عن الكتابة

  • لماذا لا يجب أن تطلب رأي الآخرين دوماً؟

    تعقيب سريع … في بداية شروعي لممارسة الكتابة بشكل منتظم عام ٢٠١٣ بدأت باستلام العديد من التعليقات على المقالات سواءً في صفحة المدونة أو في بقية صفحات التواصل الاجتماعي. كان معظم التعليقات مختصرة «يعطيك العافية …»، «لا أتفق …» إلخ.

    التعليقات الإيجابية ممتازة بطبيعة الحال، والتعليقات السلبية ستظل في عقلك ليومين أو ثلاثة، وربما يكون المُعلق قد كتب كلمتيه وهو في الحمام  – أعزك الله – على مقالة استنزفت الكثير من الوقت والجهد منك.

    في البدايات يحتاج أي فنان أو صاحب مهنة فنية (الكتابة في حالتي) لقدرة عالية في الاستمرار على الجلوس بشكل منتظم لممارسة فنه ومحاربة التسويف والمقاومة. والتعليقات السلبية ستساهم بشكل مباشر على كسر هذه الرغبة السهلة/الصعبة.

    عندما أسمح بشكل كامل لإعطاء الآخرين مجالاً للتعليق على مقالتي مثلاً، فإنني أفتح بذلك باباً من النقاشات والتي قد تستنزف وقتاً أحاول أصلاً توفيره للمزيد من العمل. ينطبق هذا الأمر على الكثير من الأعمال والأمور في حياتنا.

    لا أدعوك هنا بالتأكيد لعدم الاستجابة بشكل مطلق لآراء الآخرين! … لكنني أدعوك بأن تقنن هذا الأمر قدر المستطاع، وتبحث بشكل موضوعي – عالي الجودة – عن التعليقات التي تستحق بالفعل الانتباه لها. نتج عن هذه القناعة إغلاقي تماماً لخانة التعليقات في مدونتي منذ ٢٠١٣. والآراء الحقيقية والموضوعية للقارئ ستكلفه قليلاً عناء التواصل معي ونقاشي على الإيميل. فلن يقتطع شخص صاحب تعليق سطحي من يومه جهداً لفتح صفحة الإيميل ليكتب لي عنواناً وتعليقاً ليرسله؛ وسيفعلها صاحب التعليق الحقيقي.

    الكثير الكثير من الإخوة الأفاضل (خصوصاً الآنسات) يحرصون على أخذ آراء الآخرين في عملهم وفنونهم وهي بالكاد خرجت من الفرن. وإن حصل واستلمت إحدى التعليقات السلبية، سأجزم لك أن نسبة تقاعسها عن إنتاجها القادم ستصل إلى (٧٠٪). والعكس أيضاً صحيح، فالكثير من التعليقات الإيجابية خصوصاً إن كانت بهدف المجاملة، ستعطي صاحبتها نشوة الإنجاز والتي قد تدفعها أيضاً إلى التقاعس.

    كان الكاتب المعروف إيرنيست هيمينجوي لا يُطيق النُقّاد، ويعلق مبرراً «لو أخبروني أن كتاباتي جميلة … فأنا أعرف ذلك مسبقاً، وإن أخبروني أن كتاباتي سيئة، فسيقودني هذا الأمر إلى الإحباط».

    وأخيراً، لعلني أشجع على البحث عن رأي الاخرين بتقنية مختلفة وهي التي تنحصر في مرحلتين فقط: قبل البداية (بغرض البحث عن نصيحة وليس رأي) وبعد الانتهاء تماماً من إنتاج كبير (كالانتهاء تماماً من كتابة كتاب كامل) لأن المشروع الكبير قابل للتعديلات الطفيفة قبل الخروج للجمهور.

    وإياك أن تطلب آراء الآخرين بعد المرحلة الأخيرة .. أرجوك!

  • إيرنست همينجوي في الكتابة

    إيرنيست هامينجوي، الكاتب الكبير والبسيط في أسلوب كتاباته والذي حصل على جائزة نوبل للآداب.

