعشرات الآلاف، أستطيع تعبئة ملعب كرة كامل إن جمّعتهم، في حين أن عدد قرّاء المقالات بالكاد يملأ صالوني بيتي من المخلصين والمنتظرين بحرارة للمقالة التالية، وهذا أمر محبط قليلًا لشخص كتب أكثر من مليون كلمة متاحة على موقعه الإلكتروني.
  • أميل اليوم مع فكرة التخفيف كثيرًا من كتابة المقالات شبه اليومية، والتركيز أكثر على الكُتب، لعل هذه الخلاصة هي الاعتراف الأهم هنا. فالوقت المخصص للكتابة في يومي محدود، والجهود الذهنية محدودة والعمر يمضي، ولا أريد أن أترك هذا العالم دون أن آخذ نصيبي في المشاركة بتغيير حياة الآخرين إلى الأفضل بأقصى مستوى من خلال ما أكتب.
  • أخشى أيضًا أن أخون بعض الأفاضل المحبين والمخلصين للمقالات بهذا القرار (إن اتخذته بصدق ووضع موضع التنفيذ)، وأجد أن إمساك العصا من المنتصف أمرٌ مطروح على الطاولة، فمقالة واحدة أسبوعيًا مثلًا قد تكون أمرًا لا بأس به كبداية، سأترك هذا الأمر للتجربة والظروف ورأي القارئ الكريم.

أود أن أعترف أيضًا..

الكتابة مهنة صعبة. تزداد صعوبة كل يوم. تأتي علي أيام لا أريد أن أرى شاشة الكمبيوتر لا أريد أن أكتب حرفًا واحدًا، والسبب إنني أعيش أيامًا كثيرة وأنا وسط تأنيب ضمير حاد بأنني مقصّر في كتاباتي، وأتألم كثيرًا عندما أكتشف أنني متأخر في إنجاز الكُتب المستقبلية التي ستُنشر. أعترف أنني أحيانًا ألوم نفسي على اختياري مهنة أكبر من قدراتي التي التزمت أخلاقيًا بها أمام نفسي.

أقف كثيرًا عند حيرتي بين حلمي في شكلي الذي أتخيّله وأنا عجوز يجلس على لوحة المفاتيح لا يزال يشارك أحباءه كتاباته، وبين رغبتي في أخذ إجازة مطوّلة بعيدًا عن هذا العالم. أقف بعد هذه الحيرة أمام نفسي لأوبخها على الكسل وأضيف نوعًا جديد من تأنيب الذات لهذه الأفكار الشيطانية.

أعترف أيضًا إنني لا أحب لحظات الضعف في حياتي بجميع أشكالها، ويعلم المقرّبين أنني لا أتهاون في إظهار أي ضعف لدي، ربما يكون «الإيجو» الخاص بالرجل هو السبب، ربما يكون حس المسؤولية هو السبب، وربما عبئ الثقة من الأحبة هو السبب.. الله أعلم. أكره الخسارة حتى في البلوت، أميل للقسوة في تبني آرائي وأفكاري وقناعاتي، وأتهكّم على الكسالى، وربما يكون هذا الخوف هو سبب آخر للتأنيب. أجد اليوم أن الحل الأوضح هو الجلوس بهدوء لتأمل الجانب الممتلئ من الكأس، وعدم ترديد أي فكرة سلبية.. مثل فكرة عدم استحقاقي لجائزة مرموقة في الكتابة عام ٢٠٢٠. عدم الالتزام في الكتابة شكل من أشكال الضعف عندي.

الكتابة في حياتي مثل اللوحة التي أرسم فيها الأفكار بكل أشكالها وألوانها، وأدعو فيها القارئ للاطلاع عليها. هي شكل من أشكال التعري الذي يسمح بانكشاف الروح أمام العامة، تتحقق معها أقصى درجات الإنسانية، وأقصى درجات ترك الأثر، وهذا الخليط السحري لا يقاوم.

كاتب هذه السطور لا يتمنى سوى حياة بسيطة مع كتاباته، وثرية بالأفكار.. ثرية بالقرّاء.

السطر الأخير يلخّص كل شيء.

كان الله في عون الجميع، وسنة مباركة يا رب.

 

أحمد مشرف

كاتب ومدون سعودي، مؤلف كتاب ثورة الفن، وهم الإنجاز، ومئة تحت الصفر. مقدم بودكاست أحمد مشرف، شريك في بعض المشاريع الصغيرة. مقيم بين ميامي وجدة.
زر الذهاب إلى الأعلى