    نهايته (المستفزة) بالإنتحار كانت تبعدني عنه دوماً، وها أنا الآن أبحث داخل عقله عن بعض قناعاته اتجاه الكتابة والكُتاب.

    يقول رداً على أحد السيدات بشكل غير مباشر حول رواياته:

    سيدتي، كل القصص إذا اكتملت لحدها ستنتهي بالموت، ولن يفعل أي روائي هذا الأمر من أجلك

    – الموت بعد الظهيرة ص١٢٢

    استغربت شخصياً عندما تعرفت عليه من خلال كتاب: لاري فيليبس عن إرنيست هامينجوي في الكتابة، أنه كان دوماً يحرص على التواصل مع أصدقائه من خلال رسائل خاصة يبعثها لهم، ويغلب عليها كثيراً ألفاظه النابية والجريئة، عكس ما يُظهره في الروايات، وانتقد عام ١٩٥٠ في إحدى رسائله لأصدقائه أن الناس أصبحت تحرص على الظهور على التلفاز أكثر من حرصها بالتواصل مع بعضها البعض …

    لا أعلم لماذا لا يكتب الناس لبعضهم كما في السابق، أعتقد على أية حال أنهم يريدون أن يظهروا على التلفاز بدلاً من ذلك

    – (في رسالة لصديقه ١٩٥٠)

    رغم روعة كتاباته واعتباره أحد أفضل من كَتب مطلع القرن العشرين إلا أنه كان يخشى كثيراً التعامل مع النُقاد، ولا يرى أن هذا الأمر سيساعده على أية حال، فالنقد الإيجابي لن يضيف للكاتب، والنقد السلبي ربما قد يسبب بعض الإحباط.

    ويقول في شأن الكتّاب والكتابة أيضاً:

    شيئان فقط يمكنك بها مساعدة أي فنان: أعطه المال واعرض أعماله للآخرين، هذه هي فقط احتياجاته الشخصية

    -(في رسالته لإيرنست والش ١٩٢٦)

    ويضيف في موقع آخر:

    على الكاتب أن يكتب ما يجب عليه قوله للآخرين، وليس ما تكلم فيه. -(في حفل استلامه لجائزة نوبل)

    قل لي ما هو الشيء الذي يدمر الكُتاب؟ … السياسة أم النساء أم الشراب أم الطموح!

    بل هو أيضاً نقص السياسة والنساء والشراب والطموح، أقولها الآن بعمق. (من كتاب جرين هيلز أوف أفريكا ص٢٨)

    الصحة هي رأس مالي الوحيد، يجب علي محاولة الحفاظ عليها بذكاء (في رسالتله لصديقه واليس ماير ١٩٥٢)

    وأربط بعض رسائله بواقعنا اليوم في وسائل التواصل الإجتماعي والحياة بشكل عام:

    أصبحت أفكاري تنكب على الكُتب اللعينة، وفي الوقت الذي تجدني فيه أكتب رسالة … إعلم أنني أتخاذل بها عن العمل (رسالة لصديقه جين بورتون عام ١٩٤٥)

    يجب أن تكون مكافئآتنا لأنفسنا من داخلنا فقط، الإعلام ومحبة الجمهور والظهور للإحتكاك بهم أو ببساطة أن تكون مع الموضة كلها أمور تافهة (في رسالته لصديقه برنارد برينسون ١٩٥٤).

    ستجد بعد نشرك لأي كتاب أنه من السوء أن تتطلع على تعليقات الآخرين، فإذا لم تفهمها ستشعر بالغضب، وإن فهمتها وكانت إيجابية فلم يقولوا لك شيءً جديد على أية حال .. (في رسالته لصديقه برنارد برينسن ١٩٥٢)

    كان هامينجوي يحرص على كتاب ٤٠٠ – ٦٠٠ كلمة يومياً على أقل تقدير، وكأي كاتب آخر كان يحرص على الحفاظ على روتينه الصلب بالتغلب على الإغراءات في حياته.

    شخصياً … وبغض النظر عن عيوبه كشخص فقد وجدت فيه الكثير من العنف والبساطة وخفة الدم والصراحة المتناهية، وقد عاش في عدة مدن في حياته وكان يتلاعب باختياره لأماكن عمله ومعيشته باستمرار فمثلا: تنقل بين إسبانية وفرنسا وأفريقيا وغيرها من المدن، وكان يعمل في عدة مقاهي وفي بيته دون تحديد مكان واحد يستقر فيه للكتابة.

    من التحديات الشخصية التي كان يخوضها مع نفسه هي حرصه (كما ذكر) في قراءة أي مادة تأتي إلى يديه، ويتفق معه ستيفن كينج حول أهمية الكتب السيئة على الكتب الممتازة والتي قد تساعده بتعزيز ثقته بنفسه بالقدرة على كتابة أعمال أفضل منها. وأيضاً ذكر في أحد المواضع أنه يحرص على الخروج بكتابات أجمل من أعمال الكُتاب الذين ماتوا قبله.

    لاحظت أيضاً أنه استشهد بكتابات الكاتب الروسي الشهير ليو تولستوي في عدة مواضع، منها انتقاده لحجم كتبه الكبيرة مثل رواية الحرب والسلام (١٤٠٠ صفحة تقريباً)، وفي مواقع أخرى تشجيعه لأصدقائه على قراءتها لأنها -حسب رأيه- أحد أفضل الأعمال الروائية/ السياسية التي خرجت للبشرية، وقد قال في أحد رسائله أن كتب تولستوي تشجعه على كتابة كتب كبيرة صعبة، وفي نفس الوقت تبعده عن قراءتها، وهنا أجد بعض التناقض والصراحة في نفس الوقت.

    لا أريد من خلال هذه المقالة القصيرة أن أمنع فرصة البحث عن هذه الشخصية العجيبة، بل كنت أود أن أُلفت النظر لبعض القناعات التي عاشها في حياته قبل رحيله.

  • بعد أن كتب ونشر أكثر من ٥٠٠ كتاب – إسحاق آسيموف عن الكتابة

    Photo source: Murphy Art. Elliott
    Photo source: Murphy Art. Elliott

    «كيف يمكن للإنسان أن يكون غزير الكتابة؟ أول احتياجاته ليصل إلى هذا الأمر هو شغفه لمراحل الكتابة.

    أقصد على المرء أن يكون شغوفاً للمرحلة التي بين أفكاره وإنهاء كتابه».

    ويؤمن غيره الكثير من الكُتاب أن أحد عيوب الكتابة هي: أن الكتاب لا يُكتب من تلقاء نفسه! الشغف لما بين النشر ووجود الفكرة هي المرحلة الأكثر تعاسة في حياة الكاتب. فهي مجرد عمل متواصل قد يتلقى مقابله الكثير من الصفعات قبل المديح.

    ويضيف آسيموف:

    «الكتابة بالنسة لي هي ببساطة أن أفكر من خلال أصابعي»

    «وفوق كل شيء … لا تفكر أبداً أنك لست جيداً بما يكفي، على الرجل أن لا يفكر بهذه الطريقة، إيماني في هذه الحياة بأن الآخرين يعاملون الرجل حسب تقديره لنفسه»

    «تعليم الذات بالنسبة لي … هو التعليم الوحيد الموجود»

    «لا أؤمن بخلود الإنسان; ولكن الطريقة الوحيدة لأخلق بعضاً من هذا الأمر هي من خلال كُتبي»

    «أرى أن هُناك نوعين من الكُتاب الأول: هو من ينزف بشدة من ألم التعليقات السلبية، والثاني: من ينزف بشدة من ألم التعليقات السلبية بشكل سري.»

    «أنا أكتب لنفس السبب الذي يجعلني أعيش … أكتب لكي أتنفس، فإن توقفت عن الكتابة سأموت»

زر الذهاب إلى الأعلى